حمروش، الإبراهيمي، زروال وعباسي.. خسروا خارج الصندوق
بقدر ما خسر النظام بعد المشهد الباهت لرئاسيات 2014، رغم أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة فاز بالانتخابات، بقدر ما خسرت المعارضة التي دعت إلى المقاطعة، وكانت تتحدث باسم الشعب بثقة عمياء، وكأنها وليّة أمره، وكان الخاسر الأكبر بعيدا عن الصندوق بعض الشخصيات التي أرعدت وأبرقت، وظنّت بأن صوتها لا يعلى عليه من خلال تصريحاتها ورسائلها التي تناقلتها مختلف وسائل الإعلام الوطنية والأجنبية، حيث اتضح أنها لا تمتلك قطرة من الشعبية حتى لا نقول من المصداقية، بل إن بعض التحاليل أكدت أن خرجاتها صبّت بالكامل في وعاء النظام، لأن ضعف المنتقِد يصبّ دائما في صالح المنتقَد كما هو معروف.
فخلال فترة ما قبل الانتخابات، تنافس بعض الذين يسمّون أنفسهم بالوطنيين والمعارضين، وراحوا يُنظّرون ضد النظام الحاكم، وتم استخراج حتى لقاء حميمي للرئيس الرحل علي كافي، وتحوّل المشهد أشبه بمسرحية موازية تروي عودة أهل الكهف، الذين لم يكونوا يعلمون بأن الأوراق السياسية التي بحوزتهم تجاوزت مدة صلاحيتها، ووجد النظام لأول مرة منذ ربع قرن تقريبا نفسه يقدم للعالم انتخابات لا تختلف عن الانتخابات التي تشهدها البلدان الديمقراطية شكلا طبعا، من مظاهرات ووقفات احتجاجية ورجالات من داخل الوطن تجهر بالنقد اللاذع للنظام من كل الأطياف، حيث تحدث بين يلس، ثم حمروش ولحق بهما أحمد طالب الإبراهيمي، واليمين زروال وعباسي مدني من قطر، واعتبرت أوساط سياسية أجنبية ما يحدث نوعا من الحريات والديمقراطية، فتحقق للنظام ما كان يطمح إليه، وبدا أصحاب الرسائل مثل أرانب مقاطعة رافقت النظام نحو هدفه ثم عادت إلى جحورها.
وإذا كان أصحاب الرسائل والخرجات قد ووجهوا من أول ومضة بكونهم من صلب النظام، حيث وُلدت الديكتاتورية في الجزائر في زمن كان فيه الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، حاملا لحقيبة وزارية مهمة، وترعرعت الديكتاتورية في أحادية الحكم عندما كان السيد مولود حمروش رئيس حكومة، ونضجت وتمكّنت من ضلوع المواطنين وسكنت في خلاياهم عندما حكم الرئيس اليمين زروال، لأجل ذلك صبّت كل هذه الرسائل في صالح النظام الجزائري الذي لم يجد صعوبة في البقاء في الحكم، وصار من المنطقي هذه المرة أن يعود هؤلاء إلى بيوتهم لآخر مرة، لأن الذين يطالبون الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، بتطبيق ما بعد صيحته الشهيرة من سطيف طاب جنانا، مقتنعون بأن هؤلاء أيضا بلغ جنانهم ما بعد النضج، فقد قدم بن يلس وأحمد بن الشريف وعباسي مدني دون علمهم خدمة للنظام، لأن الشعب يعلم بأنهم جميعا عجزوا عن تقديم الحلول، وسيكون خطأ كبير بدرجة جريمة لو حاول أي من أصحاب الرسائل أو الخرجات السياسية أن يتبنّى النسبة المرتفعة للمقاطعين والتي تجاوز عددها العشرة ملايين، وإذا كان الرئيس مُقعد وغير قادر على الحركة كما أوضحته الصور، فإن ما جاء في مختلف الرسائل التي قدمها منتقدو النظام من أبناء النظام الذين عجنهم وعجنوه أيضا، بدت لا تصدر سوى من مقعدين حاولوا أن يزنوا أنفسهم في طلّتهم الأخيرة، وعرفوا بالتأكيد وزنهم الحقيقي لدى الشعب الذي يريد التغيير فعلا، وسيظل يطالب به ولكن ليس من طرف بعض أرقام معادلة النظام.
ويعلم علي بن فليس، بأن نقطته السلبية التي عاقبه عليها الكثير من الناخبين، هو كون سيرته الذاتية حملت وزيرا سابقا ورئيس حكومة سابق في عهد منافسه الرئيس، وفي نظام حاول أن يقدم نفسه معارضا له، وإذا كان الحديث عن التزوير في نفخ نسبة المشاركة، وفي ميلان نسبة الرئيس بهذه القوة يمكن هضمها فإن وصول هؤلاء للحكم في زمن سابق، وحملهم حقائب وزارية وبلوغهم أعلى الدرجات كان أيضا من دون استشارة الشعب، وحتى السيد عبد الرزاق مقري، لمن لا يذكر قال للشروق اليومي في عدد 1016 بتاريخ 10 أفريل 2004، بالحرف الواحد عندما فاز حينها بوتفليقة بأغلبية ساحقة.. من قال إن بوتفليقة لن يمر في الدور الأول فهو لا يعي حقيقة الأمور، لأن هذا المرشح مدعم من كل التيار الإسلامي، ونحن معه دائما.
بعضهم حاول تقديم نفسه كملاك ولده شيطان النظام، وبعضهم حاول تبرير مواقفه السابقة بالخطأ، لأجل ذلك تيقن المواطنون بأن من أخطأ مرة قد يخطئ مرات، ومن حمل كروموزومات النظام لا يمكنه سوى أن تكون ملامحه مثل النظام، حتى ولو حاول القيام بعمليات تجميلية.