خطوات قبل السقوط إلى الخلف
عندما نقيّم ما يحدث اليوم، على المستوى العالمي، من وجهة نظر تاريخية واجتماعية واقتصادية وقيمية، يبدو لنا الأمر وكأن العالم الذي تشكَّل، على الأقل ما بعد الحرب العالمية الثانية، في ما يتعلق بالتعاطف الدولي الغربي مع ضحايا المحرقة النازية، الذي أوجد منظومة سياسية ونخبا ثقافية مجدت المفاهيم الغربية التقليدية كالحرية والإنسانية والحقوق والعنصرية وما شابه، هذا العالم الآن، يتغير ويتحول ويدير ظهره كليا لهذه القيم، بل ويصمت في أحسن الأحوال عندما يتعلق الأمر بشعب آخر غير الشعب اليهودي الذي عانى من المحرقة، وكأن ما يعانيه اليوم الشعب الفلسطيني، الذي يطالب وفقط، بحقه في الحرية والعدالة والمساواة وحقه في دولة مستقلة، ليس محرقة ألعن وأشد من محرقة النازية. العالم كله يرى ولا يشهد، بأنه، حتى ألمانيا النازية، لم تفعل ما فعله النازيون الجدد في غزة، على مرأى الشهود والقنوات، وهذا لمدة سنة كاملة بعد 7 أكتوبر 2023، دون أن ننسى المحارق الأخرى والحصار والتجويع للقطاع منذ عقود.
الغرب الذي يتعامى عن الحقيقة المرّة، بات سجينا لشعور بذنب أو سجين مظلومية تاريخية، وكأن الفلسطينيين والعرب والمسلمين هم من تسبَّبوا في الحرب العالمية الثانية والهولوكوست، مع أنهم كانوا ضحاياها ووقودها باعتبارهم كانوا تحت استعمار هذا الغرب الذي فجّر حربين عالميتين في أقل من نصف قرن.
لقد بات واضحا اليوم، أن العالم الغربي والقيم التي بُنيت على زيف الادِّعاءات والأورو مركزية الأنانية، التي لا تعترف بالغير كمعادِل ومُساو، لا يمكن له أن يعمِّر أطول، في اللحظة التي يمتشق فيها العدوان والعنف الذي راكمت له العدة طيلة سنوات الرغد والاستغلال والثروة المنهوبة من المستعمرات خلف البحار، وهذا لكي تُبقي على هيمنتها على العالم والجغرافيا المناوئة: إنه الانتقال نحو الدكتاتورية تحت عَلم الديمقراطية: هذا التناقض وهذه المفارقة، هي من ستجلب لأي قوة حالية المَهلكة في آخر المطاف، وهو ما بدأنا نلمسه اليوم في العالم.
نظام الحكم العالمي أو المحلي، ملكيا كان أم جمهوريا، أحاديا شموليا أم تعدديا ديمقراطيا، لا يمكن أن يستمرّ طويلا في حالة ركونه إلى العدوان والظلم، وهو يدّعي رسم قوانين دولية عادلة وتساوي الحظوظ وتقليص الفوارق والفجوات بين الناس والأمم والشعوب والحضارات. التاريخ يعلّمنا أن كل الإمبراطوريات العالمية من الفارسية والبابلية والفرعونية والإغريقية فالرومانية، هذه الأخيرة التي حكمت العالم عدة قرون، انتهى بها المطاف كلها إلى الانقسام ثم الاضمحلال بدخولها في حروب توسعية استعمارية، استنزفت قدراتها مع مرور الأجيال، رغم أنها كانت تبحث عن تقوية مواردها ونفوذها باستحواذها على مقدرات وخيرات أراضي وشعوب أخرى: انتهى بها المطاف إلى الضعف الاقتصادي والفساد السياسي والأخلاقي والقيمي، ليبدأ مسار السقوط قبل الانهيار الكلي عبر القطرة التي تُفيض الكأس: حرب إقليمية أو محلية أو أهلية.
اليوم، في غياب تامّ للقوانين الدولية من حيث التطبيق والاحترام، وفي غياب قوّة تنفيذ القرارات الأممية، بل وازدراء تامّ للمنظمة الأممية، وبمجلس أمن منقسم معطَّل بفيتو مقيت، التغيير بات قادما وبسرعة بولادة منظومة عالمية جديدة تعيد التوازن لعالم مختلّ يكاد ينهار. هذا ما سيحدث لاحقا، وفي الأجل المنظور: بعد أقلّ من نصف قرن، سنكون أمام عالم جديد كليا، علينا جميعا أن نحضر له محليا ووطنيا وإقليميا وعربيا، فلا أحد سيكون بمنأى عن التغير والتأثر بما سيحدث، حتى لا نتحول كعرب ومسلمين إلى حطب حروب أخرى قادمة قد تكون أكبر من أخواتها.