ديمقراطية يسقطها الانتخاب
منذ مطلع هذا العام 2014 انشغلت دول المتروبول عما يجري في الدول العربية وانصرفت إلى ما يجري في أوكرانيا ووصلت في انشغالها الأوكراني هذا إلى سياسة حافة الهاوية ثم تراجعت تاركة الدب الروسي عند الحد الذي اتفق عليه سياسيا وعسكريا واقتصاديا .. ولكنها لم تعد إلى ما يجري في الدول العربية المشتعلة منذ2011 فهذا العام 2014 هو عام نسيان هذه الدول حيث قُرر منذ سنوات أن تترك وشأنها حيث يأكل الناس بعضهم بعضا وتنهار دولهم الآيلة للسقوط منذ عقود.
لكن الملاحظ أن هذه الدول العربية التي ياكل ناسها بعضهم بعضا انشغلت هذا العام بالأنتخابات ..هذه الآلية التي يتفق الجميع على أنها مفتاح الديمقراطية، فهل هذا يعني أن الدول العربية المعنية دخلت بوابة الديمقراطية ؟؟
يتذكر الجميع أنه في تسعينيات القرن العشرين وإثر سقوط الاتحاد السوفيتي وجدار برلين أعلنت الولايات المتحدة سياسة القطب الواحد أو العولمة التي نظر لها مثقفو الامبريالية وعلى رأسهم الأمريكي _ الياباني في كتابه نهاية التاريخ ؛ يتذكر الجميع أنه في تلك الفترة نشطت الديبلوماسية الأمريكية بالمناداة بالديمقراطية في الوطن العربي واعتقد بعض العرب من مثقفين وسياسيين أن البيت الأبيض الأمريكي صادق في مناداته، وفاتهم أن الإستراتيجيين الأمريكيين يريدون تغيير وجوه النظام العربي المتأكلة والتي لم تعد مفيده لمرحلة مابعد انهيار السوفييت
لكن النظام العربي رفض تلبية الطلب الأمريكي بالانتقال إلى الديمقراطية ولو بالمقاييس الامريكية نفسها التي لاتضحي به، ولكنه كان مرعوبا حتى من رائحة الدبمقراطية والشارع العربي ومعه بعض المثقفين الرافض أصلا للنظام العربي الفاسد هو الذي رفض أيضا ديمقراطية الدبابات التي تشنقه على أبواب روما كما رفض وخاصة في الجزائر أن يصلب على جدران التراث، فالعرب في مختلف أقطارهم مشرقية ومغربية بريدون ثورة المستقبل على الحاضر وليس ثورة الماضي ضد المستقبل .. وثورة المستقبل على الحاضر لا تجب الماضي ولا تدمر الحاضر بل تأخذ أفضل ما فيهما إلى مستقبل تراه هي وتصنعه هي.
وحين تحرك المجتمع العربي في تونس نحو هذا المستقبل أسرعت دول المتروبول وركبت هذا الحراك واستخرجت من جراب الحاوي احتياطها من الأحزاب والهيئات والجماعات حتى أن هيلاري كلينتون رقصت في
ميدان التحرير في القاهرة. ودخلت الأحزاب في تونس صراعات كانت نتيجتها ألأبتعاد عن الديموقراطية، وأما في سورية فتقاتل المعارضون والنظام قتال ملة الكفر ببعضها، ثم أسقط النظام الديمقراطية بهذه الانتخابات التي رسخت الديكتاتور، أما في مصر فقد جاءت الانتخابات بديكتاتور من ضباط كامب ديفيد.. أما العراق فالانتخابات فيه أدت إلى تقسيمه على أرض الواقع وهو الآن ينشطر أكثر فأكثر، فرئيسه الطالباني معتكف في مستشفاه بألمانيا ونائبه طارق الهاشمي هارب بين عدة دول. أما اليمن فلم تنفع فيه لا الأمم المتحدة ولا القبائل ولا ذهاب رأس النظام ولا الطائرات بدون طيار وهاهو يعود إلى قبائل متناحرة كما كان العهد قبل ألف عام أو يزيد.
إذن فهذه الانتخابات لم يكن هدفها سوى إسقاط فكرة الديمقراطية نفسها بآلة الديمقراطية ذاتها بالانتخاب وبالتالي فعلى المواطن العربي أن يتأكد ان عليه ان لايحلم بالديمقراطية يوما وما عليه سوى أن يرضى بهؤلاء الحكام الذين إذا طردهم من الباب يأتونه من النافذة، هم يأتون على ظهر دبابة أو بصندوق اقتراع وأن عليه أن يرضى بمصادرة مستقبله عبر نهب ثرواته وتغيير ثقافته لغة ودينا، باختصار عليه أن يقتنع بأن العبودية هي أصله ومصيره وأن عليه أن يظل في خدمة سيده الرومي وأن هذا الذي يسميه وطنا ليس أكثر من متحف للإنسان القديم الذي ينقرض.
ولكن هل هذا قدره فعلا؟
صحيح أن الفرق بين العرب وأعدائهم اليوم هو كالفرق بين قوة الدابة والدبابة …. وهو ذات الفرق الذي كان قائما بين العرب وجمالهم والروم والفرس ومنجنيقاتهم .. وتغيرت هذه المعادلة في ذلك الزمان لأنه لم يكن للعربي ما يخسره سوى بؤسه.
واليوم أسأل ماالذي لدى العربي ان يخسره سوى بؤسه أيضا؟ إن هذا البؤس الديمقراطي لن يطيل عمر النظام العربي كما لن ينفع دول المتروبول … فهي تدور.