-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
التّكنولوجيات والإعلام الآلي تنافس الطّب والصيدلة

سلم أولوية الناجحين يتغير والاختيارات تسقط العرف الاجتماعي

نادية سليماني
  • 5271
  • 0
سلم أولوية الناجحين يتغير والاختيارات تسقط العرف الاجتماعي
ح.م

وزارة التعليم العالي: برامج تكوين تجمع بين التخصصات الكلاسيكية والمهارات الرّقمية
6 آلاف طالب يلتحقون بالمعاهد الجامعية الخاصّة

نشهد ومع التطوّر السّريع للتكنولوجيا، تحوّلاً ملحوظاً في اهتمامات الناجحين في شهادة البكالوريا، حيث باتت الشعب المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وعلوم النانو والتخصصات التقنية واللغات الأجنبية، تجذب أعدادا متزايدة من المُتفوّقين، فهل هذا التحوّل سببه تنامي الطلب على الكفاءات المؤهلة في مجالات الابتكار الرقمي والصناعات المستقبلية، حسب تأكيد أكاديمييّن، أم هو تغيّر في سُلم القيم التعليميّة، حسب تفسير المختصين الاجتماعيّين؟
تغيّرت أولويّات وتطلّعات الناجحين في شهادة البكالوريا خلال السنوات الأخيرة، وشهدت اختياراتهم لمسارهم الجامعي، تحولًا ملحوظًا، حيث ارتفع الإقبال على تخصصات الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات، والهندسة، والتقنيات الحديثة، مدفوعين بالتطوّر السريع للتكنولوجيا وحاجة سُوق العمل إلى كفاءات في هذه المجالات.
وتعزّزت هذه الملاحظات، بمجرد كشف وزير التعليم العالي والبحث العلمي، كمال بداري، عن نتائج توجيه حاملي شهادة البكالوريا دورة جوان 2025، حيث اختار نحو 65.30 بالمائة من الطلبة الجُدد، تخصصات العلوم والتكنولوجيات الحديثة، مقابل 34.70 بالمائة توجّهوا نحو شعب العلوم الإنسانية والاجتماعية، وهو ما يُظهر ميلاً متزايدًا نحو التخصصات التقنية والعلمية ذات العلاقة بالرقمنة والتكنولوجيا.


ويُمكن القول، بأن الموسم الجامعي المقبل، سيكون موسما ذكيا وآمنا سيبرانيّا، بعد ما باتت اختيارات الناجحين، أكثر ارتباطاً بسوق العمل العالمي ومتطلبات التنمية الحديثة.
وفي المقابل، سجّل انخفاض في الإقبال على الشعب الإنسانية، وحتى على اختصاصيْ الطب والصيدلة التي بدأت تفقد “بريقها” لدى كثير من المتفوّقين. بينما لم تعد ميزة التوظيف المباشر الذي تضمنه المدارس العليا لخريجيها “تغري” شريحة من الجامعييّن، الباحثين عن الوظيفة السريعة والمرموقة.

الأولياء والأبناء.. صراعات التخصص
لاشك ان ظاهرة اختيار التخصّصات الجامعية، غالبا ما تكون مصدرا للصراعات بين الأولياء وأبنائهم، ففي سنوات سابقة، لم يكن الولي ينتظر مفاجآت أو صدامات من ابنه الناجح، فالمنطقي ساعتها أن الطالب المتفوق يتوجه نحو اختصاصات الطب والصيدلة لـ”تشريف” عائلته، حتى ولو أمضى سنين طويلة في مشواره الجامعي. بينما العائلات التي تضم أساتذة، فيختار ناجحوها ومن دون تردد سلك التعليم إقتداء بمحيطهم، وغالبيتهم من الإناث. أما حاليا فتبدلت المعايير، وذلك حسب ما رصدناه خلال عملية تسجيل الطلبة الناجحين لدورة 2025.
“نوال” طالبة جامعية من الجزائر العاصمة، تحصلت على البكالوريا بمعدل 16 في شعبة العلوم، والدتها كانت تحلم بتسجيل ابنتها في اختصاص الصيدلة أو شبه الطبي، لحُلمها الدائم برؤية ابنتها بالمئزر الأبيض. ولكن “نوال” فاجأت والدتها بإصرارها على التسجيل في قسم اللغة الإنجليزيّة، والتي ستفتح لها آفاق توظيف عالمية مستقبلا، حسب رؤيتها. الوالدة تحدّثت معنا وهي “مصدومة” من اختيار ابنتها، ولا تزال الاثنتان في صراع لاختيار التخصّص الذي يناسب رغبة كل واحدة منهما.
واكتشفنا أن كثيرا من الناجحين يفضلون التسجيل في اختصاص اللغات الأجنبية، سعيا وراء منح أجنبية للدراسة بالخارج، وهو ما يرفضه بعض الأولياء. وطلبة ناجحون كُثر، قرّروا إعادة امتحان البكالوريا، للتسجيل في الشعب التقنية التي كانوا يحلمون بها، ومنها الذكاء الاصطناعي والإعلام الآلي، وقد أخبرتنا إحدى الأستاذات التي حرست بمركز إجراء البكالوريا 2025 ببوزريعة الجزائر العاصمة، بأن القسم الذي حرسته ويضم 7 مترشحين أحرار، جميعهم متحصلون على البكالوريا ولكنهم قرّروا خوض غمار الامتحان مُجددا، للحُصول على المعدل المناسب لدخول مدرسة الذكاء الاصطناعي وعلوم النانو. وحتى ناجحين جُدد يفكرون في إعادة امتحان البكالوريا، للظفر بالتخصص التقني الذي يحلمون به.

مستشار وزير التعليم العالي والبحث العلمي عبد الجبار داودي:
مهن الغد “الرّقمية” تستقطب الطلبة أكثر


أكد مستشار وزير التعليم العالي والبحث العلمي، عبد الجبار داودي، أن توجيه حاملي شهادة البكالوريا دورة 2025، يحمل مؤشرات قوية حول الانزياح الحاصل نحو ميادين العلوم والتكنولوجيا، بنسبة قُدرت 65.30 بالمائة، مقارنة بميدان العلوم الإنسانية والاجتماعية الذي بلغت نسبة التوجه فيه 34.70 بالمائة.
ويُفسّر هذا التوجه، حسب عبد الجبار داودي في تصريح لـ”الشروق”، وخاصة لحاملي شهادة البكالوريا بتقدير امتياز وجيد جدا المتوجهين للمدارس العليا الكبرى ودراسات المهندس، وخاصة نحو الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، والإعلام الآلي، الرياضيات، تكنولوجيات النانو، الأنظمة المستقلة.
فكل هذه التخصصات، أصبحت “تستقطب أكثر فأكثر هؤلاء الطلبة، خاصة بسبب التحولات العالمية التي باتت تركز على ما يعرف اليوم بمهن الغد المرتكزة أكثر على هذه العلوم والتكنولوجيات الدقيقة والحديثة، وطلبتنا ليسوا بمنأى عما يحصل في العالم من تطورات وتحوّلات” على حدّ قوله.
وكما أن هذه التحولات في الرغبات، حسب ما ذكره عبد الجبار داودي، متعلقة بسوق التشغيل، بعد ما صار هدف كل طالب بعد نيله شهادة نجاحه في التخصص، البحث عن مكان للتوظيف.. والمهن والوظائف التي تُقترح اليوم كلها وظائف علمية وتقنية، في ظل الثورة الرقمية والتكنولوجيا التي يشهدها العالم بأسره، وباتت التكنولوجيات الحديثة، تخصصات مطلوبة أكثر في سوق الشغل، وهذا من بين المحفزات التي جعلت الطلبة يتوجهون أكثر نحوها. علاوة، على أن تفكير كثير من الجامعيين، بالاشتغال بطريقة حرة، على غرار ما تقدمه الدولة في مجال المقاولة الذاتية ومن خلال المؤسسات المصغرة الناشئة.
ليخلص مستشار وزير التعليم العالي، إلى أن كل هذه التحفيزات التي تقدمها الدولة اليوم، هي عوامل تحفز الطلبة نحو الاختيارات العلمية والتكنولوجية بُغية إنشاء مؤسساتهم مستقبلا، بعد الانتهاء من مسارات التكوين في هذه الميادين.
إلى ذلك، أجمع الأكاديميون والباحثون الذين تحدثوا إلى “الشروق”، على أن تحول الاهتمامات، يُعد ظاهرة متوقعة ومفيدة إذا ما أحسن الفرد والمجتمع إدارتها، وتم السير فيها بمرونةً فكريةً وتخطيط واع للحفاظ على التوازن بين التغيير والاستمرارية.
ومُؤكّدين، بأن التوجه نحو تغيّرات في هيكلة البرامج الجامعية وزيادة الطلب على البنية التحتية الرقمية والتكوين التقني، ومع أهميته، لكنه قد يسبب في الوقت نفسه نقصًا في الخريجين المتخصصين في التاريخ والفلسفة والاجتماع واللغة، مما يضعف القدرة على التحليل الثقافي والاجتماعي اللازم لصناعة سياسات متوازنة ومسؤولة.
ويدعو الأكاديميون والباحثون، إلى ضرورة تبنّي حلول على غرار تحديث مناهج العلوم الإنسانية لتضم مهارات رقمية وتكنولوجية، وفتح مسارات مشتركة تربط بين التقنيات والإنسانيات، علاوة على تعزيز الإرشاد المهني لدى التلاميذ لتوضيح آفاق كل تخصص، بالإضافة إلى تقديم حوافز للبحث في المجالات الإنسانية، وضرورة حدوث اندماج وليس قطيعة بين العلوم الإنسانية والذكاء الاصطناعي.

المختصة في علم الاجتماع ثريّا بن بريكة:
العولمة والرّقمنة غيرت سُلم القيم التعليميّة


وتُعدُّ ظاهرة تحوّل الاهتمامات، سمةً بارزةً في المجتمعات المعاصرة، إذ تتبدّل أولويات الأفراد بفعل عواملٍ اجتماعيةٍ وثقافيةٍ وتكنولوجية، وهو ما يفسر تغير اهتمامات ونظرة الأجيال المعاصرة لمختلف نواحي الحياة، وبالضرورة انعكس الأمر على تغير سُلم القيم التعليمية. فبعد ما كانت العلوم الإنسانية ركيزة تكوين النخبة الثقافية والفكرية، أصبحت الأولوية للعلوم التي تُترجم مباشرة إلى منتجات وخدمات في السوق، وهذا ما تشرحه المختصة الاجتماعية، ثريا بن بريكة في تصريح لـ”الشروق”.
وقالت مُحدثتنا، بأن طلبة اليوم باتوا يبحثون عن صورة النجاح في المجتمع، التي باتت تقاس في نظر الكثيرين، بمدى الحصول على وظيفة مرموقة ومرتفعة الدخل، وهو ما وجدوه في التخصصات التقنية أكثر من غيرها.
مُرجعة أسباب ذلك، إلى تأثير الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، والتي تبرز قصص نجاح رواد التكنولوجيا والشركات الناشئة، ممّا يغذي رغبة الشباب في خوض مجالات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة. وأيضا إلى تغيّر طموحات الجيل الجديد، الذي أصبح اليوم أكثر انفتاحًا على العالم مما يدفعه لاختيار تخصصات مواكبة للثورة الرقمية.
وأكدت ثريا بن بريكة، بأن تراجع المكانة الاجتماعية للتخصصات الإنسانية في تفكير البعض وربطها بقلة فرص العمل، أثر على قرارات الطلبة حتى لو كانت ميولهم أكاديمية أو ثقافية.
لتخلص المختصة الاجتماعية، إلى أن هذا التحول في اهتمامات الطلبة، يعكس انتقال المجتمع تدريجيًا نحو ما يُعرف بـ”المجتمع المعتمد على المعرفة”، بعد ما أصبحت المعلومات والتكنولوجيا، هي المحرّك الأساسي للنمو الاقتصادي والتأثير العالمي.
وأضافت قائلة “الهوية المهنية للشباب أصبحت تتشكل وفق صورة المهندس المبتكر أو مطور الذكاء الاصطناعي أكثر من الأكاديمي أو الباحث في العلوم الاجتماعية، نتيجة التأثير الثقافي للعولمة والاقتصاد الرقمي”. وبالتالي أضحت العلاقة بين التعليم والعمل أوثق، بعد ما بات يُنظر للتعليم كاستثمار يجب أن يُحقق عائدًا ملموسًا في شكل فرص عمل أو مشاريع رياديّة”.

المُختص في علم الاجتماع مسعود بن حليمة:
التكنولوجيات أسقطت بقية العلوم بالضربة القاضية


ومن جهته، قال المختص في العلوم الاجتماعية، مسعود بن حليمة لـ”الشروق”، بأن الثلاث سنوات الأخيرة، شهدت تغيرا في رغبات الناجحين في البكالوريا، والذين باتوا يقبلون على الاختصاصات التقنية أكثر، وسبب ذلك، حسبه، هو التطور التكنولوجي والاقتصادي والاجتماعي وحتى الثقافي الحاصل في المجتمعات الرقمية الحديثة.
وقال بن حليمة، بأن طلاب اليوم، بات أغلبهم يفضل الالتحاق باختصاصات جامعية، توفر عليهم الجهد في الحفظ والبحوث وتمكنهم من الالتحاق بعالم الشغل سريعا، وهو ما وجدوه في الشعب التقنية الحديثة. ويمكن القول بأن اختصاصات الذكاء الاصطناعي تفوقت على بقية العلوم “بالضربة القاضية”، على حد قوله.
وأضاف “أمّا العلوم الإنسانية والطب والفلسفة والآداب، فهي مُتعبة بالنّسبة إلى كثيرين يبحثون عن دراسة مريحة مرتكزة على الفهم أكثر”.
وخلص بن حليمة، إلى أن “المجتمع الجزائري، يسير نحو الحداثة أكثر، متخليا عن بعض عاداته وتقاليده، والتي فرضها عليه التطور المتسارع والمذهل للرقمنة، وهو ما انعكس حتى على نوعية التخصصات الجامعية، والتي باتت الأفضلية فيها للاختصاصات الإنتاجية والتي تفتح آفاقا في التوظيف الدولي للفرد”.

الباحث الأكاديمي عبد العالي زواغي:
الطّب والصّيدلة ومدارس الأساتذة فقدت بريقها بفعل التشبّع


ويُفسِّر الباحث الأكاديمي والكاتب، عبد العالي زواغي، أسباب تغيُّر نظرة الناجحين في شهادة البكالوريا للتخصصات التي توفرها الجامعات، حسب اعتقاده إلى عاملين أساسيّين، أولا الزخم الكبير الذي باتت تشكله التخصصات التقنية، لاسيما الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح، حسبه، بمثابة موجة تقنية عالمية تستقطب العقول والكفاءات العالية.
وثانيا، لأن التخصّصات الأخرى، كالطّب والصيدلة والمدارس العليا للأساتذة، بدأت “تفقد بريقها بفعل التشبّع في عدد الخريجين الذي تراكم منذ سنوات، بعد أن كانت تستقطب أغلب المتفوّقين” على حدّ قوله.
ويقول زواغي في تصريح لـ”الشروق”، أن الناجحين اليوم، لاسيما المتفوقون منهم، يتّجهون إلى التخصّصات التقنية، خاصة الذكاء الاصطناعي، لأنه مجال ناشئ وواسع جدا، بعد ما صار متغلغلا في أدق تفاصيل الحياة المعاصرة، وهو يتعاظم يوما بعد يوم في جميع المجالات، بما يجعل منه اختصاصا قويا في الحاضر والمستقبل. ومن شأن ذلك أن يضمن للطالب فرصا أكثر من التخصصات الأخرى، ويفتح له آفاقا لا تمنحها بقية الشّعب، سواء في التوظيف في الجزائر أو حتى في بلدان ومخابر عالمية آخر.
ويقول الباحث، أن تغير اهتمامات الطلبة نحو الاختصاصات الجامعية “يعكس وعيًا متزايدًا لدى الناجحين في شهادة البكالوريا، بأهمية التخصصات التقنية في ضمان مستقبل مهني واعد، خاصة مع الثورة الصناعية الرّابعة التي أعادت رسم خارطة المهن عالميًا”.
في المقابل، لوحظ تراجع نسبي في الإقبال على التخصصات الإنسانية والاجتماعية، حسب محدثنا، نتيجة تصوّر عام بأنها أقل ارتباطا بفرص التوظيف السريعة، رغم أهميتها في تنمية الفكر النقدي والحفاظ على الهوية الثقافية. ليخلص عبد العالي زواغي، إلى أن هذا التحوّل يعكس مزيجًا من الطموح الشخصي والاعتبارات الاقتصادية والتكنولوجية التي تؤثر في قرارات الطلبة اليوم.
ووجد كثير من الناجحين الجدد في البكالوريا، في المعاهد الجامعية الخاصة، والتي تقدم تكوينات في الاختصاصات الجامعية الحديثة وخاصة المتعلقة بالتكنولوجيات الرقمية والعلوم وريادة الأعمال، سبيلا لتحقيق أحلامهم، لدرجة صار حتى أبناء الطبقات المتوسطة يلتحقون بالتعليم الجامعي الخاص. وحسب ما ذكره وليّ تلميذ ناجح لـ”الشروق”، بأنه يسعى لإلحاق ابنه الناجح في شعبة الرياضيات بمعهد خاص يوفر له تعليما في التكنولوجيات الحديثة، بعد ما لم يؤهله معدل 15 للالتحاق بمدرسة الذكاء الاصطناعي، ورغم أن هذا الوالد يشتغل أستاذا بمتوسطة، ومع ذلك قال “سأفعل كل ما بوسعي لتوفير مصاريف الدراسة لابني بمعهد خاص”.

المدير العام لمجمّع “INSAG” نسيم لوناس:
معاهد التكنولوجيات وريادة الأعمال باتت تستقطب طلبة من مختلف المستويات


ولأخذ فكرة عن المعاهد الجامعية الخاصة التي باتت تلقى إقبالا لافتا عليها من الناجحين الجدد للبكالوريا، التقت “الشروق” مع المدير العام لمجمّع “INSAG Éducation Group” في الجزائر، الدكتور نسيم لوناس، والذي يدير مجمّعا جامعيا خاصا يضمّ معاهد ومدارس عليا متخصّصة في مجالات إدارة الأعمال، التسويق، المالية، تكنولوجيا المعلومات.
وأكد نسيم لوناس، بأن مجال التعليم العالي الخاص في الجزائر انطلق سنة 2017، ومنذ ذلك الحين تم اعتماد حوالي عشرين مؤسسة خاصة موزعة على عدة تخصصات. ويبلغ عدد الطلبة المسجلين في هذه المؤسسات نحو 6000 طالب فقط من أصل 1.8 مليون طالب في مختلف الجامعات، أي بنسبة تقدر بـ0.33%.
ويعتبر لوناس، بأنه بالمقارنة مع تونس مثلًا، التي فتحت مجال التعليم العالي الخاص منذ أكثر من عشرين عامًا، يضم القطاع 85 مؤسسة خاصة تستقبل أكثر من 48 ألف طالب، ما يمثل حوالي 15% من إجمالي الطلبة، وتسهم سنويًا في تخريج أكثر من عشرة آلاف حامل شهادة، مضيفا “هذا الفرق يعكس حداثة التجربة الجزائريّة، ويبرز في الوقت نفسه إمكانات كبيرة للنمو والتطور في السنوات القادمة”.
وبخصوص تغيّر اهتمامات الطّلبة الجامعيين، أشار نسيم لوناس، والذي يتمتّع بخبرة واسعة في مجال ريادة الأعمال والتخطيط الاستراتيجي، والتسويق الرقمي، بأن توجه الطلبة نحو الاختصاصات الجامعية العلمية والتقنية، يعكس وعيا متزايدا لدى الجيل الجديد بمتطلبات سوق العمل، الذي يتغير بفعل الرقمنة والذكاء الاصطناعي.
مُعتبرا، أن الطلبة المتفوقين لم يعودوا يبحثون عن المسارات التقليدية في دراستهم الجامعية، بل عن مجالات تمنحهم فرصا للابتكار وريادة المشاريع، وللانفتاح على وظائف ذات بُعد عالمي .وشدد على ان التخصصات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات، باتت توفر مسارات مهنية واسعة، على عكس التخصصات التقليدية التي بقيت محدودة من حيث تنوع الآفاق.
وعن مستقبل التعليم الجامعي الخاص في الجزائر، والذي بات يتيح للطلبة اختصاصات تعليمية حديثة، على غرار معهد IFAG الذي يشرف الدكتور نسيم لوناس، على إدارته، ويعمل في الوقت نفسه على تطوير التعليم العالي الخاص في الجزائر من خلال إطلاق برامج أكاديمية مبتكرة وشراكات، فقال “مثل هذه المعاهد تتيح للناجحين الجدد في البكالوريا حتى من دون معدلات مُرتفعة، الولوج إلى تكوينات حديثة ذات قيمة عالية.. فما نبحث عنه في معهدنا قبل كل شيء هو شغف الطالب ورغبته في التعلم والابتكار، كما أن برامجنا تركز على تنمية المهارات العملية، التفكير النقدي، العمل على مشاريع واقعية”. ليكشف، أنه خلال السنوات الأخيرة، تم ملاحظة ارتفاع واضح في الإقبال على برامج معهد “INSAG” خاصة في مجالات التحوّل الرقمي وإدارة الأعمال، وهو ما فسره لوناس، على أنه يعود لملاءمة عُروض هذا المعهد مع حاجيات السوق وإلى شراكاتهم مع المؤسسات وانفتاحهم الدولي الذي يمنح طلبة المعهد “ميزة تنافسية قوية” على حدّ تعبيره.
ويُشار، أن مجموعة “INSAG” للتعليم، تعتبر قطبا تعليميا مبتكرا يضم ثلاث مؤسسات تعليم عالٍ مرموقة، وهي المعهد العالي IFAG، ومدرسة “INSAG” للأعمال بالجزائر العاصمة، مدرسة “INSAG” للأعمال بقسنطينة.

مدير الشؤون الأكاديمية بالمعهد العالي للعلوم إلياس عبد العزيز:
الجيل “Z” يُوازن بين الحياة التكوينية المهنية والشخصية


ومن جهته، أكد مدير الشؤون الأكاديمية بالمعهد العالي للعلوم ببرج الكيفان الجزائر العاصمة، إلياس عبد العزيز، على تحوّل خارطة ميولات الطلبة خاصة المُتفوّقين، أين أصبح مثلا الإعلام الآلي ينافس الطّب في قمة سلّم التخصصات.
ونوّه في تصريح لـ”الشروق”، بأنّ ما نلاحظه مؤخرا، حول إقبال الطلبة الناجحين في البكالوريا وخاصة المتفوقين منهم، على تخصصات الإعلام الآلي والتكنولوجيات الحديثة، على حساب التخصصات الطبية والأدبية وتخصصات الهندسة الكلاسيكية، بأن هذا التغيير ليس بمعزل عما يحدث في دول العالم، “بل هو جزء من ظاهرة عالمية بدأت تطفو على السطح في عدة دول رائدة في التعليم، مثل كوريا الجنوبية، الهند، ألمانيا، الولايات المتحدة، حيث تزايد الإقبال في هذه الدول على تخصصات مثل الذكاء الاصطناعي، علوم البيانات، الأمن السيبراني، هندسة البرمجيات، على حساب التخصصات التقليدية بما فيها الطب، وهذا يعكس عمق التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية التي يشهدها العالم” على حدّ قوله.
ويرى إلياس عبد العزيز، باعتباره متخصصا في هندسة وتكنولوجيات الطيران ومتخرج من المدرسة الوطنية المتعددة التقنيات، بأن دوافع هذا التحول مختلفة، أولها تفكير الطالب في ضمان مستقبل مهني مرن وواعد وفرص عمل سريعة ذات رواتب مغرية، مع إمكانية العمل عن بُعد في أسواق خارجية بالتوازي مع فترة التكوين، والتي توفره له التخصصات التقنية خصوصا في فروع الإعلام الآلي.
ممّا يجعل، حسبه، هذه التخصصات “جذابة لطلبة الجيل Z الذين يسعون إلى تحقيق التوازن بين الحياة التكوينية المهنية والشخصية”. وعلى صعيد آخر، نلاحظ فقدان الطبّ لجاذبيته كمهنة “آمنة ومستقرة”، كونها قد غدت تخصّصا ذو مسار طويل، لا يمنح المرونة في نمط الحياة ولا يواكب سرعة الابتكار التكنولوجي، على حدّ قوله.
الدافع الثاني، حسب محدثنا، هو صعود رموز تكنولوجية كنماذج ملهمة للشباب “رغم تحفظي من اعتبارهم نماذج حقيقية للشباب”. فالكثير من الطلبة، حسب إلياس عبد العزيز، في وقتنا الحالي يتأثرون برواد التكنولوجيا باختلاف أسمائهم واختلاف إمبراطورياتهم، سواء كانوا غربييّن أو شرقيين، باعتبارهم رموزا للنجاح السريع والإبداع الفردي “فقد أصبحت البرمجة والابتكار التكنولوجي مرتبطة بصورة “النجاح السريع” و”التحكم في المستقبل”، هذا ما يدفع الشباب لمحاكاة مسارهم وتجاربهم ونمط حياته” على حدّ قوله.

التعلم الذاتي والشركات الناشئة تكرس ميول الطلبة
والسبب الثالث لتحول توجهات الطلبة الجامعيين، يقول المدير الأكاديمي لمعهد العلوم، هو بروز ثقافة التعلم الذاتي وريادة الأعمال، التي عززتها منصات التعليم الإلكتروني وبيئة الشركات الناشئة (Startups)والتي بدورها كرست هذه الميول، وسهلت على الشباب التعمق في هذه التخصصات من دون الحاجة إلى سنوات طويلة من التكوين الرسمي، كما هو الحال في الطّب أو الهندسة التقليدية، كما أتاحت هذه المنصات التعلم الذاتي واكتساب مهارات مطلوبة عالميًا من دون شهادات تقليدية. وبخصوص الانعكاسات المحلية المُحتملة لظاهرة الإقبال على التخصّصات الجامعيّة الحديثة، وجهود الدولة الجزائرية، فيشير محدثنا، إلى أن ملامح هذه الظاهرة بدأت تظهر تدريجيًا، لاسيّما لدى الطلبة المتفوقين والذين يتابعون التطورات العالمية وtrends عبر الإنترنت.

الدولة أدمجت التكنولوجيا في مختلف التخصّصات
وأضاف أن “هذا الأمر يضعنا أمام مرحلة مفصلية في منظومتنا الجامعية، حيث لم يعد كافيًا الاعتماد على السّمعة التاريخية لبعض التخصصات لجذب المتفوقين، فالمطلوب اليوم هو تقديم تكوين عصري، تطبيقي، ومواكب لتحولات السّوق”.
في هذا الصّدد، لا يُمكن إغفال جهود الدولة الجزائريّة، حسب قول محدثنا، في مُواكبة هذه التحولات العالمية، وذلك من خلال إدماج التكنولوجيا في مختلف التخصصات الجامعية، وتحديث مناهج التكوين لتتماشى مع مقتضيات العصر الرقمي.
وأشار، إلى مبادرة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي حديثا في طرح برامج تكوين مزدوجة (double diplomation) تجمع بين التخصصات الكلاسيكية والمهارات الرّقمية، خصوصًا في ميادين مثل الطب، الهندسة، الاقتصاد وحتى في العلوم الإنسانيّة .وكما أن هناك توجّها واضحا نحو تحسين منظومة توجيه الطلبة، من خلال المنصّات والحلول الإلكترونية التي تعمل على تحليل اختيارات الطلبة وتوجيههم بشكل أكثر دقة وفعالية، من خلال مقارنة بيانات التسجيلات الجامعية في السنوات السابقة، واستثمارها في صياغة سياسات تعليمية واقعية ومبنية على المعطيات.

ارتفاع أعداد الملتحقين بمعهد العلوم..
وخلُص، مدير الشؤون الأكاديمي، إلياس عبد العزيز، إلى أنّ هذه الظاهرة يعايشونها يوميًا بجامعة المعهد العالي للعلوم، والتي تعتبر أوّل جامعة خاصّة جزائريّة متعددة التخصّصات تأسّست عام 2019، بأنهم رصدوا في السنوات الأخيرة ارتفاعًا كبيرًا في عدد الطلبة الملتحقين والمتخرجين من تخصصات الإعلام الآلي وتفرّعاته المختلفة في الليسانس والماستر، بما في ذلك الأنظمة المعلوماتية، الذكاء الاصطناعي، الأمن السيبراني، تطوير البرمجيات وتكنولوجيا الويب.
وأضاف قائلا “وكما سجلنا إقبالًا متزايدًا على تخصص الاقتصاد، خاصة بعد أن قمنا بتحديث النشاطات البيداغوجية وربطها بالمهارات الرّقمية، من خلال ورشات وتدريبات تطبيقية، تمنح للطالب أدوات فعالة للاندماج في السوق الرقمية”.
وهذه التوجهات، حسب محدثنا، هي ثمرة جهود متواصلة لمواءمة برامج معهدهم التكوينية وتحسينها وفق متطلبات السّوق واحتياجات التحول الرقمي، وهو ما جعله يتمنى في المستقبل القريب، تعميم هذه التجربة على باقي التخصصات المتوفرة بالمعهد، كالقانون، وعلوم التربية، وعلم النفس، لجعل كل مسارات التكوين أكثر انفتاحًا على العصر الرقمي، وأكثر انسجامًا مع التحديات الاجتماعية والاقتصادية الرّاهنة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!