-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

شعب‮ ‬يعاقب‮ ‬شعبا

الشروق أونلاين
  • 3068
  • 3
شعب‮ ‬يعاقب‮ ‬شعبا

نؤمن أن لكل أجل كتاب، وأن كل نفس ذائقة الموت، ونؤمن أيضا أن بعض الممارسات سواء من الشعب أو من السلطة هي التي أدّت إلى وقوع الكوارث والفواجع التي من المفروض أن لا ينجو مقترفوها من العقاب الدنيوي، والحادثة التي وقعت أول أمس للتلميذ منصف الذي لن يحتفل بعيد ميلاده الرابعة عشر، عندما غرق في بركة مياه بنواحي الخروب بولاية قسنطينة، تُبيّن أن الشعب بصدد معاقبة الشعب، بعد أن عاقبته السلطة على مدار عقود، فالتلميذ منصف الذي حرمته السلطات المحلية منذ أن أبصر نور الدنيا من ضروريات الحياة، بسبب تواجد الإكمالية التي درس فيها بعيدا عن مسكنه بأكثر من عشرين كيلومترا، استهواه ماء بركة، في يوم حار وفي منطقة من دون مسابح ولا منتجعات للأطفال، فقفز ليسبح، ولكنه غرق، حاول أن ينادي، ولكن لا حياة لمن ينادي، وهاتف الأهالي مصالح الحماية المدنية التي أسرعت لإنقاذه أو إكرام موتته باستخراج جثته، ولكنها اصطدمت بسكان أغلقوا الطريق احتجاجا على قائمة السكنات الاجتماعية، وحاول رفقاء منصف أن ينقذوا صديقهم التلميذ، ولكنهم فشلوا، وحتى استخراج جثته تطلّب تدخل بعض شباب المنطقة، فغادر منصف الدنيا وهو لم يتمتع بحلاوة الدنيا.

عقاب الشعب للشعب استفحل في الأشهر الأخيرة، وهو في بعض الأحيان يتجاوز في بطشه العقاب الذي مارسته السلطة دائما على الشعب، فالأساتذة دخلوا في إضراب سمّوه “إضراب الكرامة”، وتركوا ملايين التلاميذ وملايين الأولياء بحجم شعب، حائرون يتساءلون عن مصير موسمهم الدراسي، وعمال الصحة أعلنوا إضرابهم الذي سمّوه “إضراب الأمل الأخير”، وتركوا عشرات الآلاف من المرضى وذويهم خائفين، بينما صارت مشاهد قطع الطرقات وأفلام التهديد بالانتحار أمام مرآى الأبرياء من الأطفال، من المناظر التي يتعذب بتجرّع مُرّها الشعب في كل الأيام، في شبه انتحار أو تعذيب للذات، لأن الذين يحتجون بقطع الطرقات يعلمون أن المتضرّر الأول والوحيد، هو إخوانهم من الشعب الذي يستعمل هذا الطريق لقضاء حاجته والبحث عن لقمة العيش، ولا نظن أن السلطة تنزعج من هذه الاحتجاجات بدليل أنها خلال العام الماضي تكفّلت بكل “اقتدار واحترافية” بإحصاء قرابة عشرة آلاف احتجاج، وقدمت الرقم بكل “نزاهة وأمانة” للشعب حتى تشجعه على تحطيم هذا الرقم الصاروخي، أو لتصدمه بأن لسان حالها: “إقض ما أنت قاض” أو بالدارجة المفهومة “دز معاهم”.

 

غالبية الشعب يعلم أن مسؤوليه لن يستقيلوا حتى ولو أغلقت الطرقات العمر كله، وبعض الشعب يعلم أن بعض مسؤوليه صارت تسلّيهم هاته الاحتجاجات الثقيلة الظل، ومع ذلك يواصل كل الشعب معاقبة كل الشعب بمازوشية حينا، وسادية أحيانا أخرى.

في الولايات المتحدة الأمريكية البلد الذي عاقب العالم كله بالحروب، كلما قدمت هوليود فيلما حربيا أو بوليسيا أو مرعبا، يُجبر المنتجون وأصحاب الفضائيات على أن يضعوا إشارات أسفل الصورة لمنع من تقل أعمارهم عن العشر سنوات عن مشاهدة المناظر المفزعة من ضرب وترهيب، أما‮ ‬عندنا‮ ‬فالشعب‮ ‬يمارس‮ ‬حرق‮ ‬العجلات‮ ‬المطاطية‮ ‬وحمل‮ ‬العصي‮ ‬والصعود‮ ‬إلى‮ ‬أعلى‮ ‬العمارات‮ ‬وسكب‮ ‬البنزين‮ ‬على‮ ‬الأجساد‮ ‬عبر‮ ‬مشاهد‮ ‬مفتوحة‮ ‬لكل‮ ‬الأعمار؟

 

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
3
  • عموشية

    الجزائر في خبر كان......

  • عموشية

    وااااامعتصماه.

  • نبيل

    الجزائر وردة جميلة برعى فوقها "بوجعران". شعبنا مازال يفكر بعقلية القرون الوسطى ويتقهقر كل يوم ولم يعرف بعد كيف يصل إلى مستوى الوعي والتحضر الذي يؤهلانه للعيش في بلد كالجزائر.