-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

عظمة شعب

عظمة شعب

رغم ما يؤاخذ على الشعب الجزائري حاليا من مآخذ، ولما فشا فيه من مظاهر سلبية كالكسل، والفوضى، وعدم الإقبال على العلم بقوة، فإن هذه المآخذ لا تمنع المنصفين من وصفه بـ “العظمة”، لما أنجزه قبل ستين وبضع سنين من ثورة مرّغت أنف دولة عظمة في التراب.. وما ذلك بالأمر القليل أو الهيّن.

إن هذا الوصف “العظمة” أستعيره من عدو الجزائر الألدّ، وهو الجنرال دوغول، حيث ذكر كريستيان يوتي – فيس في كتابه الذي سماه “الديغولية” (le Goulisme) (ص11) أن الجنرال دوغول أورد في مقدمة كتابه “حد السيف” مقولة وردت في مسرحية “هاملت” لعملاق المسرح الانجليزي، وهذه المقولة هي: “العظمة هي في النهوض بمعركة كبيرة”.
إنني أود بمناسبة الذكرى الثالثة والستين لجهاد هذا الشعب العظيم أن أهمس في أذني الجنرال الطويلتين أن الشعب الجزائري من أعظم الشعوب لأنه نهض بمعركة كبيرة بإمكانات وأعداد صغيرة.. وحقق “أعظم مجد في العالم”..
وأستسمح الجنرال في أن أستعير منه شخصيا هذه الجملة التي أوردها صديقه الحميم، أندري مالرو، في كتابه عن دوغول، الذي سماه “سقوط السنديان”، وهذه الجملة هي: “أعظم مجد في العالم مجد الرجال الذين لم يستسلموا” (ص55).
إن هذا الشعب لم يستسلم، واستمر يجاهد فرنسا، رغم الانتكاسات، طيلة الوجود الفرنسي في الجزائر، وشهد له التاريخ أنه قاومها مقاومة الأبطال، وثار عليها مجتمعها ومتفرقا، بل شهد له الفرنسيون أنفسهم، حي سجلوا في موسوعتهم الامبراطورية الصادرة عن الدولة الفرنسية في منتصف الأربعينيات من القرن العشرين أن الجزائر كلّفتهم ثلاثة أرباع القرن، وإن كانت المدة الحقيقية أكثر من ذلك..
وتبدو العظمة جلية عندما تقوم بمقارنة مادية بسيطة بين الفريقين.. ففرنسا تملك كل شيء في البر والبحر والجو، ولا يملك الشعب الجزائري من ذلك إلا قطعا صدئة من مخلفات الحرب العالمين الثانية جمعها من هنا وهناك..
كما أن العظمة تبدو في أن الشعب الجزائري لم يكتف بجهاد فرنسا في الجزائر، بل نقل جهاده المجيد إلى أرض العدو، حتى وإن كاتبا كتب كتابا سماه “الولاية السابعة”، ويقصد بها فرنسا، لأن المجاهدين قسموا الجزائر في أيام الجهاد إلى ست ولايات…
لقد حشدت فرنسا جميع قواتها في الجزائر التي “كانت تحتجز جيشنا وطيراننا وأسطولنا” كما اعترف الجنرال في مذكراته الأمل، (ص 225)، وسحبت فرقها من الحلف الأطلسي لترسلها إلى الجزائر حتى احتجت قيادة الحلف، لأن ذلك السحب للقوات الفرنسية أضعف الحلف.
كل تلك القوات التي جاوزت 400 ألف والدرك، والشرطة، والميليشيات، والحركى في مواجهة ثلة من المجاهدين “لم يتجاوز عددهم في أي زمن ثلاثين ألف رجل”. (ص 60 من مذكرات الأمل).
لقد كان أثر جهاد الشعب الجزائري على فرنسا كبيرا، حيث “كانت مهددة بالحرب الأهلية، يكاد يرهقها الافلاس، ونسي العالم صوتها” (ص 333)، حتى سماها جنرالها “رجل أوروبا المريض” (ص 347).. ولم يجد في النهاية بعد استنفاد كل ما فيه جعبته، بما في ذلك القنابل الذرية، إلا التصريح بـ “إن فرنسا تعترف رسميا باستقلال الجزائر”. (ص 146)، لأن ذلك هو “قرار الشعب الجزائري”. وقد اعتبر دوغول أعظم ما قدمه لفرنسا هو “تخليصها” من الجزائر..
إن جهاد الشعب الجزائري قد أوجد لفرنسا عقدتين لن تتخلص منهما إلى قيام الساعة، إذ لم قدّر لها أن تنتصر لما كان في انتصارها أي مجد، لأنه انتصار القوة المادية على الضعف المادي..
أما وقد هزمها الشعب الجزائري فهو العار المضاعف، لأنه انتصار لشعب جهّلته وأمرضته وأفقرته..
قال دوغول لمن سأله عن “مقاومة” الفرنسيين للألمان عندما احتلوا فرنسا في يوم أو بعض يوم” “إنه لطبيعي له ما يبرره إطلاقا أن يقتل الفرنسيون الألمان في فرنسا، ليس لهم سوى أن يبقوا في بلادهم”.. (سقوط السنديان. ص 28).
وإنه لطبيعي يا “mon générale” له ما يبرره أن يقتل الجزائريون الفرنسيين في الجزائر، وليس لهم إلا أن يعودوا على بلادهم، وقد عادوا مكرهين، بفضل تضحيات شعب وجهاده، ورجعت الجزائر خالصة لشعبها، كما هي فرنسا خالصة لشعبها.. وستعود فلسطين ذات يوم بعد جهاد مرير إلى أبنائها.. وما هو ببعيد، وماهو على أبنائها بمستحيل، وماهو على الله بعزيز، إذ النصر من عند الله. ورحم الله شهداءنا الأبرار، وألحقهم بالمصطفين الأخيار.. حيث النعيم المقيم، “ورضوان من الله أكبر”، وتحية للشعب الجزائري الذي أراد الحياة، ودفع ثمنها فأبره الله – عز وجل- ونصره..

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
14
  • شعبان

    انه نداء الجهاد الذي ألقاه البشير الابراهيمي مع الفضيل الورتيلاني يوم 02 نوفمبر 1954 (و الذي نسقه مع عمليات 01 نوفمبر 1954) و فيه اما بقاء أو فناء الشهادة أو النصر لقد فعل هذا النداء فعلته في هذا الشعب و للعلم فان بيان أول نوفمبر لا يوجد فيه تعبئة أو تحريض للقتال موجه للشعب و انما المشروع المستقبلي للثورة فهو يتكامل مع نداء البشير الابراهيمي مما يدل على التنسيق التام و فعلا فان هذه الثورة هي عمل البشير الابراهيمي و الفضيل الورتيلاني بامتياز (و الدلائل الموثقة كثيرة) فقد حضروا لها في الداخل و ا

  • ISORANES

    الشعب الجزائري عظيم و لا نحتاج لشهادة ديغول لتأكيد ذلك، هذا الشعب الذي قام أسلافه بمواجهة أعتى قوة في التاريخ القديم و نادى أحد قادته " روما للبيع من يشتريها " ، و لكن ما شاب هذا الشعب من شوائب هو بسبب اللعب في هويته و تزوير تاريخه .

  • benmiloud

    ليس الفتى من قال كان ابي و انما الفتى من قال ها انا ذا .

  • بدون اسم

    ولولا الوفاء لإسلامنا.....لماقرر الشعب يوما مآله .....ولولا استقامة أخلاقنا ... لما أخلص الشعب يوما نضاله ....ولولا تحالف شعب ورب.....لما حقق الرب يوما سؤاله ..... هو الدين يغمر أرواحنا ..بنور اليقين ويرسي العدالة إذا الشعب أخلف عهد الإله ... وخان العقيدة فارقب زواله . - أروع ما قرأت ،و أصدق ماسمعت - مهما جحد الجاحدون ، وإنك لصادق ياشاعر الثورة .

  • بدون اسم

    دقق وتأكد وأضرب الاخماس في الاسداس...ثورة أم ثروة....من (شارك)في هذه الهوشة انتهى الى الثراء الفاحش والاموال الطائلة والعقارات في كل ولاية أو دائرة....ثورة أم ثروة...

  • ml-Algerienne

    فثورة الجزائر هي اعظم ثورة في هذا العصر ولا يشك في ذلك الا ناقص عقل او من كان في قلبه مرض

  • بدون اسم

    شكرا لسعادة الدكتور المحترم... فعلا ثورة نوفمبر هي عنوانا يرفع رأس الجزائري اينما كان وفي اي قارة كانت...لكن هناك حثالة من عملاء الاستدمار يأكلون في كروشهم في الجزائر وعقولهم عند ماماتهم الملعونة فرنسا الخبيثة....صدقوني ليلة البارحة او ماقبلها كنت في احدى الحوانت وسمعت احد من حثالة الكلبة فرنسا يقول قلنالهم خيرو ديغول فكان الكل ينظر اليه نظرت كره وخرج مكبوب راس كانه كلب لعنه الله على من يحب فرنسا واعوانها الله يحشره معهم .. وهناك من يقول هل كانت هناك ثورة....؟ اقول له لانك ابن حركي عميل .

  • ابنة شهيد

    حقا انها ثورة عظيمة ومجيدة ..كلنا يعلم ان الجزائر كانت تدعى قلعة الاحرار ومحجة الثوار
    من كل انحاء العالم .يتوافدون اليها لاكتشاف معجزات هذا الشعب الابى ورؤية اثر
    هذه الثورة فى كل مكان من بقعتها الطيبة.وما انتصرت الا بفضل النية الصادقة التى كان يحملها هؤلاء الرجال ..الجهاد فى سبيل اعلاء كلمة الله التى استقرت فى هذه الارض الزكية بفضل
    الفاتحين ومازلت...فى اعالى مدينة معسكر هناك قبيلة كبيرة كل اسرة منها قدمت شهيد او شهيدين
    بل واحدة منها قدمت ثلاث شهداء ...المجد والخلود لهؤلاء الابرار

  • عبدالقادر

    4فالفضل لاي كان بتحرير البلد الاالله سبحانه وتعالى وبفضل التضحيات الجسام للاغلبيةالساحقة من الشعب الجزائري خاصة منه الجزائرالعميقةالتي عانت مداشرهاوقراها وبدوهاوحضرها من بطش وقهر جيوش الاستعمار لاحتضانهم للثورة والثوار وكانواالسند الفعلي للجهادمن اجل تحرير لجزائرواليوم يعلم لله كيف هي الاحوال وماذا تعاني الجزائرالعميقةممافعله مسيري لوطن في هذاالزمان اين لم يسلم من سوءالتسيير لاجنوب ولاشمال واغلب ابناءالوطن يتألمون لماوصلت اليه الامور اليوم.المقاومة للاستعمارشعبيةوالثورةشعبيةومن حق كل ابناء الشعب

  • عبدالقادر

    3// استشهدوا رحمهم الله و نحتسبهم شهداء ان شاء الله او الذين بقوا و بيدهم زمام الامور و المنتفعين من الاستقلل و يمنون على الشعب بانهم هم من حرره و بفضلهم جاء الاستقلال او المجاهدين المخلصين الذين لم يبدلوا تبديلا يعني لم يريدون افساد جهادهم في سبيل الله باللهث وراء الامتيازات و لا التشيات للزعامات فهذا مع احترام الكبير لكل المجهدين يعتبر ذر للرماد و ابعاد فضل لشعب الجزائري في تحرير وطنه و اخراج المستعمر بقوة الحديد و النار و التي قاصى منها العذاب و القتل و الحرمان و الخراب و الدمار....

  • عبدالقادر

    2//ولهذا فهم ليزالون يمنون على الشعب بانهم هم من حرره و حرر الجزائر من الاستعمار الفرنسي و همشوا اغلبية الشعب واعطيت الشرعية الثورية للقليل جدا منه. الا الجميع يعرف بان لا بطل الا الشعب ولولا احتضانه للثورة لما كانت تكون ولا تنتصر. الاغلبية الساحقة من الشعب عدا الحركى طبعا الذين اختاروا حليفهم الاستعمار فالبقية كانت وعاء لاحتضان الثورة المسلحة ووقودها الذي يحركها وهي من تلتهمها النيران اكثر من الذين يحملون السلاح ويمكنهم الدفاع عن انفسهم على الاقل. فاختزال ذلك كله في ثلة من المقاتلين من الذين...

  • عبدالقادر

    1/حقيقة ان مقلك يتكلم عن كفاح شعب كامل الا لما تقول: "كل تلك القوات التي جاوزت 400 ألف والدرك، والشرطة، والميليشيات، والحركى في مواجهة ثلة من المجاهدين "لم يتجاوز عددهم في أي زمن ثلاثين ألف رجل". هو من اجل اثبات عظمة ابناء الجزائر الذين كانوا اصحاب قضية يؤمنون بها وهي اخراج المستعمر و التقليل من ارادة قوات المستعمر التي على قدر قوتها الا مادام تقاتل من اجل قضية لايؤمن بها اكثر شعبها وعساكرها وفرضت عليهم فرضا يحبط من معنوياتهم و ينقص من مردودهم على ارض القتال. كلام كهذا يسمح لبعض ضعيفي النفوس. ..

  • عبد الحميد السلفي

    السلام عليكم.
    لقد قيّظ الله لهذه الأمة رجالاتها المخلصة في رد الإحتلال الكافر منذ السنوات الأولى فتوالت مقاومات ما فتئت تخافثت نيرانها لخلل العدّة بشقيها حتى إنبر لهذه الأمة فطاحل جبال أمثال بن باديس والإبراهيمي أيقظوا فيها أسباب عزّتها بالتوحيد الخالص لرب البرية ,فأنكسرت القيود و الأغلال وتحررت العقول من رق الشرك والإنحلال حتى تهيأت الأبدان لطلب الحرية بصوت جهوري زعزع الجبال.
    كلاّ ماعدمت يوما أرض الأمازيغ المختلطة بفحولة العرب من أرحام تلد الرجال الأحرار الأشاوس الذين بعرفون خير الدنيا والآخرة.

  • بدون اسم

    الواقع والحقيقة التي نعيشها او نعايشها تجعلني أكذب ما يسمى(الثورة)..بل الزمن الاستعماري اصبح عند البعض ممن عاش وعايش ماتسميه(الثورة)كان زمنا محترما واشرف بكثير من زمان(رعاع وجهال 1962)الذين حولوا ماسميته(الثورة)الى كابوس يقض مضاجع كل الشعب..اقصد شعب الجزائرالعميقة..على الاقل في زمن العكري كانت العدالة وفرض القانون على الجميع..عكس زمن العتاريس حيث الظلم والفساد والافساد والقتل البطيئ لشعب الجزائرالعميقة...