عملية القدس.. صيغة تكتيكية جديدة لإدارة الحرب
هو كيانٌ همجي يمارس سادية التسلط والقوة على أمة أصيلة متأصلة في عراقتها، لا لشيء إلا لأنها صاحبة الأرض التي يطمح ليقيم عليها دولة الأشلاء والشتات.
وعند متابعة ملف الحرب القذرة على غزة منذ بدايتها، أول ما نستنتجه هو أن بني صهيون فشلوا فشلا ذريعا في تحقيق الأهداف التي لم ولن تتحقق، فظهرت نتائج ذلك الفشل جلية على ثلاثة مستويات، الأول على المستوى الداخلي إذ برزت تمزقات في الرأي العامّ لأن منه من يعارض هذه الحرب التي يراها أنها فوق طاقته، لكن هذه الأصوات التي تنادي بهذا ومن داخل أطيافه، أكيد أنه لا يسمح أن تعبّر عن رأيها بحرّية، لأن هذا يضع عمله الهمجي في صورة حقيقة ما يواجهه من خلفيات عكسية لأعماله، وهناك من يزيد الضغط يوما بعد يوم للمطالبة باسترجاع الرهائن، وتلك المعارضة التي تناولت الأمر من زاوية سياسية تسعى لتبيان هستيرية النظام الحاكم واستهتاره بأمن أبنائهم وزجّهم في حرب يدركون أنها لن تكون سهلة.
كل هذا واقعٌ على المستوى الداخلي وهو الواقع الذي يؤلم المسؤولين في الكيان الصهيوني ويمثّل لديهم عامل تعثُّر كبير ولكنهم أكيد لا يقرُّون بذلك، لكن الأهم أنهم -رغم عدم إقرارهم- إلا أن هذا العامل يفرض تأثيره ويفرض انعكاساته.
أما على المستوى الثاني وهو المستوى الخارجي، فإن سياسة الكيان الصهيوني المقيتة وغير الإنسانية والتي لا تمتُّ للأعراف السلمية والإنسانية البتّة، قد ساهمت بشكل كبير في توضيح الرؤية عند الكثير من الدول بالرغم من أن أمريكا، من خلال الفيتو الذي استعملته ضدّ مشروع قرار الجزائر في مجلس الأمن بوقف الحرب، قد وقفت في وجه كل المساعي الرامية لوقف العدوان، وهذا المستوى كذلك يلعب دورا إستراتيجيا في التأثير على مسار القضية حتى ولو بنسبة تدريجية.
أما على المستوى الثالث والمهمّ وهو المستوى العسكري، فنجد أنّ هناك مجموعة من العوامل تكرِّس التفوُّق الميداني على أرض المعارك لصالح المقاومة الفلسطينية، قد يكون أحيانا تفوقا ظاهرا واضحا على شكل انتصارات سريعة، وقد يكون تفوُّقا إستراتيجيا على شكل استنزاف لصفوف الصهاينة.
وما لاحظناه في الأيام الأخيرة هو إثراءٌ تاكتيكي في العمليات يصنع الأرضية لهدف إستراتيجي مهم جدا في إدارة الحرب وهو تشتيت تمركزات العدو، فعملية القدس هي نقل تكتيكي نوعي للعمليات العسكرية من طرف المقاومة التي أصبحت قادرة على نقل العمليات إلى داخل العمق الصهيوني أي وراء خطوط الأمان، وهذا ما يشتّت قواه ويجعله في حالة من التمزق بحيث يعيش الحذر عبر مختلف جوانبه.
وهكذا يكون أمام واقع أن الحرب في الخارج لم يتمكّن من حسمها وتحقيق أهدافها وتكبِّده خسائر فادحة، وبالإضافة إلى هذا يجد نفسه أمام واقع آخر وهو عمليات مضادة في الداخل، وهذا يعدّ لغة تكتيكية جديدة لها الكثير من الآثار الوخيمة عليه إضافة إلى آثارها العسكرية والأمنية، وستكون هاجسا مرعبا يتغلغل في الشخصية الجمعية لأفراد الكيان الصهيوني، ويزيد من بروز هاجس اللا أمان وسطهم لأنهم يعلمون أنهم المعتدون، وستتفاعل نتائجها مع المستوى الأول المذكور أعلاه وهو المستوى الداخلي، إذ تساهم بشكل كبير في زيادة ردِّ الفعل الداخلي ضد هذه السياسة، فكلما تأزمت الأمور زاد التمزق في الداخل الصهيوني، وتغذت جميع الحركات الداخلية المناوئة والمناهضة للنظام الحاكم، والتي تبني تناولها أن هذه السياسة لا تحمل الأمن لأبنائهم، فتكثيف مثل هذه العمليات يعدّ كما قلت آنفا تكتيكا قويا لصنع أهداف إستراتيجية مهمة للنيل من الكيان الغاشم أكثر وجعله ينكمش إلى الداخل، فالعمليات الميدانية المضادة داخليا تجعله ينكمش إلى الداخل ويضطرب في حربه الميدانية الخارجية، وهذا ما يعدُّ ورقة تفوّق أمام واقع يملي نفسه ميدانيا وهو واقع أن الكيان الصهيوني يقابل في حربه مجموعات من الأشباح التي تدافع عن الأرض والعرض، ولا يمكن أن يحرز انتصاراته المزعومة التي لم يعد حتى المجنون قادرا على تصديقها، وقد نكون مصيبين إلى درجة كبيرة إذا قلنا أن تكتيك المقاومة سيتطور ويأخذ أشكالا ومناهج أكثر تعقيدا، وخلال كل هذا الأكيد أن الجيش الصهيوني سيعاني الكثير.