فكرة الجامع الكبير جاءت للرد على مشروع قسنطينة سنة 1958
يضع رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة اليوم الاثنين الحجر الأساس لإنجاز أكبر معلم حضاري وثقافي في جزائر الاستقلال، وهو جامع الجزائر الأعظم بعد 4 سنوات من الدراسات الفنية والتقنية والمراجعة المتعددة للخبرة التي أنجزها مكتب الدراسات الألماني، وبعد 6 سنوات من إنشاء الوكالة الوطنية لإنجاز مسجد الجزائر بموجب المرسوم التنفيذي رقم 05 – 137 الصادر في 24 أفريل 2005.
-
وستقوم بإنجاز المعلم المذكور الشركة الصينية “تشاينا ستايت كونستراكشن”، بعد أن قدمت عرضًا قارب 1.5 مليار دولار والتزمت بتسليم المشروع خلال 48 شهرًا، أي مطلع 2016.
-
وتضمنت الدراسات الدقيقة، هيكل المنارة التي تمثل أعلى هيكل يتم بناؤه في الجزائر والذي يناهز حوالي 280 م (ما يعادل ناطحة سحاب من 70 طابقا)، وهيكل قاعة الصلاة والمكونات الملحقة والأعمدة الإستنادية التي مزجت بين النمط التقليدي للعمارة الإسلامية في طابعها المغاربي والتقنية الحديثة.
-
ويتكون المشروع الحضاري والثقافي والعلمي المدمج الفريد من نوعه في شمال إفريقيا والشرق الأوسط من منارة بعلو يناهز 278م بـ39 طابقا منها 15 طابقا تعرض تاريخ الإسلام بالجزائر، وقاعة صلاة تتسع لـ120 ألف مصل تعلوها قبة يبلغ ارتفاعها 75م، تتربع قاعة الصلاة على مساحة 2 هكتار مغطاة وصحنين وفناء على مساحة 6 هكتارات، وجامعة للدراسات الإسلامية لتحضير الماجستير والدكتوراه بـ300 مقعد بيداغوجي، ومركز ثقافي ومركز للدراسات والأبحاث في علوم الفيزياء والفلك، وإقامة بغرف فردية ومزدوجة، ومقاه ومحلات تجارية، ومتاحف لتاريخ الإسلام منذ دخوله إلى الجزائر ومكتبات الكترونية تتسع لـ2000 مقعد ومجموعة قاعات وورشات عمل للباحثين تتسع لـ30 إلى 50 باحثا وقاعة محاضرات تتسع لـ500 مقعد، وفندق من طراز رفيع، وحديقة كبيرة من تصميم خبراء عالميين، وحظيرة تتسع لـ6000 سيارة.
-
وكشف محمد عليوي، المدير العام للوكالة الوطنية لإنجاز وتسيير مسجد الجزائر، أن الجامع يعتبر مدرسة حقيقية، حيث شارك في تصميمه وإنجاز جميع الدراسات الفنية والتقنية، 1000 مهندس جزائري من المؤسسات ذات الصلة والخبراء المستقلين، بالإضافة إلى مهندسين ألمان وكنديين.
-
وقال عليوي، إن المركب، يتكون من أجزاء دقيقة وعالية التعقيد، وتم استعمال تكنولوجيا جد متطورة بالنسبة للتقنيات الخاصة بمقاومة الزلازل بالنسبة لقاعة الصلاة أو بالنسبة لهيكل المنارة التي سترتفع إلى 278م مكونة من 39 طابقا، والتي تضم مراكز أبحاث في الفيزياء والفلك ومعارض وقاعات دراسات.
-
وسيقود للقاعة المطلة على خليج الجزائر والتي ستكون مغطاة بالزجاج مصعدان، ويتم بناء المنارة بمزيج من الخرسانة المسلحة معدة بطريقة وإضافات خاصة، و4 أنوية حديدية وإسمنتية ما يجعل المنارة التي عرضها 27م أكثر مقاومة للزلازل وقوة الرياح، فضلا عن أنها تقوم على قاعدة مساحتها 2500م2.
-
الجامع الأعظم للرد على مشروع قسنطينة لشارل ديغول
-
تعود فكرة إنجاز المشروع إلى بداية السنوات الأولى للاستقلال على عهد الرئيس الأسبق هواري بومدين، وهي الفكرة التي تنص على بناء جوامع كبيرة في الولايات الكبرى الرئيسية في وسط وشرق وغرب البلاد، على أن تتولى الدولة تمويلها استثناء، على عكس العرف السائد في الجزائر، وهو أن الدولة لا تبني المساجد، غير أن بقاءها ـ الجزائر ـ دون معلم حضاري وثقافي وتاريخي يليق بمقام الإسلام بديار الجزائر على مرور 15 قرنا طرح إشكالا رئيسيا دفع برؤساء الجزائر المتعاقبين لبحث فكرة المشروع المدمج الذي يجمع بين رسالة العبادة ورسالة البعد الثقافي والحضاري والرسالي لوجود معلم يعكس الهوية الحضارية للشعب الجزائري الذي تعرض لمحاولات مسخ على مدى عقود طويلة من طرف الاستعمار.
-
وبعد طرح الفكرة مرة أخرى اصطدمت الحكومة بمشكل قانوني وهو أن الدولة لا تمول بناء المساجد، لأن ذلك يتعارض مع بناء مسجد الجزائر وتمويله عن طريق الخزينة العمومية، لأن الأمر لا يتعلق بمجرد إنشاء جمعية وطنية لجمع الأموال كما جرت عليه العادة، بل يتعدى الأمر إلى إنشاء وكالة لبناء المشروع والإشراف على الدراسات التقنية والهندسية المعمقة والقيام بمسح طبوغرافي وزلزالي متطور جدا وتسيير المشروع والإشراف عليه مستقبلا، وهو السبب الذي دفع بالرئيس بوتفليقة إلى طرح الفكرة على مجلس الوزراء وإلحاحه شخصيا على أن يعكس المشروع هوية الجرائر وروحها الحضارية ورمزا لاسترجاعها سيادتها في إطار أبعاد هويتها الامازيغية المغاربية العربية والإسلامية، على غرار الجامع الكبير الذي بني في القرن الحادي عشر من طرف الموحدين، وجامع كتشاوة الذي بني في القرن السابع عشر من طرف الخلافة العثمانية، وهي النقاط التي نصت عليها الوثيقة القانونية الأساسية لبناء المركب الحضاري المذكور، وقرر الرئيس أن تكون الوكالة ذات طابع صناعي وتجاري لرفع الحرج القانوني المشار إليه، ويسمح لها بالتعامل مع متعاملين على المستوى الوطني والعالمي ويمكن محاسبتها على كل صغيرة وكبيرة.
-
وبعد صدور القرار في الجريدة الرسمية، واجه المشروع معركة أساسية لا تقل خطورة عن الأولى وهي معركة اختيار الأرضية، وخاصة عندما نعرف أن الفكرة تعود إلى السنوات الأولى للاستقلال والمتمثلة في بناء معلمين تاريخيين تتمكن الجزائر من خلالهما من مسح الإهانة الاستعمارية التي وجهها الجنرال ديغول سنة 1958 الذي قرر إطلاق مشروع قسنطينة لضرب الثورة وتجفيف منابعها ببناء محتشدات للجزائريين ومنعهم من التواصل مع الثورة والمجاهدين.