“قوة” زاركوزي أم ضعف المغاربة؟
قبل استقلال الأقطار المغاربية الثلاثة، كان مجرد التفكير في وحدة النضال يُثير هلع المستعمر، ويُشككه في قدرته على البقاء في شمال إفريقيا مهيمنا ومسيطرا.. وبعد الاستقلال بدأت عُرى الوحدة تتفكك، وحُلم الاتحاد يتبخر حتى أصبح بإمكان نيكولا ساركوزي الرئيس الفرنسي السابق أن يُصرِّح اليوم، وبلا تردد، أن “مشكلة تونس هي في جارتيها ليبيا والجزائر”، عكس منطق التاريخ والجغرافيا… هل المشكلة في ساركوزي أم هو ضعفنا وتردّدنا في الاتحاد هو الذي مكّنه من كل هذه “القوة” الظاهرة؟
بلا شك هناك نوازع ذاتية لدى ساركوزي تدفعه لمثل هذا التصريح، طبيعته، والده، شخصيته غير المستقرة، شعوره بالنقص تجاه الأمريكيين، استعلاؤه المستمر تجاه سكان شمال إفريقيا والمهاجرين خاصة، فشله في إقامة الاتحاد من أجل المتوسط، وأخيرا عقدته تجاه ليبيا والعقيد معمر القذافي بالتحديد… إلا أن هذه النوازع الذاتية لا يمكنها وحدها، أن تفسر موقفه من العلاقات البَينية المغاربية ونظرته للجزائر بالتّحديد. توجد عوامل موضوعية كثيرة ينبغي الوقوف عندها لفهم مثل هذا الموقف وتداعياته المستقبلية خاصة فيما يخص العلاقة بين الجزائر وفرنسا.
بداية، ينبغي أن نشير إلى أن الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي أصبح يتحدث في المدة الأخيرة بنوع من خيبة الأمل في العودة مرة أخرى إلى قصر الإيليزي رئيسا للجمهورية. لقد بات واضحا اليوم أن الرئيس الحالي فرانسوا هولاند قد تمكن من إيجاد علاقة متوازنة، ليس فقط بين فرنسا والبلدان المغاربية، بل وبين فرنسا والبلدان العربية كافة. هذه العلاقة المتوازنة مكَّنته إلى حد كبير من تحقيق ضمانات للفوز بعهدة رئاسية قادمة بشيء من الأريحية بعدما مر بحالة ريبة في الأشهر الأخيرة من سنة 2014، الأمر الذي قضى على أحلام الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي بعد أن انتعشت لبعض الوقت وظن الكثير أنه عائد لا محالة إلى السلطة إثر تدني شعبية هولاند إلى الحدود الدنيا نتيجة الركود الذي أصاب الاقتصاد الفرنسي وصعوبة إيجاد حل لمسألتي تنافسية الإنتاج والبطالة.
العلاقات الجيدة مع الجزائر، ثم مع تونس والمغرب مكنت الرئيس هولاند من ضمان الأسواق الثلاثة للإنتاج الفرنسي، هذه العلاقات الجيدة مع البلدان المغاربية تعززت بعلاقات أفضل مع بلدان الخليج العربية وبالأخص السعودية والإمارات العربية، حيث ضخت هذه الأخيرة، والخليجيون بشكل عام، ملايير الدولارات في الاقتصاد الفرنسي من خلال الاستثمار المشترك في الكثير من المشاريع الفرنسية بخاصة في باريس وليون. إلى جانب هذا تمكن الرئيس هولاند من لعب دور متوازن في الأزمات التي يعرفها العالم العربي، وأضحت فرنسا تحتل الموقع الثاني بعد الولايات المتحدة في قدرتها على التأثير على هذه الأزمات وبخاصة في مصر وسورية، الأمر الذي ضمن لها عودة فاعلة إلى الساحة العربية والمغاربية.
هذه اللعبة المتوازنة التي قادتها دبلوماسية هولاند، أوقعت ساركوزي في حالة من التخبط لا نظير لها، داخل فرنسا وخارجها، وهو ما يفسر في حدود معيّنة خلفية تصريحه الأخير في تونس تجاه الجزائر وليبيا، خاصة إشارته إلى غموض المستقبل في الجزائر عندما قال إنه “لا أحد يعرف إلى ما ستؤول إليه الأوضاع فيها؟“، متناسيا أنه أول من تسبّب في آلام الليبيين، بداية بنهب أموالهم لتمويل حملته الانتخابية أثناء حكم العقيد القذافي، وأخيرا بتحريض الحلف الأطلسي على التدخل في ليبيا، وتأجيج الصراع بين الليبيين من خلال الدفع بالمعارضة السلمية إلى حمل السلاح وتمكينها من ذلك بمختلف الوسائل.
وفي كل الحالات، فإن مثل هذه التصريحات والمواقف بقدر ما ينبغي أن تغيظنا، ينبغي أن تدفعنا إلى طرح سؤال رئيس يخصنا دون غيرنا: هل ضعفنا هو الذي جعل ساركوزي يتطاول علينا كما تطاول على الليبيين؟ أم قوته هي التي دفعته لذلك؟
يبدو أن الجواب واضح: لم يكن ساركوزي في يوم من الأيام أضعف مما هو عليه اليوم، ومع ذلك تطاول على البلدان المغاربية بمثل هذه التصريحات، بما يعني أنه لا يخشى رد فعلها، ويعتبرها هي الأخرى في أضعف حال، وتلك للأسف حقيقة لا ينبغي تغطيتها. الأمر الذي يجعلنا نسأل وبخيبة أمل أيضا: أين نحن من مرحلة ما قبل الاستقلال حيث كان لقاء قادة الحركة الوطنية في تونس والمغرب والجزائر في طنجة يثير رُعبَ أكبر قوة استعمارية في شمال إفريقيا آنذاك؛ إذْ كان الجميع يخشون قيام اتحاد بين الأقطار الثلاثة على الأقل، فضلا عن كل الشمال الإفريقي بإضافة ليبيا وموريتانيا والسودان ومصر؟ لقد كانت إرادة وحدة النضال وحدها تُخيف المحتل، أما اليوم، فإن انشطار هذه الكتلة المتجانسة طبيعيا إلى أكثر من قسم، هو ما شجع سياسيين غربيين مثل ساركوزي، وهم في أضعف مواقف، على التطاول على أي منها…
ومن شأن هذا الواقع المرير أن يجعلنا نطرح بجدية أكبر مسألة العمل المغاربي المشترك، مبرزين حقيقة ارتباط الوضع بمساوئه ومحاسنه بين دوله، وأننا لا نملك بديلاً عن الاتحاد مثل الأوربيين إذا أردنا أن نبقى وأن نُلغي إمكانية بقاء أمثال ساركوزي يتطاولون علينا ويشككون في مستقبلنا.
حقيقة حاضرنا معقد، ومستقبلنا يشوبه الكثير من الغموض، ولكن ليس إلى درجة فقدان كل الأمل وكل الإرادة للتحكم فيه، فحتى وإن غابت الإرادة السياسية لإقامة الاتحاد المغاربي، فإن كل القوى السياسية الفاعلة والصاعدة على وجه الخصوص، تدرك أننا لن نستطيع أن نبقى إذا لم نتحد كدول وشعوب في المجالات الاقتصادية والعلمية قبل السياسية، وهذه قناعة سياسية شعبية لا يمكنها أن تمحى، وقد أكدتها تصريحات السياسيين في البلدان المغاربية الثلاثة الرافضة لمثل هذه التصريحات، ونحن لا نشك لحظة أنه سيأتي اليوم الذي تتطور فيه العلاقات بين بلداننا إلى درجة تجعل من أي شريك سياسي أو اقتصادي يزن كلماته قبل أن يُجاهر بها تجاه أي من بلداننا. وذلك وحده هو الجواب المفحِم للرئيس “ساركوزي” على تصريحاته، بل ولا يوجد جوابٌ آخر إذا أردنا أن ننسجم مع تاريخنا الوطني ومع تطلعات آبائنا بالأمس وأبنائنا وأحفادنا في المستقبل.
هوامش:
* أين نحن من مرحلة ما قبل الاستقلال حيث كان لقاء قادة الحركة الوطنية في تونس والمغرب والجزائر في طنجة يثير رُعبَ أكبر قوة استعمارية في شمال إفريقيا آنذاك؛ إذْ كان الجميع يخشون قيام اتحاد بين الأقطار الثلاثة على الأقل، فضلا عن كل الشمال الإفريقي بإضافة ليبيا وموريتانيا والسودان ومصر؟