كفوا عَنَّا خطاب الانفعال
أعتقد أننا اليوم لسنا في حاجة إلى هذا “الانفعال” السياسي الذي يبدو لدى البعض. اليوم هو زمن السكينة والهدوء والتروي والحذر ووضع الكلمات في أدقّ الموازين، ذلك أن الإنزلاقات الكبرى كثيرا ما كانت بدايتها كلمات حادّة أو جارحة أو تهديدا بالقول سبَقَ الفعل.
نحن اليوم في حاجة إلى مواقف أكثر هدوءاً لا إلى وجهات نظر أو أحكام ضدّ بعضنا البعض أو “استرجال” في الحديث، وكأن البعض أعلى من البعض أو أنظف من البعض! لا يوجد “طاهر بن الطاهر” في هذا البلد، يزعم العصمة أو أنه أفضل من الآخرين، كما قال ذات يوم الرئيس الراحل هواري بومدين، ولم يستثن نفسه أو يضعها فوق الآخرين بالطبع. فلكلٍ مساوئُه، ولكل أخطاؤُه ولكل مصالحه. ما الذي يجعل بضعة من الناس اليوم يحتكرون النقاش والصراع وتبادل التهم؟ هل الجزائر هي مجموعة أفراد؟ وأين ملايين الجزائريين الذين كادوا يُبعَدون من معادلة صناعة مستقبل بلدهم؟ أم أنه محكومٌ على الجميع أن يصطفّ خلف أحد المتخاصمين وهو في حالة انفعال لكي يقوده حيث يريد، وكأنه بلا موقف وبلا حياة؟
يبدو أننا وصلنا اليوم إلى مرحلة ينبغي أن يتمّ فيها وضعُ حدٍّ لمثل هذا الخطاب الانفعالي، بحيث تُحاسِب العدالة بكل صرامة القانون كلاًّ على مواقفه وكلماته التي قد تؤدي إلى انزلاقات غير محمودة العواقب، إذ لا يُعقل أن تبقى الساحة مفتوحة على مثل هكذا حال، في الوقت الذي نحن في أمسّ الحاجة إلى لَمِّ الشمل وإلى وقف الحرب الكلامية التي باتت اليوم تُخيف الناس.
مشكلاتنا حقيقية، وفي أكثر من مستوى، وهي في حاجة اليوم إلى حلول عقلانية لا إلى مواقف انفعالية. الانفعاليون هم فقط أولئك الذين لا يهمّهم مصير الوطن أو المواطن، هم أولئك الذين لا يعرفون المكابدة من أجل لقمة العيش، أو لم يكتووا بنار اللاّأمن التي احترقت بها البلاد خلال العشرية السوداء، هم الذين لا يهمهم إن زَلَّت ألسنتهم، أو كانوا سببا في أن تزلّ قدم بلدهم نحو المجهول…
علينا أن نرفع جميعا صرخة في وجه هؤلاء، أَن كفّوا عنا هذا الخطاب الذي تَحوَّل إلى هستيريا كلامية بلا ضوابط ولا موازين، وأن ندعو العدالة إلى أن تقول كلمتها. فهذا زمن أن تتبوأ مكانتها الحقيقية وأن تلعب الدور التاريخي الذي ينبغي أن تلعبه بأن تُحاسب كلاًّ على تصريحاته، وتُعيد الأمور إلى نصابها.. فقد تجاوز الانفعال كل الحدود.