-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

كواليس الهاتف الذكي

عثمان عبد اللوش
  • 1116
  • 8
كواليس الهاتف الذكي

أصبح الهاتف الذكي الآن شيئًا عاديًا. ومن منّا لم ير هاتفًا ذكيا أو يتصل به؟ لكن القليل منا الذين فكروا  في العلم والتكنولوجيا التي تتحكم فيه.

الهواتف الذكية مستخدَمة الآن على نطاق واسع في الجزائر. ومنذ وقت ليس ببعيد، كان الوضع مختلفًا تمامًا. وفي عام 1985، كان هناك عددٌ كبير من شبكات الهاتف اللاسلكي التي صمّمها وطوّرها وسوّقها المشغلون  الرئيسيون  عبر العالم؛ ولكن بعضها غير متوافق مع بعضها الآخر.

وباختلاف الخصائص التقنية، لم تسمح هذه النظم بالاتصال من شبكة إلى أخرى. ولجعلها متوافقة، من الضروري الاتفاق على مجموعة من المواصفات التقنية، أي معيار مشترك.

يعتمد معيار GSM على مجموعة من التقنيات المتقدّمة في كل من الاتصالات التقليدية وعلوم الحاسوب والرياضيات ومعالجة الإشارات. على وجه الخصوص، تؤدّي الرياضيات والخوارزميات دورًا أساسيًّا في تصميم الآليات الداخلية لشبكات الراديو المحمول وتشغيلها بشكل سليم. توفر الرياضيات الركيزة النظرية التي تستند إليها جميع خطوات معالجة البيانات الأساسية اللازمة لإدارة مكالمة هاتفية من الهاتف المحمول. من ناحية أخرى، تتيح الخوارزمية تحويل هذه النتائج الأساسية إلى بروتوكولات فعالة وذات كفاءة، والتي يمكن تنفيذها عمليًّا داخل شبكة الراديو المحمول.

بدأ هذا على مدى السنوات الماضية، عندما تم إدخال معيار النظام العالمي للاتصالات المتنقلة (GSM=Global System for Mobile communications)  في أوروبا. وظهرت الأنظمة التجارية الأولى القائمة على هذا المعيار في أوائل التسعينيات. ولكن في منتصف العقد نفسه، إن لم يكن نهايته، أثبت GSM نفسه حقًّا باعتباره  المعيار الدولي الحقيقي الوحيد للهواتف الذكية. علاوة على ذلك، فإن التطور الحالي لشبكات الهاتف الذكي من الجيل الأول والثاني والثالث والرابع وحتى الخامس هو مثالٌ ممتاز على الأهمية التي توليها  GSM، إذ أن المعيار الكامن وراء هذا الجيل الثالث مثلا، UMTS ( النظام العالمي للاتصالات المتنقلة Universal Mobile Telecommunications System )، يشكل امتدادًا طبيعيًا لمعيار GSM.

نادرًا ما يدرك المستخدِم أنه وراء شبكات الراديو-المحمول radio-mobiles  هناك قدرٌ كبير من التعقيد العلمي والتكنولوجي. على سبيل المثال، يمثل معيار  GSM أكثر من 5000 صفحة من المواصفات الفنية، يصعب قراءتها حتى بالنسبة للاختصاصي !

وهاتف GSM بعيدٌ كل البعد عن الغموض: وتستثمر شركات هندسة اللاسلكي الكبرى والمختبرات الجامعية جهودا هائلة في مجال البحث والتطوير من أجل مواصلة تحسين نوعية وكفاءة شبكات الهاتف الذكي.

يعتمد معيار GSM على مجموعة من التقنيات المتقدّمة في كل من الاتصالات التقليدية وعلوم الحاسوب والرياضيات ومعالجة الإشارات. على وجه الخصوص، تؤدّي الرياضيات والخوارزميات دورًا أساسيًّا في تصميم الآليات الداخلية لشبكات الراديو المحمول وتشغيلها بشكل سليم. توفر الرياضيات الركيزة النظرية التي تستند إليها جميع خطوات معالجة البيانات الأساسية اللازمة لإدارة مكالمة هاتفية من الهاتف المحمول. من ناحية أخرى، تتيح الخوارزمية تحويل هذه النتائج الأساسية إلى بروتوكولات فعالة وذات كفاءة، والتي يمكن تنفيذها عمليًّا داخل شبكة الراديو المحمول.

لتوضيح تأثير هذين التخصُّصين في الهاتف الذكي، دعونا نلقي نظرة أكثر تفصيلًا على كيفية إدارة اتِّصال الهاتف عندما يتصل المستخدِم برقم على جهازه.

أولاً، جميع البيانات المرسَلة داخل شبكة الهاتف راديو المحمول  هي رقمية فقط: وهي في الواقع تتكون من «حزم»، أي تسلسلات من 0  و1 من الطول الثابت، يتم إرسالها كل ربع ثانية، والتي تحتوي على جميع المعلومات (الكلام، وتحديد الهاتف الذكي، ونوعية الاستقبال مثل قياس الهاتف الذكي، وما إلى ذلك) المرتبطة بمكالمة هاتفية معينة. وبالإضافة إلى إدارة تنقُّل المستعمِلين، يكمن الفرق الكبير بين الهاتف الذكي  والهاتف الثابت التقليدي بطبيعة الحال في كون رزم المعلومات الرقمية تُنقل بواسطة الموجات الدقيقة وليس بواسطة الكابل؛ وقد استلزم ذلك تطوير مجموعة من التقنيات الحسابية والرياضية المحدِّدة للغاية. تتضمن هذه الخوارزميات الموزَّعة، والتحسين التجميعي، ومعالجة الإشارات الرقمية، والهندسة الخوارزمية أو ترميز تصحيح الخطأ، على سبيل المثال لا الحصر عددا قليلا من المجالات الأخرى.

لا يتم إرسال حزم المعلومات بطريقة خامة. لضمان سرية الاتصالات، يتم تشفير كل حزمة باستخدام بروتوكول تشفير محدد بالمعيار واستخدام مفاتيح سرية خاصة بكل مشغِّل (ومن المعروف أن طرق التشفير تستند إلى تقنيات ومفاهيم جبرية أو هندسية غالبًا ما تكون مفصلة جدًّا).

تتطلب إدارة الإرسال اللاسلكي الصحيح في حد ذاتها معالجة مسبقة لكل حزمة معلومات.

والواقع أن القناة الهرتيزية تتعرَّض لعدة أنواع من الاضطرابات التي تؤثر على الإشارات المرسَلة عن طريق الهاتف الذكي. على سبيل المثال، يؤدي امتصاص وانعكاس موجات الهرتيزية من قبل المباني إلى توهين وتحوُّل مرحلي لكل إشارة تنبعث من هاتف ذكي. وبالمثل، تولّد كل إشارة أصداء عديدة، يجب أخذها في الاعتبار. كما أن جزءًا من كل حزمة معلومات مخصص لاستعادة الإشارة الأصلية داخل البحر من الأصداء التي تغرق فيها.

وقد دُرست هذه المشاكل بطبيعة الحال لفترة طويلة، من الناحيتين النظرية والعملية. ومع ذلك، فإن القيود الهندسية الخاصة بشبكات الراديو المحمول جعلت من الضروري تطوير وتكييف جزء كبير من الجهاز الرياضي (mathématique) المستخدَم تقليديًّا في هذه السياقات.

لا تقتصر مساهمة الخوارزميات والرياضيات على سلسلة معالجة المعلومات الرقمية التي حددناها للتو (بسرعة كبيرة). تعدّ التقنيات الخوارزمية أساسية بشكل خاص لإدارة تردُّدات الراديو المتاحة لكل مشغِّل بشكل فعال.

تؤجِّر السلطات العمومية هذه الخدمة -باهظة الثمن نسبيًا- نطاق التردّد الذي يمكن لكل مشغِّل استخدامُه؛ ومع ذلك، لا يمكن في الواقع استخدامُ سوى عدد صغير من الترددات، من أصل 300 تردد، ضمن هذا النطاق. لا يمكن توجيه مكالمتين تم إجراؤهما في الوقت ذاته بواسطة هاتفين محمولين مختلفين، ولكنهما متقاربان جغرافيًّا، على الترددات المجاورة بسبب التداخل الذي يؤثر على جودة الإرسال. ولذلك من الضروري معرفة كيفية توزيع الترددات المتاحة على النحو الأمثل بين جميع المستعملين، وهي أكثر عددا بكثير من الترددات.

يمكن إثباتُ أن الإنسان غير قادر على حل هذا النوع من المشاكل بالضبط في وقت معقول.

كانت الأساليب الخوارزمية، القائمة على النماذج الرياضية مثل نظرية الرسم البياني (la théorie du graphe)، حاسمة هنا لإنتاج برامج التخطيط التي تجعل من الممكن بشكل فعال -بطريقة تقريبية- حل هذه المشكلات المتعلقة بتخصيص التردد. كل هذه المشاكل ذات أهمية كبيرة من وجهة نظر صناعية ولا تزال موضوع بحث نشط للغاية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
8
  • مصطفى الجزائر

    عندي سؤال محير وغريب: لماذا لا تدرس الهندسة والطب والمعلوماتية ومواد اخرى عديدة باللغة العربية؟ اليس مسألة رجال ونساء، أو بالاحرى لماذا لا يقوم وزير التعليم العالي والبحث العلمي بتعريب كل قطاعه، وجعل اللغة العربية هي اللغة الأولى في التدريس. لقد قرأت مقالات الدكتور عثمان عبد اللوش، وابهرني اسلوبه العلمي والتقني البسيط والمشوق والسهل. الا يوجد عندنا في الجزائر امثال الدكتور عثمان عبد اللوش؟ هل الدكتور عثمان عبد اللوش درس باللغة العربية، ام انه تعرب بعد تخرجه؟ اتمنى ان يصل ندائي الى وزير التعليم العالي والبحث العلمي. رمضانكم كريم

  • احمد من تلمسان

    مقالات الدكتور عثمان عبد اللوش، المحررة باسلوب علمي دقيق، وبلغة عربية ومصطلحات علمية وتقنية عربية، تثبت بأن التخلف عند الشعوب الناطقة باللغة العربية ليست في اللغة بقدر ماهي مسألة رجال. لقد اثبت الدكتور، بأن اللغة العربية قادرة على دخول معترك العلوم والتكنولوجيا مثل بقية اللغات الأخرى، ولهذا نشكر الدكتور عثمان عبد اللوش على هذا العمل ونتمنى له المواصلة، ونشكر كذلك جريدتنا الشروق ونتمنى لها النجاح. رمضانكم كريم

  • مقران تيزي وزو

    أزول فلاون... رمضانكم مبارك وكريم لكم جميعا، لا يسعنا اليوم إلا ان نشكر كلا من الدكتور عثمان عبد اللوش ومؤسسة الشروق اليوم وطاقمها الاعلامي والاداري على مثل هذه المقالات المفيذة، لأخبركم بأن يومية الشروق الورقية تباع بشكل كلي في الساعات الاولى الصباحية، ولهذه الرجاء الزيادة في اعداد الصحيفة الى ولاية تيزي وزو.

  • عبدالكريم سيطف

    نشر يومية الشروق على ماتقدمه من اعلام رفيع وهادف ومفيد، ونشكر الدكتور عثمان عبد اللوش الذي يمتعنا بمقالات علمية مفيدة ورابعة ومثقفة، ونتمنى من الشروق أن تواصل على هذا الطريق ..

  • محمد الطاهر

    الشكر الى يومية الشروق والى الدكتور عثمان عبد اللوش، على هذه المقالة الثانية التي تبين لنا خفايا الهاتف الذكي

  • ابن تمنراست

    عندي طلب ليومية الشروق، لماذا لا تقدم لنا اسبوعيا في الصفحات الاربع الداخلية اي في وسط الجريدة ملحق علمي وتنكولوجي على هذا الشكل أي مقالات علمية مبسط مثل التي نشرتها الآن.

  • علي طالب

    مقالة ممتازة حول كواليس الهاتف الذكي وباللغة العربية ..

  • استاذ رياضيات من داخل الجزائر

    مقالة تستحق التنويه والثناء، حول كيف يعمل الهاتف الذكي، باسلوب بسيط وسهل ومشوق يعرض لنا الدكتور عثمان عبد اللوش، اسرار الهاتف الذكي وكيف يعمل .. الشكر موضول ايضا ليومية الشروق والعاملين فيها الذين سمحوا لنا بمثل هذه المقالات العملية المفيذة. صح رمضانكم