لا تعدموا مصر
مصر الحضارة والتاريخ والثقافة والأدب والفن والعلماء والأزهر الشريف، مصر الإسكندرية ملهمة الحضارة اليونانية، والقاهرة صانعة التاريخ، مصر التي لا يمكن أن نعد أمجادها وتراثها ورموزها ودورها وبطولات رجالها ونسائها، كيف نقبل أن تتحول بين عشية وضحاها إلى ساحة للإعدامات والقتل والإرهاب والتخريب؟ كيف نقبل أن يتحول لينها وتسامحها ودبلوماسيتها وابتسامتها إلى دماء ودموع؟ كيف نقبل أن يُصبح حكم الإعدام بحق أبنائها يعلو حكم الرحمة والعفو والتصالح؟ كيف نقبل أن تُصبح مجرد الشبهة بها انتماء إلى جماعة إرهابية وكل من اقترب من جماعتها الإخوانية التي كانت منذ أكثر من 80 سنة جزءا من تاريخها العريق، وكأنه تحول بين عشية وضحاها من مواطن صالح مسلم ينشر الاعتدال، إلى إرهابي ينبغي أن يتابع ويُسجن ويحكم عليه بالمؤبد والإعدام.
مصر التي يعرف كل العالم أنه لا يوجد من يحب بلده أكثر من أبنائها، في السراء والضراء، كيف بها تضع جزءا كبيرا منهم في خانة العمالة والتآمر مع الأجنبي؟ كيف بها تضع أول رئيس منتخب لها ومن قبل الملايين، في زمرة الخونة الذين يتخابرون ضد بلدهم مع قوة أجنبية؟ وهل وصل الحد بأبناء مصر أن يُخطئوا كل هذا الخطأ في اختيار أحد زعمائهم؟ وهل كل الذين هم اليوم يرفعون صورة الرئيس مرسي وينادون باسمه ويعترفون به هم من مؤيدي التخابر على بلدهم ومن الخونة؟
ألا يوجد في هذا أكبر الخطر على شعب مصر التاريخي، بأن يتحول جزء منه إلى الخيانة العظمى؟ ألا يهدد هذا أمن مصر القومي بالدرجة الأولى ويقضي على تلك الصورة التي صنعت لنفسها عبر التاريخ بأنها بلد القيادة والحضارة والقضاء النزيه؟
مَن الذي يعبث بمصير مصر؟ هل السجين أم السجان؟ مَن سينفذ حكم الإعدام في مصر، هل القاتل أم المقتول؟ من الجاني على الآخر القاضي أم المتهم؟
يبدو أن السير باتجاه ما أُعلن من إعدامات وسجن وتعذيب بلا شفقة ولا رحمة، فيما قد يُسمى بسياسة الحزم خوفا على مستقبل مصر إنما هو التوجه غير الصحيح نحو العودة إلى عصور غابرة، تُشوه هذا البلد الكبير، وتُلغي دوره في المنطقة، وقبل ذلك تمحي حبه من قلوب الملايين. ولا أظن بأن شعب وقادة مصر سيقبلون بهذا.. أطلقوا سراح الرئيس مرسي والآلاف من أنصاره وتصالحوا مع الذات لتبقى مصر هي مصر.. لا تعدموا مصر بإعدام مرسي وتقتلوا حبها في قلوبنا جميعا… مصر ليست لكم وحدكم…