لا تُحاصروا مساحة الأمل
لا يُمكِنني أن أصدق أن جزائريا لديه إمكانية العلاج بفرنسا أو غيرها ستَهُمّه حالة المستشفيات بالجزائر، أو أن تكون له شقة بباريس يذهب إليها متى شاء أن يُدرِك معنى أزمة السكن بالجزائر، أو أن يكون في مقدوره السفر إلى أيّ بقعة في العالم بجواز سفر دبلوماسي ومن غير أي حساب للتكاليف سيَهُمّه أمر السياحة في الجزائر، أو أن يكون في مقدوره أن يرسل أبناءه للدراسة في أيّ جامعة في العالم سيَهُمّه أمرُ الجامعة أو التعليم في الجزائر، وقس على ذلك باقي القطاعات… فما بالك لو كان هذا الجزائري مسؤولا أو برتبة وزير.. هل يعلم أيّ أثر كبير يتركه سلوكه هذا على الحالة النفسية للجزائريين: المرضى، أو الذين يعانون من أزمة السكن، أو الذين يتألمون لوضع التعليم أو الجامعة أو غيرها من القطاعات ببلادنا؟
هل يعلم هؤلاء أيّ أثر يتركونه على كل مواطن ومواطنة مازال متشبِّثا بوطنيته، مستعدا للتضحية من أجل وطنه، مقتنعا أن تضحيات الشهداء الأبطال لن تذهب سُدى؟
هل يعلم هؤلاء أنهم بهذا السلوك سيُحاصرون مساحة الأمل التي لم يتوقف عن الدفاع عنها الطبيبُ المتفاني في عمله والأستاذ المضحي من أجل تلامذته والمستثمِر الذي مازال مؤمنا بإمكانية النهوض ببلده والارتقاء بها إلى مصافّ الدول الصاعدة، والشاب الذي لم تَمُت بداخله الروح الوطنية التي غرسها فيها آباؤُه وأجداده عبر التاريخ؟ هل يعلمون أيّ أثر يتركه متابعة الناس الحية عبر الفايسبوك والوسائط المتعدِّدة لأحوالهم وممتلكاتهم وكيف يحرصون كل الحرص عليها أكثر من حرصهم على ما ِببَلدهم، بل على كل بلدهم؟
ألَمْ يحن الوقت لوضع حد لمثل هؤلاء المتلاعبين بمشاعر الجزائريين وجعلهم يختارون بين أن يعيشوا أفرادا كما شاءوا في أي بلد شاءوا بالطريقة التي يشاءون، وأن يتحمّلوا المسؤوليات في هذا البلد؟ ألن يكون هذا معيارا حقيقيا للفرز بين من يهمُّهم حقا مستقبلُ هذا الوطن يعالجون فيه ويسكنون بمساكنه ويُعلِّمُون أبناءَهم بمدارسه ويقضون عطلهم بأريافه ومداشره، وبين من يرون أنفسهم فقط مسؤولين به وعليه، أما علاجهم ومساكنهم وسياحتهم وتعليمهم وكل حياتهم، فخارجه، حيث الوطن الحقيقي والأم الحنون؟ ألسنا في حاجةٍ اليوم إلى إعلان مدوّنة أخلاق وطنية تفرض مثل هذا الاختيار على كل مسؤول؟ بل ألسنا في حاجة إلى سنِّ قانون في هذا الاتجاه؟ ولنرى بعدها كم من بين مسؤولينا سيُفَضِّل التضحية للإبقاء على مساحة الأمل حيّة بينَنا، وكم من مسؤول سيُحاصرها بِـ”فيديوات” لم تَعد تُخفِي أي شيء، يزيدنا ألَمًا التذكير بها، وذِكر أسماء أصحابها؟