-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

لا علم بلا أخلاق

لا علم بلا أخلاق

الذين يسعون إلى الفصل بين العلم والإيمان، بين العلم والأخلاق، إنما هم في الواقع يسعون للقضاء عليهما معا، ذلك أن العِلم بمفهومه التقني والتكنولوجي البعيد عن الإيمان والأخلاق مهما ارتفع بالإنسان في مجالات صناعة المحيط المادي الذي يعيش فيه لن يُمكِّنه أبدا من الابقاء عليه متوازنا مع بُعده الآخر الروحي والمعنوي.. كم سعت المدارس الوضعية في الغرب إلى اعتماد هذا المنهج في مواجهة الكنيسة الكاثوليكية ولكنها في آخر المطاف وصلت إلى الاقتناع بضرورة ترسيخ قيم أخرى لدى شعوبها سمَّتها بالإنسانية أو العالمية أو الديمقراطية، التي هي ليست في جوهرها سوى تلك القيم الدينية قبل أن يطرأ عليها التحريف في القرون الوسطى وما بعدها.

هذا الانحراف في مجال “المعتقد” لدى الشعوب الغربية هو الذي أدَّى بها إلى اعتماد اللائكية منذ بداية القرن الماضي التي تحوَّلت إلى شبه دين لمن لا دين له خاصة لدى الفرنسيين، أما الألمان والأنجلوساكسون وبقية الفِرق الكنسية الأخرى فإنهم استمروا إلى اليوم أكثر ارتباطا بإيمانهم الديني واستمرت القيم التي مازالت تحكم توازنهم مُستمَدّة من معتقداتهم الدينية حتى وإن لم يمارسوا الشعائر الكنسية أو لم يرتادوا الكنيسة؛ أي إنه غير صحيح أن المحافظين الجُدد في أمريكا الذين يحكمون اليوم قد تخلوا عن إنجيليتهم أو الألمان تخلوا عن تاريخهم اللوثري أو عن فلسفتهم في الأخلاق التي ما فتئت تصنع تماسكهم وتُبرز تميُّزهم الذي ما زال يبهر الناس جميعا، من حب للعمل وإتقانه وجودته وصدق في الأداء…

لا أتحدّث عن الصينيين الذين وهم “الشيوعيون” لم يتمكنوا من إحداث القفزة الكبرى التي صنعت منهم صين اليوم دون إحياء الكونفوشيوسية بقيمها الإنسانية العالية التي لا ينكرها إلا جاهل، كما لا أتحدّث عن اليابانيين بثقافة “الشنتو” وما تُمثله بالنسبة إلى سادة التكنولوجيا في العالم، كما لا أتحدّث عن بقية الأمم والحضارات التي عبر التاريخ ما كانت لتصنع مجدها لولا قدرتها على أن تكون متماسكة ثقافيا روحيا وفكريا قبل أن تُبدع وتبتكر تكنولوجيا…

إلا عندنا.. فقد بلانا الله بقوم لا صفة لهم.. بدل أن يَعمَلوا على إيجاد التوازن الأمثل بين العلم والإيمان، المادة والروح في مجتمعنا انطلاقا من الموروث التاريخي والحضاري الذي نملك، بدل البحث عن بدائل عصرية لزرع القيم السامية عند علمائنا وأدبائنا سواء بسواء، يبحثون فقط عمَّا من شأنه أن يُباعد بينهما، في محاولةٍ أخرى يائسة للدفع بهذا المجتمع نحو المجهول عندما يفقد الهوية واللسان والأخلاق والقيم… ألا من موقف لمنع حدوث هذا.. لعلنا نأمل في بعض التقدم المتوازن كما تقدم غيرنا؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
3
  • ألبرت أينشتاين

    آنشتاين قال: “العلم دون دين أعرج ، و الدين دون علم أعمى”

    و رب العزة قال في العلم:
    "وقل ربِّ زدني علماً (20 طه آية 114)".
    "اقرأ باسمِ ربِّكَ الَّذي خلَق (1) خلَقَ الإنسانَ من علَق (2) اقرأ وربُّكَ الأكرم (3) الَّذي علَّمَ بالقلَم (4) علَّم الإنسانَ ما لم يعلم"
    "ن والقلمِ وما يَسْطُرون"
    "يرفعِ الله الَّذين آمنوا منكم والَّذين أوتوا العِلمَ درجاتٍ.. (58 المجادلة آية 11)"

  • ألبير كامو

    رجل بلا أخلاق هو وحش تم إطلاقه على هذا العالم. " ألبير كامو"

  • كريس هيدجز ,,,, مراسل صحفي أمريكي مختص في الحروب

    نحن نعيش في عالم حيث الطبيب يدمر الصحة والمحامي يدمر العداله والجامعه تدمر المعرفة والحكومة تدمر الحريه والصحافه تدمر المعلومة والدين يدمر الاخلاق والبنوك تدمر الاقتصاد، طالما النظام فاسد فبلا شك نحن فاسدون. - كريس هيدجز