لا تأكلوا من فضلكم
وزير الصحة يقول أن ارتفاع أرقام الإصابة بمرض السرطان سببه نوعية الأكل الخفيف وكمّيته التي صار يتناولها الجزائريون، ووزير الفلاحة يقول أن ثلاثة مليارات من مداخيل البترول يأكلها الجزائريون قمحا قادما عبر البواخر من آخر الدنيا، ووزير التعليم العالي يقول أن سبب المشاكل الجامعية من احتجاجات واكتظاظ ونقص الأساتذة وحتى الطوابير على المطاعم الجامعية يرجع لرقم الناجحين الكبير في شهادة البكالوريا، ووزير البريد والمواصلات يقول أن سبب شحّ السيولة المالية في البنوك والمراكز البريدية هو الزيادة في رواتب العمال، ووزير الأشغال العمومية يقول أن سبب ازدحام الطرقات وعجز الشبكة عن فك ألغازها يرجع إلى اكتساب كل جزائريين إثنين لسيارة، ومؤسسة سونلغاز تقول أن سبب انقطاع التيار الكهربائي هو ارتفاع استهلاك الجزائريين للطاقة عبر المكيفات والمدفآت وأفران الخبز، ورؤساء البلديات يقولون أن سبب تراكم القمامة وتحوّل بعض المدن إلى مزابل قارّة يرجع إلى كثرة الاستهلاك الغذائي لدى المواطنين، ونكاد نجزم أن الطاقم الحكومي ومسؤولي الجزائر قاطبة صاروا مقتنعين بأن سبب المشاكل الكثيرة التي تعاني منها الجزائر وتسبّب لهم وجع الرأس هو وجودنا كبني بشر أرادونا أن نعيش لنأكل لا أن نأكل لنعيش.
- المشكلة في الجزائر أن المسؤولين مازالوا لا يفهمون أو ربما لا يريدوا أن يفهموا أن المواطن لا تعنيه هذه التشخيصات وهاته الأرقام وأن وظيفتهم الأولى والأخيرة هي إيجاد الحلول لهاته المشاكل وليس تشخيصها بالطريقة التي تجعل المواطن هو المتسبب فيها وتبرئ المسؤول نهائيا من هاته المشاكل رغم قناعتنا بأن المسؤول لا يتحمل مسؤولية نقص الأدوية، لأنه يعالج في الخارج، ولا يتحمل مسؤولية مشاكل الجامعة، لأن أبناءه يدرسون في الجامعات الغربية، ولا يتحمل مسؤولية ابتلاع أطنان من القمح مادامت وجباته اللذيذة المكونة من المشويات والجمبري لا تحتاج إلى الخبز العادي.
- محاولة التقريب بين القمة والقاعدة التي قيل أن الرئيس بحثها في جلسات التشاور لأجل برنامج وإصلاحات ينتظرها الجميع تبدو بعيدة المنال، بل إن المسافة تزداد اتساعا، حيث باشر المواطنون منذ بداية العام حل مشاكلهم بكل الطرق المباحة والممنوعة التي تميزت بالأنانية من خلال الاهتمام بالماديات والطلبات الآنية التي يرفض من خلالها أي تأخير، وباشر فيها المسؤول الاستجابة غير المحسوبة العواقب لكل الطلبات بما فيها غير مؤسّسة من أجل المحافظة على كرسيه ومنصبه بتجفيف صناديق المال وليس بالأفكار والبرامج ضمن حلقة أخرى من مآسي الوطن عندما تنقطع الصلة نهائيا بين المواطن والمسؤول وللأسف بين الاثنين ومصلحة الوطن.
- هذا التنابز بالأفعال وتبادل التهم جعل احترام القوانين آخر اهتمامات الجميع وجرّنا في كثير من المجالات إلى ما يشبه حياة الغاب، حيث لا برنامج ولا خطط ولا أمل في المستقبل.
- هل المطلوب من المواطن أن لا يأكل الخبز وهو لدى الكثيرين الوجبة الكاملة حتى لا تحتل الجزائر المركز الثالث في استيراد القمح الصلب؟ وهل المطلوب من الطلبة أن لا يحصلوا على البكالوريا حتى لا تتعقد مشاكل المنظومة الجامعية؟ وهل عليهم أن يستقلوا سياراتهم وسط إفلاس وسائل النقل العمومية القديمة والعصرية حتى لا تزدحم طرقاتنا؟
- يروى أن أميرة بريطانية في القرن السابع عشر خرجت في جولة رفقة حرّاسها الخصوصيين مستقلة عربة يجرها حصان، فتفاجأت بازدحام الناس أمام فرّان يبيع الخبز، فسألت خادمتها بحيرة.. لماذا لا يأكلون مثلي اللحوم والأسماك والحلويات والفاكهة ويتركون الخبز جانبا؟!