-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

لغة الحيوانات في خطابنا السياسي

لغة الحيوانات في خطابنا السياسي

عندما تغيب الأفكار ضمن الخطاب السياسي، تحلّ محلها العبارات النابية أو الأمثلة السخيفة التي يُعطيها الإعلام أحيانا مضامين أكبر مما تَضمَّنته بالأساس، وأحيانا أكثر مما يفهمه أصحابها.

أصبح هذا باديا اليوم في أكثر من خطاب، وأكثر من مناسبة، إلى درجة تجعلنا نتساءل عما يمكن أن يُقدِّمه هؤلاء المتحدثون في الشأن السياسي من مَثلٍ للشباب حتى يكتسبوا لغة سليمة وراقية تُمكِّنهم من تحميل خطابهم بالأفكار بعيدا عن كل ابتذال في الشكل والمضمون؟

التشبيه بالحيوانات بدل بني البشر، واستعارة المعاني من الكلام المسكوت بدل الكلام المسكوك، أصبح من صميم الخطاب السياسي السائد اليوم، فهذا يتكلّم عن العتارس والخنافس، وذاك عن الدجاجة والبومة، وثالثٌ عن الديناصورات والكلاب والديكة.. وآخرون لا يتمكنون من أساليب البلاغة في الكلام إلا بالإكثار من التجريح أو المديح أو الاستشهاد بأهل الطرب والزرد بدل العلماء والفقهاء…

هي ذي لغتنا السياسة اليوم.. ولو أَعاد “برنارد لويس” صياغة كتابه “لغة السياسة في الإسلام” لاحتار في ما يكتب عن قوم لم تعُد لهم لغة ولا مرجعية في الحديث؛ إذ لم نبلُغ هذه الحالة حتى في زمن ما عُرف بالانحطاط أو عصر ما بعد الموحدين، على حد تقسيم مالك بن نبي رحمه الله.

في تاريخنا القديم كان هناك فقهاء السياسة الشرعية، وكان هناك كُتاَّب الآداب السلطانية، ولم يكن من بينهم من ابتذل في الحديث أو انحطّ إلى هذا المستوى. 

عندما كان معنى الآية الكريمة “خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف: 199] مفهوماً، وكان معنى ما ورد في الحديث “وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة إلا زاده الله عزّ وجلَّ بها قلة” مُدرَكا، وحينما كان الناس لا يتنابزون بالألقاب، وكانت الاستعارات في الغالب ذات طبيعة سوسيولوجية عند وصف المعارضين (خوارج، معتزلة، صوفية…) أو ذات ارتباطات فكرية (جهمية، أشعرية، ماتريدية…)، حينها كان بإمكاننا الحديث عن وجود شخصية أو شخصيات قاعدية للأمة.

 أما اليوم وقد هيمنت نوعية من البشر بلا قواعد فكرية أو ثقافة سياسية، بدأنا نُدير السياسة بما انحطّ من عبارات وما قلَّ من أفكار، فلا نزيد عن القول إنه منذ أن انتصر اللاعنون والقادرون على قول أسوأ من الكلام البذيء في مؤتمر طرابلس ـ والحقيقة موثقةـ على النخبة المفكِّرة والقادِرة على قيادة البلاد، وأُزيحت هذه الأخيرة عن القيادة، ونحن نعيش الواقع مقلوبا وما نحصد اليوم إلا ما زرعناه بالأمس.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • بدون اسم

    صوَّت الشَّخصُ وغيرُه : صات ، صاح بصوت حادّ ، أحدث صَوْتًا قويًّا
    صَوَّتَ الشَّيْءَ : جَعَلَهُ يُحْدِثُ صَوْتاً
    صوَّت بفلانٍ : ناداه
    بالجزائرية "لعياط" "إيعيَّط" أو بمعنى آخر "ضجيج بصراخ"

  • قادة عبدالقادر

    صدقت فيما تقوله عن تدني مستوى الخطاب السياسي اليوم في عهد الرداءةاين نسي القوم انهم ينتمون لامة رسول قال فيه رب العزة :"انك لاعلى خلق عظيم" وهو القائل صلى الله عليه وسلم:" جئت لاتمم مكارم الاخلاق". الا ما نراه كما سميته في المقال من لغة الحيوانات لخير دليل على ذهاب الكثير من القيم و المبادئ و سوء الاخلاق. صدق القائل :"انما الأمم الأخلاق ما بقيت *فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا.ما نسمعه من كلام بذيء ومعاملات لاخلاقية ولا انسانية بين من يقال عليهم او يرون في انفسهم نخب لايمكن الا ان يُسمى جدب وقلة ادب.

  • عبد الحميد الجزائري

    بارك الله فيك وفي فيك وفي قلمك
    كل كاس بما فيه ينضح

  • حاج براهيم

    قرأت المقال ولما وصلت للجملة= وفي تاريخنا القديم كان هناك فقهاء السياسة الشرعية......؟؟؟؟ تاريخ من تقصد ؟؟؟الجزائر يعني ام تاريخ شعوب اخرى !!!
    ان كان على تاريخكم العربي فلن اعلق ؟واترك للجزائريين البحث فيما تقصدون وارجوا منهم ان لا يعلقوا عن تاريخكم؟!
    اما حاضركم اليوم فالشواهد والدلائل كثيرة أنظر ايها الكاتب الى ما يجري بعربك وفي بلدانك

  • اسباعى محمد

    بورك فيك ياايه الغيور على الوطن الحقيقة اننا ن نسمع ما كنا نصدق الن يقال لولا اننا سمعناه رجائ ان يرفع المستوي عندما نختلف خاصة والكل يعر ف اننا متحضرون مثقفون

  • amamri smail

    السبب ياستاذنا الفاضل يرجع فيما اظن الي ترك الاكفاء والنزهاء المجال للرداءة فلو ان النخبة وقفت وسدت الطريق امامهم ماكنا لنصل الي ماوصلنا اليه(فهم معذورون)(لماتميزوا به من الوقاحة وقلة الحياء وقديما قيل اذا لم تستحي فاصنع ماشئت)

  • عبد الله القصيمي

    “لهذا كان العرب في كل تاريخهم مُصوتين فقط و لم يحدث ان كانوا متكلمين ..لم يجربوا او يقاسوا الكلام في اي طور من اطوار التاريخ .انهم الان مصوتون فقط ,اذن لا يحتمل انهم كانوا يوما ما متكلمين .. لقد كانوا يجهلون الفرق بين الكلام و التصويت لهذا كانوا يحسبون نفسهم متكلمين”

    “أقسى العذاب أن توهب عقلًا محتجًا في مجتمع غير محتج”

  • الطيب

    الكثير من هؤلاء يحصر الفقر في الذي لا مال له و لا عمل و لا سكن و .. !! و يجهل هؤلاء أنّ هناك فقر آخر يتمثل في الذي يقود و يتزعم و يحكم و يقدم نفسه في كل مناسبة و ليس في جعبته لا فكر و لا ثقافة و لا لغة جميلة و لا حتى مصطلحات راقية مختارة يخاطب بها الناس !! ...... فقر و إفلاس و بؤس و تعاسة !! لا نفهم و لا نعلم مبتغاه !!؟

  • احمد بوعلال

    المشكلة ان اى حزب من الأحزاب ليس له مقياس للاختيار فى التاطير فتجد شخصا ما لايعرف عن ابجديات الحزب وتوجهه السياسى شيئا لكن تجده داخلا فى هذا الحزب وخاصة فى الانتخابات البلدية والبرلمانية فالتجوال السياسى هو الذى ميع الاحزاب فنجد علمانيا يدخل حزبا يسمى نفسه حزبا اسلاميا ونجد اسلاميا يترشح فى حزب اسلامى او دكتورا فى الجامعة يترشح فى قائمة على رأسها محدود المستوى وقد تعجبت عندما سمعت لرئيس حزب يدعى كبيرا لعدم وجود اخطاء لغوية لكن عندما اتا مل كلامه احس بوجود محدودية فى التفكير السياسى له

  • أعتقد أنك أصبحت مفكرا رائع

    يظهر لي أنك تخلصت من بعض العُقد و الأثقال التي لازمتك فترة، أعتقد و الله أعلم أنك تخلصت من شرنقة الخوف من التميُّز، الخوف من رأي الأخر ورفضه لك، مرحى أستاذ، و شكرا على المقال.

  • صِدقا بدأت أثق في خط فكرك ,,,

    قرأت المقال و كأنني أقرأ لمفكر عظيم آخر، السعودي عبد الله القصيبي لأن السعودية أنجبت هذا الفذ، أيضا، الذي قال في نفس المضمار :
    • الشعوب العظيمة .. فاسقة الأفكار متدينة الأفعال .. والشعوب المتخلفة .. فاسقة الأفعال متدينة الأفكار.
    • كل الشعوب تلد أجيالاً جديدة إلا نحن نلد آباءنا.
    • أكثر الشعوب المتحضرة تنتقد نفسها وأشيائها أما الشعوب العربية فأنها لا ترى فرقاً بين النقد والخيانة.
    • الشعوب المتدينة اللاعنة للدنيا وشهواتها هي أحفل الشعوب بالمظالم الاجتماعية والفساد الأخلاقي.
    مقالك رائع بل أ

  • karim

    صحيح يا سيدي عندما وسائل الاعلام المطالبة بتوجيه الراي العام بما ينفع البلاد و العباد و درء الفتنة تتحدث عن المغازلة و اني رايتكما معا و امثال ذلك?لا بد من الارتقاء بالخطاب السياسي و الحديث عن الازمة الاقتصادية و البحث عن منضومة جمركية و ضريبية تتلائم و الوضع الاقتصادي الدولي تجلب لنا المستثمرين بدلا من هذا التراشق,?لا بد من الابتعاد عن تسييس الاقتصاد و لتكن السياسة خادمته و لو في الضرف الحالي

  • عثمان سعدي

    رائع وألف رائع يا سليم قلالة ، لا فض فوك

  • Ali mekeffes

    La parole est en argent mais le silence est en or avec tout le respect pour les animaux

  • BESS MAD

    المصيبة أن لغة أهل المخامر والقمار (رجال الأعمال )و السياسي المستعار هي السائدة في التمثيل بالخارج فصار من لا يفقه العربية أو حتى الفرنسية يمثلنا و يحامي على مصالح و طننا هناك .قصة 260 مليار دولار يبررها بايري بسوء الفهم لأن وزيرنا ومن حوله يتكلمون بالدارجة الممزوجة بالفرنسية التي طالبت وزيرتنا للتربية بتدريسها لأبنائنا لتعمم فتدرس في الجامعات الأمريكية حتى يستطيع المتعاملون الاقتصاديون هناك فهم لغة ممثلينا السياقتصاديون الجزائريون لأنهم استنبطوها من خرافات جداتهم اللويزة في الصدر لليوم المر .