لماذا لا تَرى مُدننا الجديدة النور؟
كان للجزائريين حُلم منذ الاستقلال أن يُنشئوا مُدنًا جديدة تكون رمزا للجزائر التي استعادت سيادتها. وبَدَا وكأن هذا الحلم سيرى النور مع نهاية السبعينيات عندما تم التفكير في عاصمة جديدة للبلاد في “بوقزول”، وتعطَّل هذا الحلم إلى بداية الألفية الثالثة عندما صدرت مراسم إنشاء 05 مدن جديدة وليس فقط مدينة واحدة، إلا أنها جميعا لم تر النور بعد، لماذا؟
في سنة 2004 صدرت مراسيم إنشاء كل من المدن التالية: “بوقزول”، “سيدي عبد الله”، “باينان”، وفي سنة 2006 صدر مرسوم إنشاء مدينة “حاسي مسعود” الجديدة، وفي سنة 2007 صدر مرسوم إنشاء مدينة “المنيعة” الجديدة.. وسواء كانت تابعة لوزارة البيئة وتهيئة الإقليم أو إلى أكبر شركة وطنية في الجزائر (سوناطراك) ـ مدينة حاسي مسعود فقط ـ فإن هذه المدن لم تر النور بعد، مازالت في بدايتها الأولى، أو كمشاريع على الورق فقط ـ المنيعةـ رغم وجود هيئات تسيير رسمية عبارة عن مؤسسات مستقلة ماليا، ورغم وجود اتفاقيات شراكة دولية في أكثر من مجال مع فرنسا وألمانيا وغيرهما.
هل عجزت الجزائر عن إنجاز مشاريع تكون في حجم إقليمها العملاق؟ هل أصبح رجالها اليوم غير قادرين على أن يكونوا في مستوى عظمة رجال نوفمبر الذي افتكّوا الاستقلال من المستعمِر الغاشم وحرروا هذا الإقليم؟ هل هي الإمكانات التي تنقص؟ أم الإرادة السياسية؟ أم الرشادة في الحكم؟ وما الذي يدفع بنا إلى الإنفاق على الكماليات وعلى إعادة إحياء القديم المترهّل، وتبديد ملايير الدولارات في آلاف المهام الجزئية التي لا تترك أية آثار على المستقبل، ولا تفتح الطريق نحو آفاق جديدة؟
هنا تتجلى بوضوح كبير مسألة انعدام الرشادة في الحكم، ويتجلى تبديد الأموال العمومية في مشاريع فرعية غير نافعة وغير مُنشئة للتنمية المستدامة التي تستفيد منها الأجيال القادمة. ويُصبح الحديث عن صرف أموال طائلة في مشاريع لم تر النور مسألة قابلة للتصديق.
كل هذه الأهداف كانت مُسطَّرة من البداية وهي بلا شك ذات أبعاد مستقبلية حقيقية لو تم إنجازُها أو كان العمل جارياً بحق لإنجازها في حدود سنة 2025 كما حددت ذلك الاستراتيجية الوطنية لتهيئة الإقليم المصادَق عليها في البرلمان الجزائري سنة 2010 والتي أنفقت البلاد مبالغ ضخمة لإعدادها بتجنيد مئات الخبراء الجزائريين وبالتعاون مع خبرات أجنبية تمتلك الخبرة اللازمة في مجال الاستشراف الاستراتيجي للأقاليم.
وفضلاً عن هذه الأهداف ذات الطبيعة العمرانية، تضمّن مشروع المدن الجديدة أهدافاً اقتصادية تتمثل في إنشاء مناطق صناعية وتجارية وإنتاج فلاحي تساهم في توفير190 ألف منصب شغل في “بوقزول”، و75 ألف منصب شغل في “سيدي عبد الله” وعشرات الآلاف من مناصب الشغل في المناطق الأخرى بحسب قدرتها على الاستيعاب، فالمنيعة وباينان ستتخصصان في مجال الخدمات السياحية والرياضية والأعمال، وباقي المدن سيكون توجّهها أكثر نحو الإنتاج الصناعي والنشاطات التجارية.
وأكثر من هذا، فإنه تم تصوّر اختصاصات علمية لهذه المدن وتم ربط علاقة مع شركاء أجانب لتطوير هذا الجانب، فكان يُفترض أن تصبح “بوقزول” بشراكة ألمانية، مدينة الفلاحة البيئية، والطاقات المتجددة، والبناءات المقتصدة للطاقة، الصناعات المتحكمة في النفايات… وتم التفكير في إنشاء أربعة مراكز بحثية كبرى في هذه المجالات تستقطب نخبة الباحثين الوطنيين والأجانب. كما كان يُفترض أن تُصبح سيدي عبد الله المركز المتخصص في التكنولوجيات المتقدمة، والبحث العلمي في أطواره المتخصصة مع اهتمام خاص بالتقنيات المتطوّرة في مجال أمراض الأوعية والشرايين والعلوم الطبية والصيدلة… أما “بوينان” فكان يُفترض أن تتخصّص في البيو تيكنولوجيا، وحاسي مسعود في المحروقات، والمنيعة في كل ما تعلق بالسياحة والإنتاج في المناطق الصحراوية…
كلّ هذا حدث، ولا ينكر أحدٌ الجهد الكبير الذي ساهمت به الكفاءات الوطنية لإعداد هذا المشروع المستقبلي الذي بلا شك كان بإمكانه أن يصنع مفخرة الجزائر في بداية هذا القرن، خاصة وأن جميع الشروط الموضوعية المالية كانت متوفرة لتحقيقه وفي الآجال المحددة. ما الذي جعله يراوح مكانه ولا يتحقق؟ ما الذي يجعلنا اليوم نتحسّر على أننا لم نتقدّم في إنجازه وقد شحّت الموارد المالية ولم يعد بالإمكان الإنفاق عليه كما كُنا قبل 10
بدل التفكير في 05 مدن، لِمَ لا نفكر في 10 أو أكثر؟ لِمَ لا نفكر في تجديد كافة مدننا انطلاقاً من نظرة مستقبلية تمتد إلى الـ100 سنة القادمة؟ ولكن قبل ذلك ينبغي أن نعتمد آليات جديدة في مجال البناء السياسي، غير مرتشية ولا مزيفة. سنوات؟
هنا تتجلى بوضوح كبير مسألة انعدام الرشادة في الحكم، ويتجلى تبديد الأموال العمومية في مشاريع فرعية غير نافعة وغير مُنشئة للتنمية المستدامة التي تستفيد منها الأجيال القادمة. ويُصبح الحديث عن صرف أموال طائلة في مشاريع لم تر النور مسألة قابلة للتصديق، ويتجلى بوضوح الأثر الكبير للعامل السياسي في العوامل الأخرى.
ونصل بشكل واضح إلى النتيجة التي تفرض نفسها: أن أهم عامل له أثر على مستقبل البلاد هو العامل السياسي، وأن أي إصلاح لا يأخذ بعين الاعتبار تجديد النخبة السياسية لا يمكنه أن يحقق نتيجة. إن مشكلتنا في الجزائر لا تتعلق بعجز الكفاءات الوطنية في الداخل أو في الخارج على تقديم الأفكار القادرة على التأثير في المستقبل وتغييره، إنما تَكمن في ضعف النخبة السياسية غير القادرة على استيعاب هذه الأفكار وتحويلها إلى واقع، وأحيانا إلى فساد هذه النخبة السياسية الناتج عن الجهل والاستلاب الثقافي، وأحيانا فسادها في جميع المجالات المالية والأخلاقية وابتعادها عن الخط الوطني وضعف القناعة لديها في امكانية بناء دولة قوية انطلاقا من القدرات الوطنية. يبدو لي أن مشكلتنا هي هذه، وهذا ما يفسّر بقاء مشاريع عملاقة كالمدن الكبرى تراوح مكانها منذ قرابة النصف قرن.
ولتجاوز هذه المشكلة ـ العقبة، وما أدراك ما العقبة، ليس أمامنا سوى تجديد رؤيتنا المستقبلية في كافة المجالات، وبدل التفكير في 05 مدن، لِمَ لا نفكر في 10 أو أكثر؟ لِمَ لا نفكر في تجديد كافة مدننا انطلاقاً من نظرة مستقبلية تمتد إلى الـ100 سنة القادمة؟ ولكن قبل ذلك ينبغي أن نعتمد آليات جديدة في مجال البناء السياسي، غير مرتشية ولا مزيفة تُمكِّن المواطنين بالفعل من تجديد نخبتهم السياسية التي ستتحلى بالكفاءة والقيم، والتي وحدها تستطيع إعادة بناء جزائر الغد…