-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

لماذا نخشى انهيار أسعار البترول ولا نخشى انهيار مستوى التعليم؟

لماذا نخشى انهيار أسعار البترول ولا نخشى انهيار مستوى التعليم؟

تتدهور أسعار البترول، ثم تنهار، فنُقيم الدنيا ولا نُقعِدها.. نُعيد رسم السياسات، ونَخاف على مستقبلنا، ونَبحث عن البدائل في كافة المجالات… ويتدهور مستوى التعليم أمام أعيننا يوما بعد يوم ولا نُلقي لذلك بالا، في جهل تام أن مجتمعًا غير متعلم أو يحكمه غير متعلمين سيُبدِّد أي ثروة لديه وإن بلغت ألف مليار دولار، وإن حقَّقها بسعر برميلٍ للنفط يزيد عن مائتي دولار.

لعل هذا ما يُلخِّص حالنا اليوم، خوفنا كله مُرَكَّزٌ على بقاء أسعار النفط منهارة، وأملنا كله  في أن ترتفع ذات يوم، في غفلة  تامة عن حقيقة تكاد تكون ساطعة كالشمس تقول: إننا لن نستطيع تحقيق أي قفزة نوعية في أي مجال من المجالات إذا لم نتمكن من الرفع من مستوى التعليم وفي كافة المستويات، ومن جعله القطاع الاستراتيجي الأول في البلاد، سواء ارتفعت أسعار البترول أو انهارت. 

هذا ما ينبغي أن ننتبه إليه.

لماذا نطرح سؤال المستقبل باستمرار انطلاقا من الحديث فقط عن حلّ مشكلة الموارد المالية وتأمين تلبية حاجاتنا المادية المختلفة من خلال بيع برميل البترول بأسعار مرتفعة، بدل أن ن نطرحه انطلاقا من حاجتنا إلى قاعدة تنمية صُلبة أساسها تعليم متطوّر يمكنه أن يُنتج الثروة ويُغنينا عن سياسة الاستجداء ببيع المحروقات؟

هل بإمكاننا بحق بناء اقتصاد قوي بمخرجاتٍ تعليمية ضعيفة؟ هل يُمكن أن يكون لدينا استثمارٌ حقيقي بمجتمع مريض عقليا فجسديا فنفسيا؟ وما الفائدة من الاستثمار والرفاه إذا كان المجتمع غير سليم العقل والجسم؟

ينبغي طرحُ هذا السؤال بإلحاح حتى لا نُوهم أنفسنا بالسير في طريق التقدم. لا يُمكن أن يَحدث أي تقدم في بلادنا مهما سَخَّرنا من إمكانيات وأنفقنا من أموال إذا لم تَتم مراجعة كل السياسة التعليمية القائمة. التعليم هو الاستثمار الحقيقي الذي يُمكننا من تثمين الموارد المتاحة ومن ترشيد  كل النشاطات المُنتِجة وجميع أشكال الاستهلاك. والصحة العقلية هي أساس الصحة الجسدية والنفسية التي تُمكِّننا من الرفع من المردودية وإيجاد الفرد القادر على العطاء في كافة المستويات.

لا يُمكن أن يَحدث أي تقدم في بلادنا مهما سَخَّرنا من إمكانيات وأنفقنا من أموال إذا لم تَتم مراجعة كل السياسة التعليمية القائمة. التعليم هو الاستثمار الحقيقي الذي يُمكّننا من تثمين الموارد المتاحة ومن ترشيد  كل النشاطات المُنتِجة وجميع أشكال الاستهلاك.

هل يمكننا أن نتطوّر في ظلّ منظومةٍ تعليمية كالتي نراها اليوم من المستويات الأولى ما قبل المدرسي إلى أعلى مستويات البحث العلمي؟ هل يُمكن أن نتطور ونحن لا نُعطي القيمة الحقيقية لمستوى المدرسة والجامعة ولا نعتبرهما المحرك الأساس للتنمية والهاجس الأول الذي يؤرقنا وضعه، بل ننظر لهما  كمُكَمِّل للنشاطات الأخرى ويخضعان لمنظومة اقتصادية وسياسية نعتبرها خطأ، هي العمود الفقري لبناء البلاد؟

تكفي نظرة لواقع التعليم عندنا لنكتشف هذه الحقيقة التي نعيشها كل يوم ولا نولي لها الأهمية اللازمة. ويكفي أن نسأل أنفسنا: لماذا نخشى تدهور أسعار النفط ولا نخشى تدهور قيمة التعليم وصحة أبنائنا العقلية والنفسية والجسدية؟ أيهما أخطر على مستقبلنا المباشر والمتوسط والبعيد؟ أم أننا لا نفكر إلا من منظور العوامل المادية في التنمية ونعتقد أن امتلاكنا لملايير الدولارات سيَصنع منا متقدمين؟

لن يحدث ذلك حتى وإن ارتفعت أسعار البترول إلى 200 دولار للبرميل، سنُنفقها جميعا ونُبذِّرها بكل الطرق إذا لم نستثمرها حيث ينبغي أن تُستثمر. هل يوجد تفسيرٌ أكثر إقناعا من كوننا أنفقنا أكثر من 800 مليار دولار دون تحقيق الإقلاع الاقتصادي من كون القائمين عليه لم يكونوا بمستوى الكفاءة العلمية والصحة الجسدية والنفسية القادرتين على جعل مخرجات التعليم  تتعامل مع هذه الأموال بالفعالية اللازمة؟ هل تَمكّنا من جعل التعليم في أطواره الأولى مُنتِجا للأفراد القادرين على خلق الثروة، وفي طور التكوين المهني قادرا على تخريج الكفاءات اللازمة للاقتصاد الوطني، وفي طوره الجامعي قادرا على مرافقة مشاريعنا الكبرى بالبحث العلمي بما يُغْنينا عن الخبرة الأجنبية؟

ما الذي مَنع من أن يكون لنا تعليمٌ عصري متفتِّح على اللغات الحيّة قادرٌ على الارتباط بالواقع؟ ما الذي جعل مستوى اللغات يتدهور لدينا إلى أدنى حد، سواء أكانت وطنية أم أجنبية؟ ما الذي جعل البحث العلمي لا يواكب التنمية؟ هل افتقارنا للأموال؟ هل كان سعر البترول دون المستوى؟ أم أن القائمين على السياسات العامة لم يَتمكَّنوا من تحديد الأولويات ولم يصوغوا رؤية مستقبلية لقطاع التعليم بإمكانها أن تجد الصيغة الملائمة التي تجعل منه قطاعا استراتيجيا من الدرجة الأولى؟

والأمر هنا لا يتعلق برفع أجور الأساتذة بعد كل إضراب، وإن كانت الأجور ذات أهمية، ولا بتوفير الأقسام الملائِمة، والمرافقة الإدارية الفعالية، والبرامج الجديدة، وإن كانت كل هذه العناصر مهمة، ولكن بتحديد موقع التعليم من شبكة بناء الدولة وموقع الكفاءات المتعلمة من قيادتها.

مَن ينبغي أن يكون في مركز كافة النشاطات، وفي مركز القيادة واتخاذ القرار؟ هل الكفاءات أم العكس؟ هل نُبقي التعليم قطاعاً كباقي القطاعات بمشكلاته وسلبياته التي لا تنتهي، من غير أن نخاف، ونبقى نقتات على جهد كفاءات قليلة تمكَّنت من الانفلات من قبضة واقعها المتدهور، غير قادرة على مواجهة جيش الرداءة الكبير الذي استطاع أن يَسْتأثر بمراكز القرار ويُصبِح هو الآمر الناهي المتحكِّم والقادر وحده على تحديد ما يفيد البلاد وما لا يفيدها وعلى أعلى المستويات؟

أليست هذه هي مخرجات تهميش التعليم بالأساس، في نموذج مَن يُمثِّل الشعب، ومَن يسن قوانينه، ومن يُشرف على تسيير إدارته، ومن يتولى مسؤولية صرف ماله العام؟

ألم نعد نرى الكفاءة اليوم أقلية يُحكم بها ولا تَحكُم ولا تُسيّر ولا تتخذ القرارات؟ أليس هذا من مخرجات تهميش التعليم؟

 لماذا نخشى تدهور أسعار النفط ولا نخشى تدهور قيمة التعليم وصحة أبنائنا العقلية والنفسية والجسدية؟ أيهما أخطر على مستقبلنا المباشر والمتوسط والبعيد؟ أم أننا لا نفكر إلا من منظور العوامل المادية في التنمية ونعتقد أن امتلاكنا لملايير الدولارات سيَصنع منا متقدّمين؟

 صحيح، في كثير من المستويات هناك مَن يدري أنه ينبغي علينا دقّ ناقوس الخطر بشأن ما يتعلق بمستوى التعليم الذي يتلقاه أبناؤُنا، وبالوجهة التي ما فتئ يأخذها، وبالآثار السلبية التي يُمكن أن يتركها على كافة المستويات، في قطاعي الإنتاج والخدمات. ولكن هل يكفي ذلك؟

هل يكفي أن نقول إننا لا نريد أن يتخرّج أبناؤنا في الجامعات وهم لا يُحسنون أي لغة إلا من تدارك الأمر بنفسه، ولا نريد من أساتذتنا أن يبقى شغلهم الشاغل هو الأجر والسكن، ولا أن نعدّ الناجحين بمئات الآلاف (من حيث العدد) والمتفوقين من بينهم عشرات فقط، فما بالك بالصالحين؟ (من حيث النوع). هل يكفي أن نصدح بالقول: نريد أن يعم التفوّق والصلاح تعليمنا في كافة المستويات، وأن يعم التفوّق والصلاح غالبية أبنائنا وبناتنا، لكي يصلح مجتمعهم، ويتمكنوا من إرساء القاعدة الصلبة للتنمية الحقيقية، بلا خوف من ارتفاع أو نزول برميل البترول، لأنهم سيمتلكون أغلى من المال، المعرفة التي تُنتجه وتتحكم فيه كما هو شأن الدول الصاعدة في العالم؟

هل يكفي هذا؟

 هل يكفي أن نكتب أننا نريد أن نتحوّل إلى مجتمع يخاف من انهيار المدرسة أكثر مما يخاف من انهيار أسعار البترول، إلى دولة تُقيم الدنيا ولا تقعدها إذا ما انخفض مستوى تعليم أبنائها، وهُمّش المعلمُ فيها، لا دولة  تنام ملء جفنيها ومدارسها وجامعتها بلا مضمون، ولا تصحو إلا إذا انخفضت مداخيلها الريعية، وباتت خزائنها على وشك النفاد مما فيها من عملات؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • عبد الواحد

    الجواب بسيط يا استاذ سليم.. لاننا تعودنا على انخفاظ التعليم وعلى التعامل مع نتائجه اما البترول فلم نتعود على انخفاظ اسعاره

  • دوادي

    هل يكفي أن نكتب أننا نريد أن نتحوّل إلى مجتمع يخاف من انهيار المدرسة أكثر مما يخاف من انهيار أسعار البترول ؟
    لا ، لا يكفِ !
    و بالتأكيد سيكون السؤال مالعمل ؟
    و الجواب : على المثقفين و نخبة المجتمع النهوض من نومتهم و النخلص من سلبيتهم بالتخلي عن الفردانية و اللهث وراء دنياهم (مصالحهم الشخصية) و التضحية عبر العمل على صناعة وبناء راي عام وطني يمكن تجنيده لتأييد نضالهم لاصلاح الشأن العام .أما و هم غير قادرين حتى عن الجلوس لبعضهم و سماع طروحات بعضهم و استيعاب اختلافهم و احتواء خلافاتهم فلا أمل .

  • بدون اسم

    شكرا أستاذ على المقال الرائع... و النتيجة و للأسف الشديد نحن في نظر الآخرين: "نساوي برميل بترول"؟؟؟؟

  • عبدالقادر

    سؤال رائع من استاذ اروع:"لماذانخشى انهيار أسعارالبترول ولانخشى انهيارمستوى التعليم؟ لك مني الجواب من دون لف ولادوران بسؤال مريح وهل رايت عبدالدينار والاورو والدولاريتخلى عن عبادته من اجل تنويرالعقول لبناء الديارعلى اسس متينةغير قابلةللانهيار كماهو منهاراليوم الوضع في البلادفكريا وسياسياواخلاقيا وعلميا واعلاميا واقتصادياوثقافياواجتماعياوانسانيا؟الحق يقال جزائر هذاالزمان عبث بهااشباه المتعلمين من الذين يعرفون من العلوم الاالقشور ويدعون بانهم فاهمون احسن من دكتورمتخرج من السربون مانعين عنه الاكسجين

  • karim

    merci beaucoup mon frére salim,tu es vraimment un sag intello!! si les gents qui gouvernéés l´algerie on des penssé´s comme vous...on n´pas á cette situation!si l´ etat algerien accepetera tes penséés...en ....serais mieux que lúsa

  • hocheimalhachemi

    كلما ابتعدنا عن ديننا وقيمنا الروحية ازدد نا ذلا على ذل من الأعداء وحت الأصدقاء ، لأن أصبح همنا البترول وما يملي البطون كما أشرت يا دكتور ق. نهلع عند هبوط البترول ، ولا نحس ولا نشعر ولانهتم حتى لما يخطط لمدرستنا وأبناءنا فلدات أكبادنا جعلوا كالفئران للتجارب الطبية ولانعط الأهمية الا لمايملي بطوننا !! ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم . ان أحسنتم أحسنتم لأنفسكم و ان أسأتم فلها ، !!

  • 22

    شكرا استاد على هده المقالة الرائعة التي تلخص حجم الكارثة التي وصلنا اليها ولكن اسمحلي استاد على ان اقول بان عهد الاصلاح ولى وبدون رجعة والانهيار اتي لاريب فيه ولكن الامر مسئلة وقت فقط.

  • بدون اسم

    ياسي(سليم)الخوف كل الخوف على الديانة الاسلامية...الكونغرس الامريكي اليهودي صنف الاخوان المسلمين انها جماعة ارهابية.رغم علمهم ان اعضاء ومنتسبي الاخوان من الكوادر والاطارات الكبيرة في العلم والمعرفة والعلوم كلها.ومع ذلك صنفوها ارهابية لأنهم مسلمون موحدون..وغدا سيتهمون الاسلام بالارهاب وكل المسلمين ارهابيين....الا تخاف او تخشى من انتماؤك(الارهابي) الذي شعاره*لااله الاالله محمدرسول الله*؟

  • chaabane

    en plus l'anglais écrit, l'anglais oral est'une matière au bac français. on a vu cette fonctionnaire dans une commune a tizi ouzou, comment elle parle le français avec les citoyens qui demandaient des documents à la commune. voila notre système d'éducation nationale perturbé entre l'école, la rue,, la maison, la presse, l'audiovisuel, les institutions de l'état. etc

  • fatouma

    قبل اصلاح المنضومة التربوة في 2005 كان المستوى مقبولا ولكن بعد ما تسمونه بالاصلاح اصبح المستوى في جميع مراحل التعليم كارثي والاسباب كثىرة ومن بينها ان الدين يدافعون عن العربية والاطارات المعربة ليس لها الكفاءة اللازمة..فالواقع كشف محدودىتهم في الميدان..بالعكس حطموا ما انجزه الجزائريين قبلهم انتقاما من اللغة الفرنسية..

  • نبيل

    التعليم نور ينور البصائر،ويوقض الضمائر ويحرر العقول،أما البترول فظلام أسود،يوهن الساعد، ويبطل العزيمة، ويسود العقول. لماذا يرتعد الحاكم من خطر إنهيار أسعار البترول ولا يتزعزع من خطر إنهيار مستوى التعليم؟ السبب في نظري بسيط: الحكام لا يريدون مواطن بصيرته نيرة، وضميره يقض وعقله متحرر، يعكر عليهم صفو إعتلاء الرؤوس وقرع الكؤوس، بل يريدون مواطن طيِّع، بصيرته أصلف وعقله أجوف وضميره أقرف، مسكين يجوعه لكي يطعمه، ويعرِّيه لكي يؤيه، وذلك بأموال البترول. قال: "جوع كلبك يتبعك".ما أفقر عقولهم وما أخبث نوياهم

  • بدون اسم

    السلام عليكم
    شكرا شكرا ....
    . . . لا حياة لمن تنادي
    انهيار أسعار البترول من انهيار البطون
    - الجامعات قوات والريسان خوات -
    - نحتاج للدروس في المواطنة
    الله ايجيب الخير
    شكرا

  • توفيق

    مقال في غاية الاهمية. ليت تكون هناك اذان وعقول تدرك حساسية واهمية صيحتك المشبعة بالغيرة الوطنية الحقيقية. اخي سليم بناء الانسان الجزائري وتاهيله لاستثماره في المستقبل هي فكرة منعدمة عند ضييقي الافق من المنتفعين والمتسلقين لمسؤوليات حساسة. عندما ارى بن غبريط وزيرة للتعليم والتربية افقد الامل في وجود ارادة خيرة في بناء قاعدة صلبة لقطاع التعليم. لماذا تهمل الكفاءات المشبعة بالانتماء الوطني!!!

  • moussa booukhemsa

    شكرا

  • moussa booukhemsa

    العلم اولا يكون اخلاص لوجه الله . اليوم الكلام الا على البترول وزيادة الاجور . غابت النية تلميذ ابتدائي يقرأ رياضيات + لغة ب سعر 6000 دج غلاء فاحش في التعليم حكرا وتجارة الدروس الخصوصية جماعي سعرها 2000 دج ابتدائي مادة لغة ورياضيات وعندما تسأل الوالد يقول لك اه ما شاء الله ابني صار متفوقا ما شاء الله .والله ما جمد عقلي فئة من التلاميذ 4 او 5 يجلسون في آخر الكراسي لا حياة لمن تنادي منهم المعيد والفقير حالة البؤس بادية على وجهه . اقسم انه واقع مرير بكل معاييره ولا احد راح يرضى بمدخوله الشهري هكذا