لن أذهب إلى كانوسا
في لقائه الأخير مع الصحافة، فاجـأنا الرئيس عبد المجيد تبون بخرجة غير عادية، وأسلوب ولغة لم نتعوّد عليها بعد، خاصة وأنه عوّدنا منذ خمس سنوات بالحديث بلغة بسيطة وسهلة وسلسة.
في هذا اللقاء، وعندما سأله الصحفي: هل مازال ينوي اليوم الذهاب إلى فرنسا، بعد أن أُجِّلت هذه الزيارة عدة مرات؟ رد عليه الرئيس تبون بعبارة غريبة: لن أذهب الى كانوسا (Je n’irai pas a Canossa)، هذا الرد، نزل كالصاعقة على الصحافيين المحاورين له في هذا اللقاء، وأيضا على أغلب الجزائريات والجزائريين بل وحتى الأجانب المتابعين لهذا الحوار وخاصة الفرنسيين منهم، والذين سارعوا لتصفّح المعاجم الورقية، بالنسبة للبعض والرقمية بالنسبة للآخرين.
إن خرجة الرئيس عبد المجيد تبون هذه، ذكّرتني بواقعتين: الأولى مع رئيس الوفد الجزائري في الاجتماعات المراطونية التي وقعت خلال اتفاقيات إيفيان في نهاية الحرب ضد الاستعمار الفرنسي في الستينيات من القرن الماضي، إذ كتبت صحيفة “فرانس سوار”، أن رئيس الوفد الجزائري العقيد كريم بلقاسم، وبعد نقاش ساخن مع الوفد الفرنسي والذي يقوده جوكس، طلب من هذا الأخير توضيح عبارةٍ لم يفهمها، فردّ عليه جوكس، بأن هذه العبارة حرِّرت باللغة الفرنسية العتيقة، فرد عليه العقيد كريم بلقاسم، بعبارة غريبة وقوية في الوقت ذاته: “الفرنسية التي لا أفهمها ليست فرنسية”. هذه العبارة، أسالت حبرا كثيرا وقتها.
والقصة الثانية هي للراحل ياسر عرفات، إذ قام بزيارة رسمية إلى فرنسا في بداية ماي 1989 بدعوة من الرئيس فرانسوا ميتيران، واستضافته قناة “تي أف 1” في نشرتها الرسمية ليوم 2 ماي 1989 والتي يقدمها الصحافي باتريك بوافر دارفور، وقد طرح هذا الصحافي عدة أسئلة، من بينها: هل مازالت منظمة التحرير الفلسطينية تطالب بزوال دولة إسرائيل؟ فرد عليه الرئيس عرفات والذي كان منذ بداية اللقاء يتحدث باللغة الإنجليزية، ردّا باللغة الفرنسية: ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية وصل إلى نهايته (la charte de l’OLP est caduc )، هذه الكلمة الغريبة (caduc) جعلت مقدّم النشرة حائرا في أمره وينتظر المساعدة من خلال قسم التحرير على مستوى قسم الأخبار، وانتظر بضع ثواني وهو يدقّ بسبابته على السماعة الموجودة في أذنه، حتى يتم أعطاؤه الإجابة والتفسير الصحيح، لأنه بصراحة لم يفهم كلمة (caduc).
وفي اليوم الموالي، نشرت الجرائد والمجلات الفرنسية صورا للمعاجم الفرنسية المختلفة، تبين معنى كلمة (caduc) على الصفحات الأولى لها. بل قارنت صحفٌ أخرى الرئيس ياسر عرفات بالجنرال شارل دوغول الذي كان يستعمل أيضا بعض العبارات الصعبة في خطبه.
واليوم هاهو رئيسنا السيد عبد المجيد تبون يقوم بالشيء نفسه، ويدفعنا مباشرة بعد اللقاء الإعلامي الأخير مع الصحافة إلى البحث عن معنى هذه الكلمة الغريبة (كانوسا Canossa).
كانوسا، هي تلك القلعة الموجودة في البلدية الإيطالية الساحرة إميليا رومانيا (Emilie-Romagne) في توسكانا (Toscane)، ولكن لماذا قال الرئيس: “لن أذهب إلى كانوسا”؟!.
في الحقيقة، تعود هذه العبارة والمحفورة في ذاكرة التاريخ، إلى عام 1872، عندما هدد البابا بيوس التاسع (le pape Pie IX) المستشار الألماني بسمارك (Bismarck) بقطع العلاقات الدبلوماسية مع ألمانيا ردًّا على القوانين المعادية للكاثوليكية في الإمبراطورية الألمانية. فردّ المستشار بسمارك بعنف وصراخ، في خطاب ألقاه في الرايخستاغ ( Reichstag): “لن نذهب إلى كانوسا!».
ولكن لماذا ردد المستشار بسمارك هذه العبارة؟ “لن نذهب إلى كانوسا؟!». في الحقيقة، تعود هذه العبارة والمحفورة في الذاكرة الجماعية للشعب الألماني وأوروبا تحديدا والتاريخ عموما، إلى ما يقارب ثمانية قرون، وهي مرتبطة بالإذلال السياسي الفريد من نوعه في سجلّات التاريخ، إذ كانت هذه الزيارة من أجل التكفير عن الذنب، وللحصول على العفو من شخصية كبيرة. وهذا الأمر نجده اليوم في ألمانيا، عندما تزلفت السلطة الألمانية وساندت وتساند يوميا الكيان الصهيوني في عدوانه الإبادي على الشعب الفلسطيني واللبناني، وتمنع رفع الأعلام والرايات والشعارات المساندة لفلسطين على أراضيها، وكأنّ قصة هنري الرابع تعود مرة أخرى إلى السطح بعد “طوفان الأقصى”.
ولكي نفهم جذور هذه العبارة اليوم في الجزائر، يجب أن نعود إلى القرن الحادي عشر أو الثاني عشر، فـ«الذهاب إلى كانوسا» في السياق التاريخي، هي عبارة وقعت في النزاع القائم بين هنري الرابع (Henri IV)، الإمبراطور وملك ألمانيا، والبابا غريغوري السابع ( le pape Grégoire VII) في نهاية القرن الحادي عشر وبداية القرن الثاني عشر.
يدور هذا الصراع حول المسألة الحاسمة المتمثلة في تعيين الأساقفة، فمنذ توليه العرش البابوي، جعل غريغوري السابع مهمته والمتمثلة في مواصلة إصلاح الكنيسة التي بدأها أسلافه تنطبق بشكل خاص على سحب سلطة تعيين حاملي المقاعد الأسقفية من هنري الرابع.
هذا الاستيلاء المفاجئ على سلطة في تعيين الأساقفة لم يقبله إمبراطور ألمانيا هنري الرابع الذي كان يعتمد في حكمه على الأساقفة. وهؤلاء الأساقفة كان لهم دورٌ سياسي وعسكري وديني، وهم في الواقع يمثلون قوة أساسية للسلطة الملكية في الإمبراطورية الألمانية آنذاك. وقد ارتبط البعض منهم بالفساد، والعديد منهم غير أكفاء ولديهم رتبٌ أسقفية فقط. وهذه الحالة لا تطاق بالنسبة للبابا غريغوري السابع صاحب السيادة. كان راهبًا متصوِّفًا سابقًا في توسكان (Toscane) ومرشدًا بابويًّا في فرنسا وألمانيا، وكان هو نفسه على دراية جيّدة بهذا الوضع في الإمبراطورية الألمانية، الذي رآه قبل انتخابه بابا عام 1073.
لقد اتخذت حرب النفوذ هذه منعطفًا أكثر عنفًا في عام 1075، عندما قرّر هنري الرابع استبدال أسقف ميلانو، من منصبه، برجل من أتباعه. فكانت هذه المرة، القطرة التي أفاضت الكأس، أو القشة التي كسرت ظهر البعير… لم يتقبل البابا غريغوري السابع هذا التعيين، وأمر الملك هنري الرابع، بإلغائه وأكّد له من جديد تفوُّق السلطة الروحية للكنيسة على السلطة الملكية.
هذه العبارة: “لن أذهب إلى كانوسا”، أصبحت بعد هذه المقالة أكثر وضوحا وتفسيرا، فردٌّ الرئيس عبد المجيد تبون في 2024 على عدم ذهابه إلى فرنسا وتلبية رغبة ماكرون لهذه الزيارة، يشبه إلى حد كبير رد المستشار الألماني بسمارك في عام 1872 على البابا بيوس التاسع، وعلى فرنسا أن تعلم بأن الجزائر مستقلة سياسيا واقتصاديا وثقافيا وعسكريا وحتى لغويا عن فرنسا.
وتطور هذا النزاع بين البابا غريغوري السابع والمالك هنري الرابع، إلى ما لا يحمد عقباه، أدى بالبابا في أعقاب هذا الخلاف غير المسبوق إلى إصدار قرار خطير يتمثل في خلع الملك هنري السادس من منصبه ملكا لألمانيا.
استمرت الأزمة عدة أشهر، ووصلت إلى ذروتها. ولم يتغير الوضع لصالح الملك والإمبراطور هنري الرابع، فقد انفصل أساقفة ألمانيا عن سلطته، واستغل الأمراء الألمان هذه الفرصة بالفعل لتحدي القدرة المطلقة لسلطة الإمبراطور، وأعلنوا أنه سيجري انتخاب ملك جديد إذا لم يُرفع الحرمان الكنسي في غضون عام، حتى أن البابا غريغوري السابع مدعوٌّ للحضور للحكم على المتمردين في أوغسبورغ.
ووصل الحال بالنسبة لهنري الرابع إلى الحضيض، فاحتمال الظهور علنًا أمام اجتماع اللوردات والأساقفة أمرٌ غير مقبول ومحفوف بالمخاطر الكبيرة والكثيرة، ومن الأفضل له أن يأخذ بزمام المبادرة ويذهب لطلب العفو والتوبة من البابا غريغوري السابع.
وفي 25 يناير 1077، ذهب إلى قلعة كانوسا، عند الكونتيسة ماتيلد في توسكانا حيث لجأ البابا. وتقع القلعة على صخرة شديدة الانحدار، والطريق الذي يؤدي إلى قلعة كانوسا، صعب جدا، ومليء بالمخاطر، وهو المسلك الوحيد للوصول إلى قلعة كانوسا. وقد واصل الملك هنري الرابع صعوده إلى القمة، ولم يعد ملكًا، بل جاء تَائبا يطلب المغفرة والعفو من البابا غريغوري السابع، وكان يرتدي لباسا عاديا من الصوف، وحافي القدمين على أرض شديدة البرودة بل متجمّدة.
وفوجئ البابا غريغوري السابع بنهجه، وتركه ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ متتالية، ينتظر في البرد والثلج أمام الباب، قبل الموافقة على استقباله، بعد أن جعله يحلف باليمين نطقا وكتابة. وفي الأخير وافق البابا على منحه العفو، كما يروي هو بنفسه في رسالة كتبها بعد ثلاثة أيام.
هذه العبارة: “لن أذهب إلى كانوسا”، أصبحت بعد هذه المقالة أكثر وضوحا وتفسيرا، فردٌّ الرئيس عبد المجيد تبون في 2024 على عدم ذهابه إلى فرنسا وتلبية رغبة ماكرون لهذه الزيارة، يشبه إلى حد كبير رد المستشار الألماني بسمارك في عام 1872 على البابا بيوس التاسع، وعلى فرنسا أن تعلم بأن الجزائر مستقلة سياسيا واقتصاديا وثقافيا وعسكريا وحتى لغويا عن فرنسا.