“ليلة المظليين”… صفحة مطموسة من جرائم فرنسا ضد الجزائريين
ما وقع في ليلة 23 إلى 24 جويلية 1961 بمدينة ميتز الفرنسية يعد من بين مظاهر القمع والعنصرية والإفلات من العقاب، التي مارسها الاستعمار الفرنسي في حق الجزائريين.
لقد عرفت تلك الليلة أحداث عنف استهدفت المهاجرين الجزائريين في هذه المدينة حيث كان يعيش حوالي 3 آلاف مهاجر جزائري، من دون تمييز، وهذا من قبل مجموعات من الفوج الأول للمظليين الفرنسيين فيما عرف لاحقا بـ”ليلة المظليين”، والتي سبقت مجازر 17 أكتوبر 1961 بباريس.
وبعد 65 عاما، لا تزال هذه الصفحة من تاريخ الاستعمار الفرنسي مطموسة، رغم دمويتها ورغم أنها تشكل جزءا لا يتجزأ من تاريخ مدينة ميتز وإقليم الموزيل وفرنسا، كما أنها تندرج أيضاً ضمن تاريخ العلاقات بين فرنسا والجزائر.
“على مدى عقود، احتفظت عائلات كثيرة بذكرياتها في صمت. واليوم تقع على عاتقنا مسؤولية نقل هذا التاريخ إلى الأجيال الجديدة”، تقول لـ”الشروق“، سليمة سعدي، رئيسة جمعية “جويلية 1961” التي أحيت الذكرى بمدينة ميتز، تعمل منذ ما يقارب العشر سنوات، في البحث عن الأرشيف، وجمع الشهادات، ومقارنة المصادر، وفتح حوار بين مختلف المقاربات التاريخية حول هذه الليلة.

إحياء ذكرى ضحايا “ليلة المظليين” من طرف جمعية “جويلية 1961” أمام نهر موزيل حيث تم إلقاء جزائريين من طرف المظليين الفرنسيين، جويلية 2026. صورة: جمعية “جويلية 1961”.
وهو ما تشرحه الفرنكو-جزائرية قائلة: “هدفنا ليس إعادة كتابة التاريخ، بل الإسهام في فهمه بصورة أفضل، من خلال وضع الأحداث في سياقها الصحيح والمشاركة في حقل البحث التاريخي الذي يواصل التوسع بفضل الاكتشافات الجديدة وفتح الأرشيفات. وتتمثل مهمتنا في التعريف بجميع أحداث 23 و24 جويلية 1961 في ميتز ومونتيني-لي-ميتز، مع الأخذ في الاعتبار كل الوقائع، وتكريم جميع ضحايا تلك الليلة، من دون استثناء أي منهم.” لافتة أن التزام التجمع “تاريخي ومواطني وإنساني عميق” هدفه أن تستعيد هذه الصفحة من التاريخ مكانتها المستحقة في الذاكرة الجماعية.
لا توجد مصادر كثيرة حول ما وقع في هذه الليلة، ولا أسماء وحتى أرقام ضحايا هؤلاء المظليين الفرنسيين الذين طاردوا الجزائريين الذين شنوا حملة عنف عشوائية مسلحين بقارورات زجاجية فارغة، وعصي، وأحزمة عسكرية، استهدفت كل من بدا لهم يحمل ملامح شمال إفريقية، حتى أن الجنود اعتدوا على إيطالي ظنا منهم أنه جزائري.
يروي ميشال ميرسييه، وهو أحد شهود العيان الفرنسيين الذين عاشوا تلك الأحداث، خلال النشاط الذي نظمته جمعية “جويلية 1961″، قائلا: “كنت يومها في مطعم محطة القطار، ورأيت حشودا من الجنود يدخلون المطعم ويعتدون بالضرب على كل من كان يبدو من أصول مغاربية.” ويضيف: “بعدها خرجنا، وهناك رأيت ما أعتبره أهم ما في الأمر. كان هناك عدد كبير من المظليين، لكن لم يكن بينهم ضباط أو ضباط صف، ومع ذلك كان هناك أشخاص يتلقون منهم الأوامر وينفذونها. كانوا يصرخون: ”إلى الشاحنات، إلى الشاحنات، الجميع إلى الشاحنات!” فصعدوا جميعا إلى الشاحنات، ثم انطلقوا نحو ما كانوا يسمونه ”القصبة”، وكان المقصود بها حي بونتيفوا الذي كان يقطنه عدد كبير من المهاجرين الجزائريين.”
واعتبر الشاهد أن ذلك “يدل على أن ما جرى لم يكن عملية مرتجلة، بل أشبه بعملية كوماندوس منظمة، ولم يكن تحركا عفويا”، وأضاف: “ربما كان الضباط قد نزعوا رتبهم العسكرية حتى لا تعرف هوياتهم.”
كما روى أنه شاهد جزائريا بقي في محطة القطار، وقال: “صرخ أحدهم: ”انتبهوا، هناك واحد هناك!” فانطلقوا إلى الجهة الأخرى من المحطة كالمجانين، وانهالوا عليه بالضرب.”
وتابع ميشال ميرسييه: “عندما توجهنا إلى المكان وجدناه ممددا على الأرض، وكان جندي من الفيلق الأجنبي، رغم إصابته واستناده إلى عكاز، يواصل توجيه الضربات إلى الرجل الملقى على الأرض.”
وأشار إلى أن بعض الحاضرين تدخلوا لإيقاف الاعتداء، قبل أن يختم شهادته بالقول: “أكثر ما أتذكره هو أنه لم يكن هناك أي شرطي.”
في البداية، وصل هؤلاء المظليون الفرنسيون إلى المدينة بعد أن شاركوا في القمع الكبير في الجزائر العاصمة عام 1957، أو ما يسمى بـ”معركة الجزائر”، حيث مارسوا التعذيب والاختفاء القسري ضد الجزائريين، ثم محاولة انقلاب فاشلة ضد الجنرال ديغول في أفريل 1961.
وكعقوبة لهؤلاء، أعيد الفوج إلى منطقة لورين في فرنسا في جويلية 1961.
ومنذ وصولهم إلى المدينة، تم تسجيل عديد الاعتداءات من طرف هؤلاء المظليين ضد المهاجرين الجزائريين الذي كانوا يعيشون في الأحياء الفقيرة لهذه المنطقة وعاصمتها ميتز.
كنتيجة لاستفزازات الجنود الفرنسيين، وقعت مساء 23 جويلية 1961 مشاجرة أمام نادي “لو تريانون” أدت إلى مقتل جنديين وعامل بالنادي والذي كان ضحية جانبية للمشاجرة.
في غضون نصف الساعة من المشاجرة، تدفق المظليون من ثكناتهم نحو أحياء المدينة التي يقطنها مهاجرون من شمال إفريقيا، مستقلين شاحنات عسكرية أو سيارات أجرة، لمطاردة الجزائريين كما اعتادوا أن يفعلوا في الجزائر.

نقل أحد المصابين في مدينة ميتز، ليلة 23 – 24 جويلية 1961. صورة: أرشيف خاص عبر صحيفة لوموند.
“لقد كانت ردة فعلنا تماماً كما كنا نفعل أثناء الحرب في الجزائر”، هكذا صرّح بعد مرور أكثر من أربعين عاما، جندي مجنّد خدم في فوج المظليين الأول بين عامي 1959 و1961، في حديثه مع جان-باتيست أليمان، مُعِدّ رسالة الماجستير التي تناولت هذا الموضوع عام 2016، كما نقلته صحيفة “لوموند” في عددها المنشور في 13 أفريل 2021، وفي واحد من المقالات القليلة حول الموضوع.
في 26 جويلية 1961، أعرب الفرع المحلي لرابطة حقوق الإنسان عن “احتجاجه الشديد، ليس فقط على أعمال الانتقام الدموية التي ارتكبتها مجموعة كبيرة من المظليين ضد العمال الجزائريين، بل أيضاً على الدوافع العنصرية الكامنة وراءها”.
في النهاية، بلغت الحصيلة الرسمية 4 قتلى (ثلاثة مواطنين فرنسيين وجزائري واحد) و28 جريحاً تلقوا العلاج في المستشفيات، وهو رقم يُضاف إليه عشرات آخرون، فضلوا بدافع الخوف من السلطات، عدم الاتجاه إلى المؤسسات الطبية العمومية.
هذا فيما تصف شهادات جمعها صحفيون قدموا لاحقا من باريس مشاهد لعمليات قتل غوغائي، وتشير إلى رجال تم الإلقاء بهم إلى نهر “الموزيل”، كما رجّح آخرون وجود جثث ربما تخلص منها الجيش.
وفتحت السلطات الفرنسية آنذاك تحقيقان، أحدهما بشأن مقتل الجنود الفرنسيين، والذي أسفر عن اعتقال ثلاثة جزائريين، وآخر بشأن اعتداءات المظليين ضد الجزائريين والذي لم يُسفر عن أي محاكمة رغم وجود تقرير من 300 صفحة.
بعد تلك الليلة الدموية، أصبح المهاجرون يتوارون عن الأنظار في المدينة، وهم الذين كانوا يشكلون قوة أساسية في الاقتصاد الصناعي للمنطقة. وكان معظمهم يعملون كعمال يدويين أو متخصصين في صناعات الحديد والصلب، والمعادن، والمناجم، والبناء، وكانوا يشغلون أكثر المهن مشقة.
أثناء كلمة افتتاح نشاطات إحياء الذكرى يوم الثلاثاء 21 جويلية 2026، قالت رئيسة “تجمع جويلية 1961” سليمة سعدي، في كلمتها: “لا شيء يبرر استهداف المدنيين بسبب أصولهم أو انتمائهم. فأعمال العنف الجماعي لا تنفجر فجأة في الغالب، بل تتشكل تدريجياً عندما تطغى المخاوف، والخلط بين الأفراد والجماعات، ونزع الإنسانية عن الآخر على النظرة إليه باعتباره إنساناً، وفهم هذه الآليات هو أيضاً سبيل إلى امتلاك الوسائل التي تمنع تكرارها.”
وعن إمكانية تكرار الآليات التي قادت إلى الاعتداءات العنصرية في جويلية 1961، في ظل تصاعد الخطاب المعادي للجزائر والمهاجرين الجزائريين من قبل اليمين المتطرف الفرنسي، الذي سبق للمؤرخ الفرنسي فابريس ريسيبوتي وأن وصفه، في حوار سابق مع “الشروق أونلاين” بأنه “الثمرة السياسية المسمومة لحرب الاستعمار الفرنسي في الجزائر“، أجابتنا سليمة سعدي قائلة: “أتحفظ على المقارنات السريعة. فسياق عام 1961 كان سياق حرب الجزائر، أما سياق اليوم، فهو مختلف، لكن التاريخ يبين لنا أن بعض الآليات قد تعود إلى الظهور، مثل الخلط بين الأمور، والأحكام المسبقة، أو تحميل فئة من السكان مسؤولية الصعوبات التي يمر بها المجتمع. وبصورة أوسع، فإنني أتحفظ على كل الخطابات التي تحصر الأفراد في منطق “نحن” في مواجهة “هم”. فهذه الخطابات غالباً ما تكون حاسمة في أحكامها، لكنها تصبح أكثر غموضاً عندما يتعلق الأمر بتحديد الوقائع التي تدّعي إدانتها. وفي مثل هذه الاختزالات تنشأ وصمات التمييز والإقصاء”.

إحياء ذكرى ضحايا “ليلة المظليين” من طرف جمعية “جويلية 1961″، جويلية 2026. صورة: جمعية “جويلية 1961”.
وأضافت محدثتنا “أعتقد أيضاً أن كثيراً من الفرنسيين من أصول جزائرية يشعرون اليوم بحالة من السأم، لأنهم يجدون أنفسهم مضطرين باستمرار إلى تبرير مكانتهم أو ولائهم أو هويتهم. فالخلافات بين دولتين يجب ألا تنعكس أبداً على المواطنين. ولهذا أحرص دائماً على التذكير بأننا لسنا “تجمع الجزائريين”، بل “تجمع جويلية 1961”. وبما أنني فرنكو- جزائرية، يعتقد البعض أننا لا ندافع إلا عن الذاكرة الجزائرية، وهذا غير صحيح. فعملنا يتناول مجمل أحداث 23 و24 جويلية 1961 وجميع ضحايا تلك الليلة. ونحن نرفض كل أشكال التصنيف الهوياتي، سواء تعلق الأمر بجمعية أو بمواطنين. كما تذكرنا أحداث جويلية 1961 بأن هناك جرحاً لم يندمل بعد. فبعد إطلاق النار في قاعة “التريانون”، فُتح تحقيق وعُقدت محاكمة. أما بالنسبة لأعمال العنف التي استهدفت الجزائريين في الساعات اللاحقة، فما تزال العائلات تنتظر أن تُكشف الحقيقة كاملة وأن تتحقق العدالة. إن التذكير بذلك لا يعني وضع الضحايا الفرنسيين في مواجهة الضحايا الجزائريين. بل على العكس، فمنذ نحو عشر سنوات، تقوم مقاربتنا على الاعتراف بكل ضحية، وإثبات الوقائع بالقدر نفسه من الدقة والصرامة، ورفض أي تراتبية في المعاناة.”
لتختم “فهم الأحداث لا يعني تبريرها، وشرحها لا يعني تبرئة مرتكبيها. بل إن ذلك يشكل شرطاً أساسياً لنقل هذا التاريخ بأمانة ودقة، وللحيلولة دون تكرار الآليات نفسها في المستقبل”.