-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

متى نرى مؤسسة دوليّة لحفظ ثقافة وذاكرة “البيظان”؟

حمدي يحظيه
  • 690
  • 0
متى نرى مؤسسة دوليّة لحفظ ثقافة وذاكرة “البيظان”؟

فكرة هذا المقال مستنبطة من المجهودات الكبيرة التي بذلتها دول الجزائر، موريتانيا والصحراء الغربية عندما سنت مؤخرا، تنظيم تظاهرات للثقافة البيظانية/الحسانية، بالتناوب بين عواصم هذه الدول، لنفض الغبار عن الثقافة المذكورة ولإنقاذها من محاولات الابتلاع.

هذا العامل المستجد والمهم يشجع مثقفي ونشطاء البيظان أن يقدموا أفكارهم وتصوراتهم لإنجاح هذا المشروع الثقافي المهم والتوسع فيها، وإخراجه من صورة الفلكلور والمهرجان إلى مجالات أخرى ثقافية وبحثية وأكاديمية مثل الدراسات والكتابات التاريخية وتعريف بقية الثقافات والشعوب به.

يتواجد ويعيش مجتمع البيظان على مساحة شاسعة جدا من منطقة شمال غرب إفريقيا، ومن منطقة الساحل الصحراوي، وهذه الخريطة الكبيرة أو هذا الانتشار البشري جعل ثقافة البيظان تنتشر وتسود في كل هذه المناطق التي ذكرنا، كما جعلها تكون جسرا مشتركا يجمع دولا وشعوبا عدة.
تبدأ خريطة البيظان البشرية من وادي نون المحتل شمالا، مرورا بمناطق وادي درعة وإقليم طرفاية المحتلين، ثم الساقية الحمراء ووادي الذهب-الصحراء الغربية- المحتلة أيضا، ثم تشمل موريتانيا كلها، مناطق غرب الجزائر من تندوف إلى العبادلة إلى أدرار، إلى برج باجي مختار وتمنراست، ثم تمتد اتجاه الجنوب حتى شمال مالي وشمال النيجر.
هذه المساحة الشاسعة بشريا وجغرافيا تجعل الثقافة التي يسميها سكان هذه المناطق بثقافة البيظان هي أكثر ثقافة انتشارا في شمال غرب إفريقيا أو في إفريقيا كلها. لا توجد ثقافة-حسب علمي- تنتشر على رقعة واسعة من مساحة ست دول، ومنذ قرون، ما عدا ثقافة البيظان، وهذا الانتشار الكبير يفرض حمايتها وإحيائها والحفاظ عليها، ويؤهلها كي تتبوأ مكانتها بين الثقافات الشعبية العالمية.

ثقافة مهددة
هذه الثقافة، رغم صمودها على مدى قرون، يمكن أن تصبح مهددة في أي وقت، وأكثر من ذلك يمكن أن تجد نفسها معرضة للانقراض والابتلاع ما لم تتم نجدتها. هناك الكثير من العوامل التي تهددها، والتي لا يمكن الانتباه إليها لأنها تعمل في صمت وبدون ضجيج، وفي مكان بعيد عن صخب العالم، وتعمل بوسائل متعددة. العامل الأول الذي يهدد ثقافة البيظان هو عدم تأطيرها وعدم تنشيط وسائل حمايتها وصيانتها.فأية ثقافة غير محمية بأدوات مادية ومعنوية، وغير متجددة باستمرار ستجد نفسها منسية ومهملة، وعرضة للاندثار البطيء.
العامل الثاني هو أن هذه الثقافة توجد في ست دول مختلفة، وهذا الانتشار خارج الحدود يُعرضها لعامل الاتكال. كل دولة تتواجد هذه الثقافة في منطقة منها تتكلها على الدول الأخرى، وفي خضم هذا الاتكال غير المتعمد تموت ثقافة البيظان بالإهمال.
العامل الثالث هو انتشار هذه الثقافة في مناطق صحراوية واسعة ونائية وبعيدة، ومنعزلة، فلا توجد مراكز بحث ولا كتابات، وفي الغالب تعتمد على الحكي الشفهي كطريقة للحفاظ عليها، لكن طريقة التواتر شفهيا مُعرضة للانقراض بسبب لطمات التقدم التكنلوجي الهائل. العامل الخامس والخطير هو انتهاج دولة المغرب لسياسة القضاء على ثقافة البيظان بكل الطرق. فهذه الدولة -المغرب- تستعمر الآن مساحات شاسعة من أراضي البيظان التي تسود فيها ثقافتهم: منطقة وادي نون، إقليم طرفاية، أرض الصحراء الغربية، وما يوجد خارج هذه الأراضي هو مهدد أيضا بالاجتياح من طرف المغرب مثل موريتانيا وصحراء الجزائر الغربية خاصة مناطق تندوف ولعبادلة وبشار وأدرار.
كل هذه العوامل التي ذكرنا تفرض أن يكون هناك مخطط دولي توحد فيه الدول التي يتواجد فيها البيظان وثقافتهم مجهوداتها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان.

دور ثقافة البيظان في كبح جماح التوسع الاستعماري
يعرف المهتمون بتاريخ منطقة شمال غرب إفريقيا أن الاستعمار القادم من المغرب، منذ عهد الموحدين، المرينيين، السعديين والعلويين، لم يستطيع أن يسيطر على المجال المسمى مجازا أرض البيظان، وأن ثقافة البيظان وشخصيتهم منعت انصهارهم في مجتمعات كل الذين حاولوا غزوهم. حين احتل الاستعمار الفرنسي منطقة شمال غرب إفريقيا لم يستطيع أن يسيطر على أرض البيظان، والأجزاء التي سيطر عليها منها، مثل موريتانيا، لم يستطيع أن يتوغل فيها أو يفرض ثقافته وشخصيته فيها. سيعيد التاريخ نفسه لاحقا مع التوسع المغربي: سيظل البيظان متكتلين حول ثقافتهم في وجه المغرب ويرفضون تواجده والاندماج فيه، كما يرفضون تبني ثقافته ولغته وعاداته. فرغم احتلاله لمناطق وادي نون وإقليم طرفاية ودرعة، منذ عقود، إلا أنه لم يستطيع تحويل أولئك البيظان الصحراويين إلى مغاربة، كما لم يستطيع أن يفرض عليهم لغته، والآن لو تم استفتاء سكان وادي نون وإقليم وطرفاية جنوبا، هل يفضلون الاندماج مع المغرب أو مع الصحراء الغربية لانضموا للصحراء الغربية. منذ خمسين سنة احتل المغرب الصحراء الغربية، لكن رغم محاولاته الكثيرة والممنهجة للقضاء على لغة وثقافة شعب البيظان في تلك المنطقة إلا أنه عجز مثلما عجز من قبل مع سكان وادي نون ووادي درعة وإقليم طرفاية ومحاميد الغزلان. لقد شكلت ثقافة البيظان في هذه الأقاليم المحتلة عاملا حاسما في الدفاع عنها، وحمايتها من التوسع المغربي، وخلقت حاجزا قويا يصد توغل الاحتلال. الغريب في الأمر أن الخريطة التي يحلم المغرب بابتلاعها في الصحراء الغربية، وادي نون، إقليم طرفاية، صحراء الجزائر الغربية من بشار إلى أدرار مرورا بموريتانيا شمال مالي هي الخريطة التي يسميها البيظان “تراب البيظان”.

إنشاء مؤسسة للدراسات حول ثقافة البيظان
رحب المثقفون والمهتمون بثقافة البيظان بمبادرة تنظيم تظاهرة دولية، كل سنة، في عاصمة من عواصم البلدان التي تسود فيها أو في مناطق منها ثقافة البيظان. هذه المبادرة رفعت من مستوى الطموح لدى المثقفين والباحثين في ثقافة وذاكرة البيظان.
بالنسبة لهؤلاء، هناك الكثير مما سيُكتب ويُنقب عنه، وهناك الكثير مما يجب أن تزاح عنه رمال الصحراء ومجاهلها، وهناك الكثير مما يجب إعادة صياغته وتصحيحه وتحويله من شفهي إلى مكتوب. الثقافة الييظانية / الحسانية غنية، متنوعة، وأهلها يتمسكون بها بقوة ويحاولون الحفاظ عليها رغم محاولات طمسها وتشويهها وتحريفها من طرف فرنسا والمغرب.
إن تظافر جهود الدول التي تتواجد فيها ثقافة البلدان يجب أن يذهب ابعد من تظاهرات فلكلورية تُقام هنا وهناك. هذه الثقافة هي ثقافة شفهية غالبا، بدوية، وأهلها، تاريخيا، لا يمتهنون التدوين والكتابة، وعصرنا الحالي أصبح عصر تدوين وكتابة، ولم يعد يعترف بالمرجع الشفهي. في هذا الإطار، لا بد من التفكير في إنشاء مؤسسة دولية للدراسات تُعنى بثقافة البيظان وتدوينها، وتفتح المجال أمام الباحثين في هذه الثقافة لتحويل المادة الخام إلى مكتوب ومُدون. حين نقول مؤسسة دولية أو مركز دراسات دولي فنحن نعني أن تشترك فيه الدول التي تتواجد ثقافة البيظان فيها أوفي مناطق فيها مثل موريتانيا، الصحراء الغربية، مناطق وادي نون وإقليم طرفاية المحتلين، الجزائر خاصة في مناطق بشار وتندوف وأدرار وفي شمال مالي والنيجر. هذه الدول، مجتمعة، لن يصعب عليها إنشاء مؤسسة أو مركز دراسات في إحداها-الدول-، يتم تمويله جماعيا، يهتم بثقافة البيظان، ويكون محور جذب للباحثين في هذه المجال الثقافي المهم.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!