-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
بصمات خالدة تستحضر مع كل إشراقة ليوم العلم

محاربو الأمية.. فوارس التعليم الأصيلة التي لم تترجل

فاطمة عكوش
  • 93
  • 0
محاربو الأمية.. فوارس التعليم الأصيلة التي لم تترجل
ح.م
تعبيرية

بينما تحتفل الجزائر بيوم العلم، تطلّ علينا وجوه لم يكن العلم بالنسبة إليها مجرد وظيفة، بل رسالة حياة ومعركة وجود. هم الرعيل الأول الذين غرسوا بذور المعرفة في ربوع منطقة القبائل غداة الاستقلال، فصنعوا من الصخر قامات ومن العزيمة مدارس.

وفي هذه الوقفة، نفتح سجل الوفاء لنستذكر نماذج مضيئة، لم تنحن أمام شح الإمكانات، بل أنارت الدروب بفيض عطائها، مقدمة للأجيال القدوة التي نفتقدها اليوم، ولا يسعنا في هذا المقام إلا أن نقف وقفة تقدير وإجلال لشيخنا الجليل الأستاذ سعيد القاضي، والأستاذ دربال محمد، الأستاذة بوقرة عديدي، والأستاذ أحمداش بوكريف، هؤلاء لم يكونوا مجرد معلّمين، بل كانوا مدارس قائمة بذاتها، أفنوا أعمارهم في خدمة التربية والتعليم وكتاب الله، فأناروا الدروب، وخرّجوا أجيالا حملت المشعل علماً وعملاً، وإن أعظم شاهد على صدق عطائهم وبركة جهدهم، ما نراه من ثماره الطيبة من أبناء المنطقة الذين ساروا على نفس النهج المبارك، فجمعوا بين العلم والخلق وخدمة القرآن، فهنيئاً لهم هذا الامتداد الطيب، وهنيئاً للعلم بأمثال هذه القامات.

الحاج دربال محمد.. قامة من الرعيل الأول


المربي الكبير الأستاذ المتقاعد الحاج دربال محمد من مواليد 1938 بقرية آث يخلف ببلدية أمشدالة بولاية البويرة، قامة من قامات التربية والتعليم من الرعيل الأول أطال الله في عمره، فهو من الجيل الذي كان له شرف الوعي بالقضايا الوطنية،هذا الجيل الذي تربى على حب الوطن، رجل وطني مخلص، وهو من قامات التربية والتعليم الذين قامت على أكتافهم المدرسة الجزائرية بعد الاستقلال رغم الظروف الصعبة، استطاع هو وجيله رفع التحدي بتكوين نخبة من الطلبة والإطارات التي هي اليوم ملء السمع والبصر، تلقى تعليمه الابتدائي بزاوية تسمى آنذاك (مدرسة الإصلاح) سنة 1947 على يد الشيخ أحمد إرزاقن، والشيخ لحباسي، ثم الشيخ أحمد الثعالبي، نشأ وتربى في وسط محافظ تعلم فيه اللغة العربية وحفظ القرآن الكريم ومبادئ العلوم الدينية رفقة مجموعة من أبناء القرية، منهم الأستاذ ليمام محمد رئيس المجلس الشعبي الولائي سابقا.
بدأ الحاج دربال مشواره المهني في 25 سبتمبر 1964 يوم تم تعيينه أستاذا للغة العربية، وكانت البداية من مدرسة واد قصاري بذراع الميزان، التي درس فيها لمدة خمس سنوات من 1964 إلى غاية 1969 لينتقل إلى مدرسة بني حماد ببلدية الصحاريج مديرا للمدرسة لمدة 15 سنة وهذا من سنة 1969 إلى غاية 1984، ليتم تحويله إلى مدرسة “بوبي علي” ببلدية أحنيف أستاذا ونائب مدير وهي المؤسسة التي قضى فيها سنوات طويلة، كان خلالها يحقق نتائج جد إيجابية بفضل جهوده الجبارة وعزيمته القوية وإرادته الفولاذية، وكان لا يكتفي بما يبذله من جهد في القسم بل يتعداه لتقديم دروس إضافية في بيته للجميع بالمجان من دون أي مقابل.
الحاج دربال رجل فرض احترامه وتقديره على كل من يعرفه ومن لا يعرفه وحاز على احترام المجتمع المحيط به بكرم أخلاقه وتواضعه وصدق رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حين قال: “من تواضع لله رفعه”، لقد تواضع طوال حياته للكبير والصغير على حد سواء، أحب الجميع وأحبوه ووقّر الكبير واحترم الصغير وفتح بابه للجميع وكسب السمعة المشرفة التي لم يكسبها من يمتلكون الأموال الطائلة ومن يديرون الأعمال البارزة، وتتلمذت على يده أجيال ونال من خبراته الكثير من المعلمين الذين عملوا معه وكان يؤطر الندوات المحلية والقطاعية ويشرف على الامتحانات الرسمية إلى أن أحيل على التقاعد برتبة أستاذ سنة 1998 من مدرسة “بوبي علي”.
وكتب اسمه في أفكار وعقول الناس بأحرف من نور وجعل من نفسه علماً بارزاً يضرب به المثل في كرمه وحسن أخلاقه وشخصية فذّة واعية مفعمة بالإنسانية والاحترام، رجل نزيه من شجرة طيبة، يعامل الناس بسواسية ويملك فكرا عاليا ولا توجد في قلبه العنصرية والحقد، إنه يعيد إلينا الأمل بأن نشاهد وجوها تخدم مصالح الوطن وتساهم في نهضة المجتمع.

عديدي بوقرة.. “أم الأجيال”!


الأستاذة “بوقرة عديدي”.. الملقبة بخالتي عديدي ندريسي… أكثر من مجرد معلمة بل هي صانعة أجيال، من مواليد 1939 بقرية أولاد عبد الله التاريخية ببلدية أولاد راشد بدائرة بشلول ولاية البويرة، ابنة عبد القادر وطوبال تسعديت… كانت بداية مرحلة تعليمها سنة 1946 بمسجد قرية أولاد عبد الله، حيث حفظت ما تيسر من القرآن الكريم وفي سنة 1947 التحقت بمدرسة “الحياة” وكانت آنذاك تضم مرحلتي التعليم الابتدائي والمتوسط معا إلى غاية 1954، بدأت مشوارها المهني كمعلمة للغة العربية بعد نيل الجزائر استقلالها سنة 1962 إذ تعتبر من مؤسسي المدرسة الجزائرية وكانت البداية بمدرسة “الحياة” بقرية أولاد عبد الله المسماة حاليا ابتدائية “الشهيد يعيش محمد” ببلدية أولاد راشد وبعدها انتقلت إلى مدرسة أهل القصر مركز في سبتمبر 1966.
بدأت رحلة الأستاذة “عديدي” في التدريس في وقت كانت فيه الموارد التعليمية محدودة، والتحديات كبيرة. ولكن شغفها بالعلم وحبها للأطفال كان أكبر من أي عقبة، كانت ترى في كل طالب وطالبة بذرة تحتاج إلى رعاية واهتمام لتنمو وتزهر. ولم تكن تقتصر في تعليمها على المناهج الأكاديمية، بل كانت تزرع في نفوس طلابها القيم الأخلاقية، وحب الوطن، وأهمية الجد والاجتهاد.
ما ميز المعلمة “بوقرة عديدي” هو إيمانها الراسخ بأن التعليم رسالة مقدسة وليس مجرد وظيفة لكسب العيش، كانت تتفانى في عملها إلى حد يثير الإعجاب؛ فكانت تمضي ساعات طويلة في إعداد الدروس، واستخدام وسائل تعليمية بسيطة ومبتكرة لجعل المعلومة أقرب إلى أذهان طلابها، بصفاتها كالصبر والرأفة، والتواضع.
على مدى مسيرتها الطويلة، ساهمت الأستاذة “عديدي” في تخريج المئات من المتمدرسين، والكثير منهم أصبحوا اليوم مهندسين وأطباء ومعلمين وقادة في مجتمعهم. كل واحد منهم يحمل في قلبه جزءاً من فضلها وعطائها. ويشهد لها تلاميذها وزملاؤها في الميدان بتفانيها في توصيل الرسالة وأداء الأمانة إلى أن أحيلت على التقاعد سنة 1998.

الحاج أحمداش بوكريف.. معلم ومدوّن لتاريخ الثورة


ولد الحاج أحمداش بوكريف يوم 4 ديسمبر 1940 بقرية آث إبراهيم، ابن شهيد وأخو شهيد، نشأ في عائلة فقيرة مكونة من 3 أولاد وابنتين وبدأ رحلة العمل وهو صغير من أجل إعالة عائلته، بل وكان يعيل عائلة أخيه الأكبر الشهيد الذي ترك ابنة، كما ماتت أخته وتركت ابنتين، درس الفرنسية في سن الثامنة بأمشدالة لكن حالته الاجتماعية القاسية منعته من الاستمرار لينتقل بعدها إلى المدرسة الباديسية بآث إبراهيم ليدرس فيها لمدة ست سنوات.
سافر بعدها إلى فرنسا وعمل في مصنع للجلود ثم في ميدان البناء حيث كان جادا وصادقا في عمله إلى درجة أن مستخدميه رفضوا تسريحه ليعود إلى الجزائر، ولما لاحظوا أنه جاد في قراره بالرجوع، اقترحوا عليه أن يجد من يعوضه بشرط أن يكون بنفس قدرته وأمانته.
بدأ التعليم في مدرسة آث عبد المومن بتيزي وزو لمدة 8 سنوات وأربعة أشهر من تاريخ 12 جانفي 1965 إلى غاية 21 سبتمر 1972، ثم انتقل إلى قريته آث إبراهيم من 1972إلى 1975، ثم انتقل إلى رافور إلى غاية 1978، وبعدها تحول ليدرس بأمشدالة ساحل إلى أن أصبح مديرا في 1983 إلى غاية خروجه للتقاعد في 1998 من مدرسة “عمارين عيسى” بأمشدالة.
وعند التقاعد، اهتم الحاج أحمداش بالكتابة، وكون مكتبة عامرة، ونشر الحاج أحمداش بوكريف كتابا بعنوان “2370 يوما في قلب اللهيب” وهي شهادات عن أحداث حية للثورة الجزائرية مصدرها العقيد المتقاعد دلس سي عبد الله، وبعدها نشر جزئين من سلسلة بعنوان “شاهد على ثورة التحرير في منطقة أمشدالة وضواحيها” في انتظار نشر الجزء الثالث، وهي سلسلة غنية بالأحداث والشخصيات تحرت أدق التفاصيل الممكنة، وصالحة كمرجع للمشتغلين بالتاريخ، كما أن له قصصا وخواطر كثيرة لم تنشر بعد.

الحاج السعيد قاضي.. رجل التعليم والدعوة


من بين التلاميذ الذين درسهم الحاج أحمداش، نجد سي الحاج السعيد قاضي أبو خليل بالمدرسة الابتدائية “رسول محمد” بثيغرغث بقرية آث كوفي خلال سبعينيات القرن الماضي وبالضبط سنة 1977، ويقول الأستاذ محمد أرزقي عكوش لـ”الشروق” عن معلمه: “توفي والده سي موحمدان في بداية السبعينيات، وخلف ستة أولاد من بينهم سي الحاج السعيد، وخمس بنات، وقد تفرغ شيخنا لتربية إخوته وأخواته حتى أوصلهم إلى بر الأمان، وكان مدرسا في مدرسة ثيغرغرث وتميز بتفانيه في أداء رسالة التدريس، وأذكر لما كنت في السنة السادسة، كان شيخنا في الفترات المسائية ينجز معنا ساعات إضافية، تعلمنا على يديه السيرة النبوية التي كان يقدمها لنا ويجعلنا نعيش أحداث تلك المرحلة ولما وصل إلى نهاية السيرة بوفاة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في عمر 63 سنة، شعرنا بعظم المصاب بوفاة من لا مثيل له بين خلق الله وساد بيننا حزن عميق، وبعدها انتقل إلى التاريخ الإسلامي، والثورة التحريرية”.
ويواصل التلميذ شهادته عن معلمه: “لما كنا أطفالا كنا نلمس تقدير واحترام الناس لسي السعيد آنذاك، وبعد تقاعده، تفرغ للتعليم في زاوية سيدي علي أويحيى، حيث نشط في تعليم الذكور والإناث القادمين من مختلف ربوع البلاد”.
ويشهد طلبة الزاوية أن سي الحاج كان يستيقظ على الساعة الثانية صباحا ويواصل نشاطه إلى العشاء، وهو صاحب فكرة الزاوية الصيفية للذكور والإناث “وأشهد أنه كان كثير الصدقات ويحرص ألا يعلم أحدا بها، كما أنه لا يضيع أي مناسبة من دون أن يدعو لدين الله سواء في دروس المساجد والزاوية، أو عندما يلقي كلماته المؤثرة في الجنائز، وكثير من الناس تأثروا واستقاموا بفعل كلام سي الحاج السعيد، وهذا فضلا عن جهوده في إصلاح ذات البين، التي كان يوفق فيها بفعل رزانته وتمتعه بثقافة دينية وسعة تجارب تجعل كلمته مسموعة”.

مؤلفات غزيرة
والشيخ أبو خليل سعيد قاضي الزواوي، من مواليد سنة 1974 بقرية بني كوفي بتيزي وزو، وينتمي إلى أسرة شريفة نسبا، بدأ تعليمه في الكتاتيب القرآنية، ثم تابع دراسته في معهد التعليم الأصلي على أيدي علماء أزهريين، مستفيدا من المدرسة الجزائرية الأصيلة ومن الملتقيات الفكرية الإسلامية، قضى ثلاثين عاما في خدمة التعليم، حيث تدرج بين التدريس والإدارة المدرسية، ثم تفرغ للتعليم في زاوية سيدي علي أو يحيى، وأسهم في تدريس علوم الشريعة، اللغة العربية، والقراءات القرآنية، وأسس المقرأة الصيفية، ومن مؤلفاته “زاوية سيدي علي أو يحيى بين الأصالة والمعاصرة”، وهو كتاب يبرز تاريخ الزاوية ودورها العلمي والاجتماعي، “الجرجرية في الترتيل للقرآن الكريم والتركيز على رواية ورش”، (بأصولها وفرشها)، وهو دليل علمي متكامل حول رواية ورش بطريقة ميسّرة، “رواية ورش الميسّرة أصولا وتطبيقات” وهو كتاب يشرح أصول رواية ورش بأسلوب تطبيقي، “الموجز في أحكام التلاوة”، وهو مرجع مختصر في علم التجويد للمبتدئين والمتوسطين، “تقريب المنافع في قراءة نافع”، كتاب يجمع بين النظري والتطبيقي في قراءة الإمام نافع، إلى جانب مؤلفات أخرى.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!