محاسبة البوعزيزي بأثر رجعي!
يتلذّذ البعض فيقول منتقما أو مبتهجا أو متهكما: انظروا ماذا فعل الربيع العربي بشعوب المنطقة؛ أليس هذا ربيعكم الموعود الذي قلتم قبل خمس سنوات إنه صالحٌ لإرساء الديمقراطية وتحقيق التغيير والإطاحة بالاستبداد؟! ذوقوا الآن مرارة ما طبختم، واحصدوا ما زرعتم، ولا داع للبكاء مجددا على أوطان ضيّعتموها، واستقرارٍ أهدرتموه..
كان يمكن الوثوقُ في مثل هذا الكلام والتصديق أنه واقعيٌ وحقيقي لولا أنَّ الربيع العربي كان نتيجة وليس سبباً، والثورات وإن تآمر عليها الجميع، جاءت كرِدَّة فعل على الطغيان وليس تمهيداً لتبديد الاستقرار..
ثمّ عن أيِّ أوطانٍ يتحدَّث هؤلاء المرضى الذين يستعملون دماء السوريين التي تنزف الآن بغزارة من أجل التدليل على المخططات الغربية الخطيرة والتآمر الدولي المستمرّ والغباء المحلي الحالم بالديمقراطية والتغيير؟!
هل الأوطان التي كان يحكمها حسني مبارك وزين العابدين بن علي وبشار الأسد، ومعمر القذافي هي أوطانٌ حقا أم مزارع خاصة؟
ألم تكن الأوطان تحت ظلال تلك الأنظمة، تعاني من التآمر أيضا.. داخليا وخارجيا؟
كان يمكن التصديق فعلا بأننا ضيعنا الاستقرار ولو تحت ظلال الطغيان والاستبداد لو أن هؤلاء الذين حكمونا لم يعجِّلوا بوقوع تلك المؤامرات، ولم يمهِّدوا لها الطريق من أجل التسلُّل إلى ضمائر الشعوب التي ضاقت بالذل، وإلى قلوبهم التي امتلأت بالحقد، وإلى عقولهم التي تطلعت إلى الحرية.
سكان حلب ودمشق وإدلب ودير الزور وبن قردان وسيناء ودرنة وطرابلس… لا يدفعون الثمن لأنهم حلموا بالتغيير وصدّقوا المؤامرة، بل لأنهم واجهوا أنظمة حكم رخيصة، ونخباً جبانة، وأنظمة غربية متآمرة، وعدوا يتربص هناك اسمه.. بني صهيون!
من يقولون إن ما يحدث في حلب الآن نتيجة لتصديق الكذبة الكبيرة المسمّاة “ربيع عربي” نسألهم: هل وجدت الشعوب المسكينة والمستضعَفة بديلا آخر غير الربيع وقالت لا؟
إنهم يريدون محاسبة محمد البوعزيزي بأثر رجعي، يريدون محاسبته على مجازر حلب.. وهم لذلك مستعدّون لتبرئة الشرطية التي صفعته أمام الملأ ورمت طاولته الصغيرة لبيع الفاكهة على الأرض دون أن يحاسبها أحد.
مسكينة هي الشعوب العربية.. قدرها أن تتحمل إذلال أنظمة استبدادية عميلة لسنوات، ثم حين تفكر بالبديل وبرفع المظالم لا تجد إلا الحديد والنار في مواجهتها مرة أخرى، وحسبنا الله ونعم الوكيل!