مدرسة الاستقلال
عادت ذكرى الاستقلال على الجزائريين –هذا العام- وقلوبهم تخفق هناك في أرض العزّة غزّة، مع المجاهدين المرابطين الذين ينافحون عن مقدّسات الأمّة وعما تبقّى من كرامتها، ومع إخوانهم الذين يبذلون كلّ ما يملكون في سبيل الله أولا ثمّ في سبيل أن تستيقظ الأمّة وتنتخي لتستردّ عزّها المسلوب ثانيا.
عندما نتابع -بقلوب يملؤها الأسى- تعداد ضحايا العدوان الصّهيونيّ على غزّة ونُفجع بأنّه بلغ الآن 38 ألف شهيد، خلال 9 أشهر، أي بمعدّل 140 شهيدا كل يوم، ربّما يتسلل إلى قلوبنا الخوف ممّا هو قادم. لكن حين نتذكّر أنّ الاستعمار الفرنسي الصليبيّ البغيض مكث في بلادنا 132 سنة أي 1584 شهرا، وقتل 5 ملايين و630 ألف جزائري، نحتسبهم عند الله من الشّهداء، أي بمعدل 116 شهيدا كل يوم.. عندما نستذكر أنّ هذه التضحيات الأليمة كانت ثمنا لنصر مؤزّر سجّل على صفحات التاريخ بأحرف من عزّ تلهب الأحرار في كلّ العالم؛ تنبض قلوبنا باليقين في وعد الله الآتي لا محالة، في يوم تشفى فيه صدور المؤمنين أجمعين من الصهاينة المعتدين: ((إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ)).
تعود ذكرى الخامس من جويلية، في خضمّ ما يعيشه إخوة العقيدة والدّين في غزّة، لتذكّرنا بأنّ الحرية التي يكون على إثرها التطهّر من رجس المحتل الكافر، تستحقّ أن تراق لأجلها الدّماء وتبذل لأجلها المهج والأرواح ويضحّى في سبيلها بالغالي والنّفيس، خاصّة إذا كان العدوّ في دنس الاستعمار الفرنسيّ أو نجاسة الاستعمار الصهيونيّ.. المنافقون والذين في قلوبهم مرض الآن، يقولون عن المجاهدين في غزّة كما كان أجدادهم يقولون عن المجاهدين في بلدنا، يقولون: مَن هؤلاء الأغيار الذين غرّهم دينهم وأرادوا مقارعة رابع أكبر قوة في العالم؟! لماذا يلقون بأيديهم إلى التهلكة؟ لماذا يستفزّون العدوّ الصهيونيّ؟ لماذا يجلبون الخراب والدّمار والقتل للمدنيين؟ نفس الكلام يتكرّر في كلّ وقت.. ووالله لو سمع المجاهدون في هذا البلد لقول المثبّطين والمرجفين ما استقلّت الجزائر أبدا. ولو أنّ المرابطين في فلسطين يسمعون كلام المرجفين الذين يريدون الحياة الدّنيا وزينها، فلن تتحرّر فلسطين!
يعود الخامس من جويلية ليذكّرنا بأنّ يننا وبين فرنسا التي كانت صليبية وأصبحت صهيونيّة ثأرا تاريخيا لا يجوز أن ننساه.. ليذكّرنا بجرائم فرنسا في حقّ آبائنا وأجدادنا، ونحن نتابع الآن جرائمها في حقّ إخواننا في فلسطين من خلال دعمها المطلق للصهاينة بالمال والسلاح والجنود، وبالتغطية على جرائمه والدفاع عنه في المحافل الدولية.. العدو الفرنسي لا يقلّ إجراما في حقّ إخواننا في غزّة عن العدوين الصهيونيّ والأمريكيّ، ومن واجبنا نحن في الجزئر خاصّة أن نتحرّك على أرض الواقع لنأخذ بثأرنا وثأر إخواننا من هذا العدوّ البغيض، وأضعف الإيمان أن نسعى لإنهاك اقتصاده، ونمنعه من استغلال خيرات أرضنا، وتحويل بلادنا إلى سوق لما تنتجه شركاته الداعمة للصهاينة.
يعود الخامس من جويلية ليذكّرنا بأنّ الاستقلال لم يأت على طبق من ذهب أو على طريق معبّدة، إنّما جاء بعد توفيق الله وفضله على أكوام من الجثث وأنهار من الدّماء: 5 ملايين و630 ألف جزائريّ استشهدوا، أراض شاسعة أحرقت، وثروات نهبت وسرقت، وتجارب نووية قاتلة في صحرائنا أجريت لا نزال ندفع فاتورتها غالية إلى يومنا هذا.. وهكذا إخواننا في فلسطين، دفعوا منذ العام 1948م، ولا يزالون يدفعون فاتورة باهظة في الأرواح والدّماء والممتلكات، وما كان للرّجس الصهيونيّ أن يطول وجوده في الأرض المباركة، لو أنّ أكثر من مليار مسلم أدّوا واجب النّصرة، ولكن ولأنّ الأمّة قالت بلسان الحال للمرابطين هناك: ((لو نعلم قتالا لاتّبعناكم))! فإنّ الفاتورة لا تزال مفتوحة. والقضية تستحقّ ذلك، وربّما هو الشّرف الذي اختصّ الله به أهل تلك الأرض المباركة، بأن تتطهّر الأرض المقدّسة بدمائهم الزّكية.
عاد الخامس من جويلية ليذكّرنا بواجب شكر نعمة الله في الاستقلال.. الله –تعالى- لم يؤيّدنا بنصره ويرزقنا من الطّيبات لنغفل عن شكره، ونضيّع حقّه، ونرضى بالإخلاد إلى الأرض وبالكسل والنّوم عن أداء حقّه سبحانه أولا، وعن بناء بلدنا ثانيا.. الله لا يرضى لنا أن نبرأ من العدوّ الفرنسيّ بألسنتنا، ثمّ نستورد ثقافته ونتشبّث بلغته.. ولا يرضى لنا أن نبرأ من العدوّ الفرنسيّ بألسنتنا ثمّ نسمح للعلمانيين الذين أشربت قلوبهم حبّ فرنسا بأن يرفعوا أصواتهم عاليا ويجهروا بعداوتهم لدين الأمّة وثقافتها ولغتها ويسخروا من مقدّساتها وشعائر دينها.
عاد الخامس من جويلية، ليذكّرنا بعهد الشّهداء في بناء بلد قويّ يستغني عن فرنسا وغير فرنسا.. هذا العهد الذي نسيناه -إلا من رحم الله منّا- حين أضحى كلّ واحد منّا يفكّر في نفسه وفي مصلحته ولا تهمّه مصلحة بلده.. فُجع البلد بجيل من شبابنا يحمل ثقافة “الرقاد وبيع البلاد”، ثقافة “من حقّي نسلك وانا راقد. كثّر خير أموال البترول”، ثقافة “البريكولاج” و”ازرب لينا خلينا نكملو ونروحو”.. ثقافة “عقّب برك راه مكانش اللي لاتي”، هذه العبارات التي نسمعها صباح كلّ يوم، وأهلكت كلّ شيء، وجعلتنا نعيش عالة على بلدنا، نريد أن نأخذ رواتبنا كاملة غير منقوصة من دون أن نبذل أيّ جهد أو نقدّم أيّ خدمة!
أصبح الوطن عند كثير منّا هو بيته وسيارته، وما سوى ذلك فهو “شيء الدّولة” لا يستحقّ إلا الإفساد والتكسير والتوسيخ؟ نجلس على الشواطئ وفي الحدائق والمنتزهات، ثمّ ننصرف ونترك أماكننا مليئة ببقايا الطّعام والأكياس والعلب.. نسير في الطرقات ونرمي الأوساخ من نوافذ سياراتنا.. نرمي القمامة من شرفات بيوتنا إلى الشّوارع.. بدلا من أن نغرس الأشجار ونسقيها ونتعاهدها إذ بنا نكسر ما غرس منها ونسلّط عليها الأطفال والحيوانات.. نخرج إلى الغابات فنشعل النيران ونتسبب في حرق هكتارات من الغابات ولا حول ولا قوة إلا بالله.. أهكذا نشكر الله على نعمة الاستقلال؟ أهكذا نشكره على نعمة الأمن والأمان؟! تجد الواحد منّا يكتب على مواقع التواصل: “جزائري وأفتخر”، ويدخل في مناكفات مع إخوانه في بلدان أخرى، لكنّ نفسه لا تطاوعه في وضع القمامة في مكانها، ولا في حفظ المال والممتلكات العامّة، ولو أتيحت له فرصة ليسرق لوجدته ينهب ويختلس كلّ ما تصل إليه يده.. المفارقة أنّ هذا الجزائريّ عندما يهاجر إلى فرنسا أو إلى أيّ بلد غربيّ آخر، يتحوّل إلى كائن مؤدّب، لأنّه يخاف العقوبة ويحذر القانون الذي يطبق بكلّ صرامة.. على عكس بلده الذي يجد فيه طرقا ملتوية يتخلص بها من العقوبة!