مراجعة الدستور أم مراجعة الذات؟
هل تُعد مراجعة الدستور كافية لاستيعاب التحول العميق الحاصل في المجتمع سلبا وإيجابا؟ وهل هي قادرة على مواجهة التهديدات الخطيرة المحيطة ببلادنا من كل جانب؟ أم أن الأمر يحتاج إلى نظرةٍ أعمق وأشمل تكون في مستوى طبيعة التحوّلات ودرجة التهديدات الآنية والمستقبلية؟ …على أكثر من صعيد يبدو أن الأمر يتعلق بالقيام بمراجعة كلية مع الذات أكثر من مراجعة جزئية للدستور.
الذي يتابع المسيرة الدستورية الجزائرية يتبين له أنها لم تكن مُستقرة إطلاقا منذ إصدار أول دستور سنة 1963. مخاض إعلان الدساتير الجزائرية يطول والصراعات حولها تحتدم ثم في آخر المطاف لا تَصمد أكثر من سنتين لتتم العودة بعدها إلى حالة العمل بغير الدستور وبغير القانون في ظل الحالة الطبيعية.
لم يصمد أي دستور جزائري أكثر من سنتين. دستور سنة 1963 تم تجميد العمل به سنة 1965 بعد الانقلاب الذي حصل على أول رئيس للجمهورية أحمد بن بلة، بغض النظر عما له أو عليه، ودستور سنة 1976 انتهى العمل به فعليا بعد وفاة الرئيس هواري بومدين سنة 1978 (تعديل 1979)، وإن بقي ساريا من الناحية الرسمية بعد حدوث انتقال سلمي للسلطة، ودستور الشاذلي بن جديد سنة 1989 عصفت به حالة الفوضى العارمة التي عرفتها الجزائر بعد 1991، ليُصبح في حكم المُجمّد بعد إعلان حالة الطوارئ في 09 فيفري 1992، ودستور سنة 1996 الذي صدر في عهد الرئيس ليامين زروال اعتبر في حُكم المنتهي الصلاحية بعد مجيء الرئيس بوتفليقة إلى الحكم سنة 1999. ومنذ هذا التاريخ والدستور الجزائري يتعرض للتعديل بعد الآخر (2001، 2008) إلى غاية 2011 حيث تم طرح فكرة التعديلات التي نراها علنيا اليوم بعد أكثر من 04 سنوات من التردد في القيام بذلك.
ولعل أكبر مشكلة حلت بآخر دساتيرنا في فترة ما بعد سنة 1999 هي تكييفه مع طبيعة الحكم القائم وليس تكييفَ الحكم القائم معه مثلما تجلى بوضوح في تغيير المادة 74 التي كانت تمنع فتح العهدات الرئاسية لأكثر من عهدتين، لأن في ذلك مسايرة لرغبة قيادة سياسية كان بإمكانها فعل ذلك حتى وإن منعه الدستور القائم. وكان يمكن اعتبار الأمر استثناء كما حدث في بعض الديمقراطيات وأن التصحيح ما يلبث أن يأتي لولا الإصرار على تأكيد هذا الخيار عندما تم تمديد الفترة الرئاسية لعهدة رابعة رغم عدم توفر أدنى الشروط الموضوعية التي تبرر ذلك.
إننا لا يمكن أن نبني دولة مؤسسات بحق إذا لم يكن القانون والدستور معا فوق الجميع. وهذا لن يتم إلا إذا كان البناء الدستوري منطلِقا بحق من القاعدة الشعبية ومعبِّرًا بالفعل عن الذات الوطنية، وليس مُنطلِقا من رغبة سياسية لسلطة حاكمة أو شخص حاكم.
وهكذا تبين وكأننا لا نملك في الجزائر دستورا للجمهورية إنما دساتير لرؤساء الجمهورية. كما أننا لا نملك قوانين للجميع إنما قوانين تطبق بكيفيات مختلفة على الجميع. وهنا مَكمن الخطورة وما ينبغي تصحيحه قبل فوات الأوان.
إننا لا يمكن أن نبني دولة مؤسسات بحق إذا لم يكن القانون والدستور معا فوق الجميع. وهذا لن يتم إلا إذا كان البناء الدستوري منطلِقا بحق من القاعدة الشعبية ومعبِّرًا بالفعل عن الذات الوطنية، وليس مُنطلِقا من رغبة سياسية لسلطة حاكمة أو شخص حاكم. وهي الديمقراطية في أبسط معانيها.
بمعنى آخر لا يُمكننا أن نصل إلى وضعِ دستور يكون بحق دستورا للجمهورية، ولا يمكن أن تكون لنا قوانين تُطبَّق بعدل على الجميع، إذا لم يكن هذا الدستور وهذه القوانين بحق نابعة من الإرادة الشعبية.
وهو ما يبرر بطريقة واضحة الدعوة الملحة التي ينبغي أن تؤكد اليوم: أننا لا يمكن أن نصوغ مشروع دستور في ظل مؤسسات لا تمثل بطريقة صحيحة الإرادة الشعبية، أي الذات الوطنية في جميع تجلياتها وبجميع مكوّناتها…
إن المؤسسات المنتخَبَة بطريقة حرة وديمقراطية هي وحدها القادرة على اقتراح دستور للمصادقة الشعبية، وهي وحدها القادرة على السهر على تطبيقه واحترامه كما تسهر وتحترم تطبيق القوانين التي ستنبع منه أو ستتكيف معه.
وبهذه الكيفية فقط يُمكننا أن نصل إلى الحالة التي يُصبح فيها الدستور معبِّرا عن الحقيقة الاجتماعية والسياسية التي يعيشها الناس أي عن الذات الوطنية، وليس معبِّرا عن حاجات محدَّدة لسلطة قائمة.
ما الذي يمنعنا عدم تكرار التجارب السابقة والتي أثبتت محدوديتها في الزمان والمكان؟ ما الذي يمنعنا من أن نبدأ من الشروع في بناء مؤسسات سياسية مشروعة من القاعدة إلى القمة تمثيلية وشعبية بمعنى الكلمة تكون لها صلاحية مراجعة الدستور الحالي أو تجديده كلية على ضوء تجربتها الماضية وبما يتناسب مع تطلعاتها المستقبلية؟
إن المؤسسات المنتخَبَة بطريقة حرة وديمقراطية هي وحدها القادرة على اقتراح دستور للمصادقة الشعبية، وهي وحدها القادرة على السهر على تطبيقه واحترامه كما تسهر وتحترم تطبيق القوانين التي ستنبع منه أو ستتكيف معه.
إننا نعتقد أن الجزائريين، أصبحت لديهم اليوم تطلعات مختلفة عن العقود السابقة سواء تعلق الأمر بشكل الدولة أو طبيعة النظام السياسي أو الخيارات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية. لقد تغير المجتمع في أكثر من بعد من أبعاده، وأحيانا تغير نحو الأسوأ خاصة فيما يتعلق بمنظومة القيم السائدة بما في ذلك القيم السياسية إلى درجة أنه لم تعد لغاياتٍ، مثل التضحية من أجل الوطن أو الحفاظ عليه أو منعه من التمزق، أي جاذبية سياسية، وهي من كبرى الغايات التي إِنْ اضمحلت كانت مؤشرا خطيرا على مستقبل البلاد ينبغي تداركه قبل فوات الأوان.
ولعل هذا ما يدفعنا إلى القول إننا اليوم بحاجة ليس إلى القيام بمراجعة الدستور إنما إلى القيام بمراجعة الذات الوطنية مراجعة كلية حتى لا ندفع ببلدنا نحو سيناريوهات غير محمودة في المستقبل المباشر.
لا يمكن لأي أحد أن ينكر أن هناك الكثير من المؤشرات الدالة على أن محاولات التصحيح الحالية غير متناسبة مع حجم التهديدات المحيطة بنا، وأن الأمر لا يتعلق بتمرير مشروع دستور على البرلمان أو حتى عبر استفتاء لتحقيق التكيف الملائم مع المستقبل، بل يتعلق بالبدء في حلّ تدريجي وبعيد المدى لمختلف الإشكالات التي عرفتها بلادنا في العقود السابقة والتي أنتجت هذا الواقع المعقد اليوم الذي لم تعد تكفي معه الأدوات التقليدية في الحل مثل التعديلات الدستورية.
إن المطلوب اليوم، ولأجل المستقبل، هو الشروع في العلاج من حيث ينبغي أن يُشرع فيه: العودة الحقيقية إلى عمق الأوساط الشعبية التي هي وحدها القادرة على الفرز والتعبير عما تريد، من دون ذلك ستبقى حلولنا فوقية غير قادرة على استيعاب التبدل الحاصل في المجتمع بخاصة في أبعاده السلبية وما أكثرها، وغير قادرة على التعامل مع الفواعل الخارجية وما أكثرها تهديدا لأمننا القومي ووحدتنا الترابية….