مرض الرئيس يشخص مواطن الزمانة في الدولة
وعكة رئيس الدولة تكون قد شخصت مواطن الزمانة في الدولة الجزائرية التي تبقينا تحت التهديد الدائم بانفراط عقد السلم والوئام، حتى بعد أن انصرفت عين إعصار الربيع العربي عن الإقليم، وبدأت قوته تتفكك في ريف الشام.
قد نكون في الجزائر أحرص العرب على استشراف ما بعد تسوية النزاع في سورية التي سوف تغلق أبواب التغيير بالقوة غداة حسم معركة القصير، وقد كنا أكثر العرب شعورا بالحرج حيال اقتتال بيني كنا نعلم سلفا أنه بلا أفق، أراده أعداء العرب أن يكون مفتاحا للاحتراب المذهبي السني الشيعي، يضاف إلى المأساة الدائرة منذ عقد من الزمن في العراق، وكنا أيضا أكثر العرب احتسابا لتبعات نتائج هذا الاقتتال على أمن الجزائر في حال نجاح المتآمرين على سورية في إسقاط الدولة السورية تحت شعار إسقاط النظام وبشار الأسد، لأنه كان سيفتح شهية القوى العابثة بالعالم العربي إلى معالجة آخر دولة عربية ذات وزن استعصت على تدابير حراك الربيع العربي.
الانصراف المؤقت لعين الإعصار
لا شك عندي أن حراك الربيع العربي كان ترجمة حرفية لخطابي الرئيس الأمريكي أوباما في أنقرة والقاهرة، الذي أعاد فيهما صياغة مشروع الفوضى الخلاقة الموروث عن إدارة بوش بأدوات ناعمة، وكان من الواضح منذ البداية أن الولايات المتحدة المهزومة في العراق وأفغانستان، المقبلة على تراجع استراتيجي منظم من منطقة الشرق الأوسط نحو المحيط الهادي، أنها كانت بحاجة إلى تأمين مصالحها النفطية في الخليج وأمن صنيعتها إسرائيل، بتوطين حالة مستديمة من الفوضى القابلة للإدارة عن بعد، تنتج حول الكيان الصهيوني طوقا آمنا من الدول العربية الفاشلة، المنشغلة بإدارة ما سيفجره الحراك العربي من أزمات تشل حركتها، وتصرفها بالكامل عن ملف القضية الفلسطينية من جهة، فيما تبقى دول الخليج تحت التهديد الإيراني الحقيق أو الافتراضي الدائم.
”بقدر من الاطمئنان يمكن لأي تحليل موضوعي أن يستشرف استحالة تحريك مسار تغييري في الجزائر بأدوات الربيع العربي، وأن عين الإعصار المحتضر في الشام تكون قد ابتعدت عن الجزائر إلى حين”
غياب الحليف الداخلي لسحرة الربيع
عوامل موضوعية كثيرة تكون قد ساعدت على تأجيل معالجة الحالة الجزائرية إلى ما بعد تأمين مسار الفوضى الخلاقة بتفكيك الدولة السورية، ومن خلالها تفكيك الحلف الثلاثي المشكل من سورية وإيران وحزب الله، لأن الحالة الجزائرية كانت تحتاج إلى أكثر مما احتاج إليه مديرو الربيع العربي في تونس وليبيا ومصر واليمن، وربما كانت أعقد من الحالة السورية، وكانت بوجه خاص تحتاج إلى توفر ثلاثة عناصر إسناد ضرورية لمقاربة الحالة الجزائية بقدر من النجاح:
العنصر الأول: ضمان وقوف المؤسسة العسكرية في الحد الأدنى على الحياد تجاه أي حراك شعبي شبيه بما حدث في دول الربيع، وهو أمر كان وما يزال أكثر من مستبعد، في بلد سبق له أن دخل في مسار مماثل منذ عقدين، وخرج منه النظام أقوى مما كان عليه ليعيد بناء الدولة حول المؤسسة العسكرية التي استفادت من التجربة، واستعادت مكانتها الطبيعية كقوة ضامنة للشرعية الدستورية، أي حامية لنظام الحكم الذي لها فيه نصيب إن لم يكون النصيب الأكبر.
العنصر الثاني: غياب قوى سياسية ذات شأن يمكن التعويل عليها في تنشيط الحراك الشعبي، على غرار ما أوكل للإخوان ومكونات الإسلام السياسي في بقية مسارات الربيع العربي. فمعظم القوى الإسلامية الوريثة لقواعد جبهة الإنقاذ كانت قد تورطت بشكل ما في المسارات السياسية التي أدارها النظام، سواء خلال سنوات الجمر، أو بعد استعادة الاستقرار وتثبيت مسار السلم والوئام، فيما كانت القوى العلمانية قد أثبتت مع بداية التعددية عجزها في بناء بديل ليبرالي يمكن التعويل عليه.
العنصر الثالث: تمتع النظام باحتياطي مالي كبير يسمح له بالاستجابة الفورية للمطالب الاجتماعية، وتحييد البعد الاجتماعي من أي حراك شعبي، وهو ما سارع النظام إلى تنفيذه في وقت مبكر، في عملية استباقية واسعة، ضمنت له على الأقل ولاء الشريحة البيروقراطية الإدارية، وانضباط مختلف أسلاك الدولة العسكرية والأمنية والإدارية.
شعب “مجرب” يرفض تجربة المجرب
ومع غياب عناصر الإسناد الثلاث التي توفرت في تونس ومصر وليبيا واليمن، فإن التجربة الليبية قد كشفت صعوبة تنفيذ التدخل العسكري الغربي لإسناد “الثوار” حتى في بلد مثل ليبيا، حرمه النظام الجماهيري من بناء دولة ذات شأن، وساهمت سنوات الحصار في إضعاف جيش لم تكن له خبرة قتالية سابقة تذكر. فلم يكن من الممكن في الحالة الجزائرية لا تحشيد الرأي العام العربي، ولا توظيف الجامعة العربية، أو تحريك مجلس الأمن لتمرير قرار مثل القرار الذي فتح الباب أمام تدخل النيتو في ليبيا، كما أن تمتع الجيش الجزائري بسلاح طيران قوي، وخاصة وجود منظومة دفاع جوية حديثة، كان سيمنع تفعيل منظومة حظر الطيران واستباحة الأجواء كما حصل في ليبيا، خاصة بعد دخول منظومة إس 300 الخدمة منذ أكثر من عامين، لتكون الجزائر البلد العربي الوحيد الذي حصل على المنظومة التي حصلت عليها سورية مؤخرا.
إلى ذلك كشفت الأيام الأولى من الحراك الشعبي قدرا كبيرا من العزوف الشعبي عن مسايرة بعض الدعوات المحتشمة لتحريك الشارع، بادرت إليها قوى سياسية لا تتمتع بالمصداقية وبالقبول الشعبي، ثم إن كثيرا من عمليات سبر الآراء، التي أجرتها بعض السفارات الغربية، قد كشفت لها مقدار تردد أغلبية الجزائريين في الدخول في مسار قد يعيد البلد إلى أتون فتنة جربتها من قبل، بكلفة فاقت إجمالي ما أحصي حتى اليوم من قتل ودمار في دول الربيع العربي.
ما بعد تفكك الإعصار في ريف الشام
هذه العناصر الموضوعية مجتمعة أقفلت الباب مؤقتا أمام معالجة الحالة الجزائرية، إلى حين حسم المواجهة الكبرى في الشام، والتي سوف تقرر مصير مسارات الربيع العربي، إما في اتجاه توسيع رقعة التغيير في حال سقوط الدولة السورية، لكي يشمل التغيير بقية الدول العربية التي تحتاج إلى معالجة وعلى رأسها الجزائر، أو الذهاب إلى تسوية دولية ترسم خطوط اقتسام مناطق النفوذ في عالم متعدد الأقطاب، هو ما بدأت ترتسم معالمه منذ حصول التوافق الأمريكي الروسي على حل الصراع في سورية على البساط الأخضر، ومعه التوافق على إدارة جديدة للنزاعات في العالم، تنهي تفرد الإمبراطورية الأمريكية بالقرار الدولي.
“أكثر ما يتهدد استقرار البلد اليوم ليس بالضرورة فرضية تحريك ما يشبه حراك الربيع العربي، بقدر ما ينبغي أن نحسب ألف حساب لهشاشة مؤسسات الحكم، وضعف الطبقة السياسية العاجزة عن صياغة وإنضاج بدائل حكم ذات مصداقية”.
آخر محاولة بائسة لجس النبض، والبحث عن منفذ آخر، كانت من تدبير الفرنسيين في محاولة مفضوحة لتوريط الجزائر في ملف النزاع شمال مالي، قبل أن تفشل المناورة على أكثر من صعيد، ويحسم الجيش الجزائري الموقف بكل صرامة، من جهة غلق الحدود الجنوبية ومنع تدفق النزاع المالي إلى أراضينا، ثم بإحباط المناورة الفرنسية في قاعدة تغنتورين بقدر من الصرامة جسدت ميدانيا حرص الجزائر على مبدأ السيادة مهما كانت الكلفة.
وبقدر من الاطمئنان يمكن لأي تحليل موضوعي، يأخذ بعين الاعتبار مآل الربيع العربي، وتحديدا تبعات الفشل الغربي في ترويض سورية، وانكشاف ضعف جيراننا الأوروبيين عن الدخول في أية مغامرة خارج المظلة الأمريكية، يمكن للتحليل الموضوعي أن يستشرف بكل اطمئنان استحالة تحريك مسار تغييري في الجزائر بأدوات الربيع العربي، وأن عين الإعصار تكون قد ابتعدت عن الجزائر إلى حين، وأنه يتعين على النظام والنخب السياسية أن تغتنم هذه الفسحة لتحصين البلد مع كل ذلك، بالدخول في إصلاحات سياسية حقيقية تدعم الاستقرار، وتعيد بناء الجبهة الداخلية التي يعول عليها في تأمين البلد من عبث الأقوياء، وتؤهل البلد للتموقع بشكل صحيح وآمن داخل مسرح إعادة تشكيل العلاقات الدولية في عالم متعدد الأقطاب قد بدأ يتشكل بالفعل.
تأمين البلد بأدوات الإصلاح السياسي
فمع ما قدمنا له بشأن مواطن القوة التي سمحت للجزائر بالإفلات من إعصار الربيع العربي، فإن الدولة الجزائرية مازلت هشة وبها الكثير من المواطن الرخوة، هي بحاجة إلى إصلاحات هيكلية عميقة وواسعة، إن على المستوى السياسي أو على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، إصلاحات تمنح المواطن قدرا من الثقة بالدولة، حتى لا يكون فيها نبأ مرض رئيس الدولة مدعاة للخوف، أو فرصة للدخول بالبلد في مغامرة غير محسوبة.
فقد كان بوسع الطبقة السياسية أن تحول هذا الحدث العارض، المعتاد في جميع الدول، إلى فرصة تدعوا فيها السلطة إلى استثمار مسار التعديل الدستوري الجاري، من أجل إدراج بنية جديدة لرئاسة الدولة تمنع قيام حالة شغور منصب رئاسة الجمهورية، والتفكير بجدية في أحداث منصب نائب الرئيس بصلاحيات واسعة، منها صلاحيات إدارة شؤون البلد في حالة حصول شغور مؤقت، وإكمال عهدة الرئاسة عند ثبوت شغور دائم لسبب من ألأسباب.
ردود الأفعال المسجلة لدى شرائح واسعة من المواطنين جمعت بين التعاطف الإنساني مع الرئيس في مرضه، وقلق مشروع من تبعات قيام فرضية استحالة إكمال الرئيس لعهدته، مع إخفاق النظام في تهيئة “خلافة” سلسة وآمنة للرئيس بوتفليقة اليوم أو عند انتهاء العهدة، وإخفاق الطبقة السياسية من جهتها في تهيئة بدائل ووجوه جديدة، غير تلك التي خبرها المواطنون في الاستحقاقات الرئاسية السابقة، أو إنضاج برامج حكم ذات بعد إصلاحي حقيقي، قد تغري الناخبين أخيرا على المجازفة مع مرشح لا يكون بالضرورة من صنع الدولة العميقة كما جرت العادة.
وفي الجملة، فإن أكثر ما يتهدد استقرار البلد اليوم وغدا ليس بالضرورة فرضية تحريك ما يشبه حراك الربيع العربي، ولا فرضية تدخل غربي على خلفية نزاع إقليمي تبدو مستبعدة في الأجل المنظور، بقدر ما ينبغي أن نحسب ألف حساب لهشاشة مؤسسات الحكم الموروثة عن دستور 89، وضعف الطبقة السياسية العاجزة عن صياغة وإنضاج بدائل حكم ذات مصداقية، وغياب سياسية حقيقية تبدأ في تطويق حالة الفساد السياسي الإداري والمالي، الذي يفتك بمصداقية الحاكم كيفما كان الحاكم، ويغذي على الدوام السخط الشعبي، وينشط بكفاءة بؤر الشغب والفتنة.