ميثاق لما هو صواب سياسيا
ارتبطت كلمات مثل “ارحل” أو “عدو” أو “خائن” أو “عميل” أو “طاغية” أو “مرتد” أو “دكتاتور”… أو غيرها من الصفات المشابهة، بخطابنا السياسي في السنوات الأخيرة ـ خاصة خلال ما عُرف بالربيع العربي ـ حتى كادت اللغة السياسية دون هذه الكلمات تُصبح غير صالحة للتعبيرِ عن السعي لإصلاح الوضع القائم…
مثل هذه الكلمات أصبحت هي مفتاح لغة البعض وأحيانا السقف الذي دونه ينبغي ألا ينزلوا، من دونها كل موقف هو مداهن أو مُوالٍ وأحيانا منافق، وبالنتيجة غير مسموع إن لم يكن مرفوضا ينبغي أن يُحارب… تَمَّ فرضُها بطريقة أو بأخرى على اللغة السياسية في أكثر من بلد، والنتيجة نعرفها جميعا، بدل أن يرحل الطغاة والأعداء والعملاء، جاءت الفوضى المدمِّرة بما تحمل من إرهاب وتخريب وظلم وتحطيم بلا حدود…
لقد تم من خلالها تزييف الوعي وتغيير الأوليات وتغييب الرؤية.. بدل النظر إلى الآخر كبرامج خاطئة أو سياسات عامة غير سليمة أو خيارات غير مدروسة، تم التعامل معه بلغة “ارحل” وما يتبعها من متلازمات… وبقيت الأفكار والسياسات والبرامج وآليات العمل والرؤية كما هي دون تغيير.. يُمكنها ألا ترحل مهما كانت خاطئة أو مفروضة أو مدسوسة بطريقة أو بأخرى.. حتى كدنا نصل إلى قناعة أن المشكلة بالأساس هي في تغيير الأشخاص وليس في تغيير السياسات أو البنَى الاقتصادية أو العلاقات الاجتماعية والثقافية… باعتبارها مسائل غير ذات أولوية.
ولعل هذا ما ينبغي أن يُعالج اليوم.
إننا بحق في حاجة إلى مراجعة إدراكنا الواقع وأسلوب تغييره من خلال مراجعة قاموس لغتنا السياسية، بل نحن في حاجة إلى ميثاق يحكم ما ينبغي أن تكون عليه لغتنا السياسية، يوضِّح ما هو صواب سياسيا وما هو غير صواب، بما يضمن نقد السياسات بدل الأشخاص، واحترام الخصوصيات بدل نشر غسيلها، حتى لا يُمَسّ الناس في كرامتهم أو أسرهم أو يتم تتبع عوراتهم والتجسس على بيوتهم وأبنائهم كما يحدث هذه الأيام.
لقد عرفت أمريكا وأوروبا في العقود الأخيرة نقاشاتٍ واسعة بين مدارس واتجاهات فكرية مختلفة بخصوص ما سُمِّي في حينه بمسألة “الصواب السياسي” Political correctness وكان لها وما عليها من تأثير على الحياة السياسية، ولعلنا اليوم أحوج من الآخرين لمثل هذا “الصواب السياسي”، إذا كُنا نريد صناعة الأمل ببلدنا، لا الاستمرار في اعتماد لغة منافية لقيمنا وتقاليدنا وموروثنا الثقافي والتاريخي، أثبتت أنها لم تُنتِج سوى اليأس عند غيرنا.