نتيجة الخير ومزيلة الغير
أكد المنصفون من الباحثين من غير المسلمين أن أتمّ سيرة وأكملها في ذكر حوادثها الدقيقة والجليلة هي سيرة سيد بني البشر أجمعين، سيدنا محمد – عليه أفصل صلاة وأزكى تسليم – وأنه “ليس بين أنبياء العالم من ولد في ضوء التاريخ إلا محمد” – صلى الله عليه وسلم – كما ذكر كثير من الباحثين ومنهم فيليب حتّي، اللبناني النصراني، ومارسيل بوازار، القانوني السويسري، في كتابيهما “تاريخ العرب” بالنسبة لفيليب حتّي و”إنسانية الإسلامية” بالنسبة لمارسيل.
لقد انكب المسلمون قديما وحديثا على سيرة هذا الرجل الأعظم، عليه الصلاة والسلام، لأنهم استيقنوا أنه لم يخلق مثله في عالم البشر كمالا، وجلالا، وجمالا.
إن هذا الانكباب على دراسة هذه السيرة أثمر عددا ضخما مما لا يعدّه العادّون، ولا يحصيه المحصون من الكتب والأشعار، نشدانا لاسترجاع حياة هذا الرسول الأكرم، الذي لم يعاصروه، ومحاولة تمثلها في حياتهم، والنهج عليها في سلوكهم، وإن كان كثير منهم ركزوا على مظاهر هذه السيرة لا على جواهرها كما قال الشاعر اليمني علي أحمد باكثير:
حاكتك (*) في صور الأعمال تتبعها وما أقتدت بك في عزم ولا همم
ولا كمال، ولا صدق، ولا خلق ولا اجتهاد، ولا عز، ولا شمم
مع أن المطلوب من المسلمين أن يدرسوا هذه السيرة العطرة، التي ما مثلها سيرة، لاستخلاص الحكم، واستخراج الأحكام..
وكان للجزائريين – كسائر المسلمين – اهتمام كبير بسيطرة المصطفى، صلى الله عليه وسلم، فألفوا فيها تآليف، وأنشؤوا قصائد بلغ بعضها من الروعة ما لم يبلغها غيرها مما كتب الكاتبون، وحسبك – إن كنت في ريب مما أقول – قصيدة “البردة”، الذي حاز بها الإمام البوصيري قصب السبق، مع تقليد كثير من الشعراء لها، ومنهم أميرهم في العصر الحاضر أحمد شوقي، الذي كتب رائعته “نهج البردة”، واعتذر فيها للإمام البوصيري بأنه “نهج نهجه”، ولكنه لا يعارضه، فقال:
الله يشهد أني لا أعارضه من ذا يعارض صوب العارض العرم
إذا كنت قد فزت في السنة الماضية في معرض الكتاب بدرّة هي كتاب “جنى الجنّتين في شرف الليلتين”، أي ليلة ميلاد سيدنا محمد – عليه الصلاة والسلام- وليلة مبعثه، وهو للإمام محمد بن أحمد ابن مرزوق التلمساني (ت 781 هـ)، فقد فزت في معرض هذه السنة بدرّة أخرى هي كتاب “نتيجة الخير ومزيلة الغير”، وهو نظم لسيرة رسول الله – صلى الله عليه وسلم- بلغ 698 بيت.. وصاحب هذا النظم هو العالم الأديب الفقيه الفرضى أبو إسحاق إبراهيم بن أبي بكر الأنصاري التلمساني (ت 697 هـ).
ولد إبراهيم بن أبي بكر الأنصاري التلمساني بمدينة تلمسان في سنة 609 هـ، ثم انتقل مع والده إلى غرناطة، وقضى بها ثلاث حجج، لينتقل إلى مالقة قبل أن يعود نهائيا إلى سبتة ليستقر هناك حتى أتاه اليقين في سنة 697 هـ، أي أنه عاش 88 سنة.
تلقى العلم عن كثير من كبار العلماء، ومنهم أعلام عصره في مختلف العلوم والفنون.. وقد برع في علوم شتى كالأدب والفقه والسيرة والفرائض.. التي قيل عنه بأنه “فارسها، ومفتاح أسرارها وهو واضع المنظومة المشهورة الفائقة في هذا العلم الجليل، وهي المعروفة بـ “التلمسانية” (ص 49) من كتاب نتيجة الخير ومزيلة الغير.
وأنبه إلى أن هذا الكتاب قد نشر منذ بضع سنين في الجزائر تحت اسم “الأرجوزة التلمسانية في الفرائض”، وقد حققته الدكتورة نصيرة دهينة، فأنقذت كنزا من كنوز الثقافة الجزائرية، وهو يتناول موضوعا شائكا هو الحقوق المترتبة عن الميراث.. وقد أبدع فيها الشيخ أبو إسحاق، حتى إن لسان الدين الخطيب قال فيها بأنه “لم يصنف في فنها أحسن منها”، ولهذا “ظلت في مقدمة كتب الدرس الفقهي الفرائضي المتداولة بين أهل العلم”.
وللشيخ إبراهيم الأنصاري التلمساني عدة آثار أهمها هذان الكتابان “الأرجوزة التلمسانية” و”نتيجة الخير ومزيلة الغير”، و”مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراث” في المغرب الشقيق.
وهذا الكتاب “نتيجة الخير…” هو نظم لأشهر كتابين في السيرة النبوية الشريفة وهما “سيرة ابن اسحاق (ت 151 هـ) وسيرة راويها عنه وهو عبد الملك بن هشام (ت 218 هـ)، وقد صرّح الشيخ إبراهيم الأنصاري التلمساني بذلك الاختصار فقال:
قصدت اختصار سيرة نبوية فلا القصد مخذول ولا الرأى القائل.
وقد نالت إعجابا من العلماء، فنسجوا على منوالها.
وللشيخ إبراهيم الأنصاري التلمساني أشعار عديدة تدل على مقدرته الشعرية كمقدرته النثرية، والعلمية. ومن شعر الحكمة عنده قوله:
الغدر في الناس شيمة سلفت قد طال بين الورى تصرّفها
ما كلّ من سرت له نعم منك يرى قدرها يعرفها
بل ربما أعقب الجزاء بها مضرة عنك عز مصرفها
أما ترى الشمس تعطف بالنـ ـور على البدر وهو يكسفها
وغرض الشيخ إبراهيم من عمله هو رجاء رضا الله – عز وجل – ونيل شفاعة رسول الله – عليه الصلاة والسلام- حيث جاء في مستهل القصيدة:
ألا في سبيل الله ما أنا قائل ليجنى به أمن وفوز ونائل
متبرّئا من كل رياء وسمعة المحبطين للعمل، فقال:
وأبرأ فيها من رياء وسمعة فيدحض لي فيها من الأجر آجال
أرجّي بها نيل الشفاعة إنها عتادي إذا ماابتزّ مني المشائل
إذا كان لي المختار في الحشر شافعا فلست أبالي ما تقول الغوائل.
رحم الله إبراهيم الأنصاري التلمساني، وأنزله منازل المكرمين من عباده، ووفقنا جميعا إلى الارتقاء إلى مقام سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، وإن كان هو في الأنام كالقرآن في الكلام.
(*) الضمير في “حاكتك” يعود على “الأمة الإسلامية”