-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

نفيرٌ عامّ ضدّ.. الدروز!

حسين لقرع
  • 1118
  • 0
نفيرٌ عامّ ضدّ.. الدروز!

في البداية، لا بدّ من التشديد على ضرورة احترام الأقليات العرقية والطائفية في أي بلد عربي أو إسلامي، وحمايتها، وقبول اختلافها، واحترام معتقداتها، ودمجها في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فذلك أدعى للحفاظ على وحدة بلداننا واستعصائها على مؤامرات تقسيمها.. لكنّ هذه الأقليات أيضا مدعوّة إلى التشبّث بأوطانها وعدم الاستقواء على حكوماتها بالخارج، لاسيما العدوّ الصهيوني، الذي يتحيّن كل الفرص لإعادة تقسيم بلداننا.

بهذا الصَّدد، آلمنا بشدّة أن نسمع المسمّى حكمت الهجري، وهو أحد شيوخ الدروز السوريين، يدعو رئيس حكومة الكيان الصهيوني، بنيامين نتنياهو، إلى التدخل عسكريًّا في بلده سوريا لـ”حماية” الأقلية الدرزية التي دخلت في مواجهات مع قبائل البدو والجيش السوري معا، وأن يخاطب نتنياهو بصفة “دولة رئيس وزراء إسرائيل”!

هذا السفّاح الذي وصفه الهجري بـ”دولة رئيس الوزراء” هو مجرم حرب أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكِّرة اعتقال في حقه، في 21 نوفمبر 2024، بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية في غزة، ومكانه هو السجن في لاهاي، فكيف يخاطبه الهجري بـ”دولة رئيس الوزراء”، وهو الذي يرتكب مجازر مهولة بحقّ الفلسطينيين كل يوم ويجوّعهم حتى الموت… هل هذا الوحش النازي الحاقد يستحقّ أن يخاطبه “الشيخ” الهجري بهذا التوقير والتبجيل؟!

صحيحٌ أنّ التجاوزات المرتكبَة من الجيش والبدو ضدّ الدروز في السويداء، مرفوضة ومدانة بشدّة، وهي أيضا مدخلٌ لفتنة طائفية تهدّد وحدة سوريا، لكنّ ذلك لا يسوّغ للهجري الاستعانة بهذا العدوّ الفاشي، كما أنّ ميليشياته متَّهمة أيضا بمواجهة قوات الأمن بالسِّلاح وقتل العشرات من أفرادها حينما تدخّلت لفك الاشتباك بين الدروز والبدو، ومتّهمة بعمليات تهجير واسعة للبدو من بيوتهم، وحرقها، ونهب ممتلكاتهم، وارتكاب أعمال قتل واسعة في حقّهم…

لقد كادت البلاد تدخل في حربٍ أهلية، لولا أنّ أطرافا خارجية عديدة تدخّلت وقامت بوساطات كثيفة لوقف القتال، ونجحت في ذلك بعد سقوط 940 قتيل في أسبوع واحد، من الدروز والبدو ورجال الأمن.. ألم يكن ممكنا تفادي سقوط هذا العدد الكبير من القتلى من أبناء الوطن الواحد لو جنح الهجري للحكمة والتعقّل منذ اليوم الأوّل ولم يجنّد ميليشياته للانتقام جماعيّا من البدو الذين اعترضت عصابة صغيرة منهم سبيل تاجر خضر درزي؟ لماذا يعاقَب آلافُ البدو بذنب بضعة منحرفين منهم؟ ولماذا واجه الهجري الجيش السوري لاحقًا وألّب عليه الاحتلال؟

والمؤلم أكثر، أن نسمع مسؤولين صهاينة يقولون إنّ الكيان “وافق على السَّماح بدخول محدود للقوات السورية إلى السويداء” للفصل بين المتناحرين! أيُعقل أن “يوافق” الاحتلال على “دخول محدود” للجيش السوري إلى الأراضي السورية؟! منذ توقيع مصر اتفاق كامب ديفيد في 1979 إلى اليوم لم يعُد جيشُها يدخل أراضيه في سيناء إلا بأعداد محدودة وبعد موافقة الاحتلال، واليوم يتكرّر السيناريو البائس ذاته في سوريا، أيّ ذلٍّ وهوان هذا الذي يعيشه العرب؟!

وإذا كان “الشيخ” الهجري قد أخطأ في الاستقواء بالاحتلال الصهيوني النازي، الذي يقتل الفلسطينيين يوميًّا بالقصف والتجويع، فإنّ القبائل السنية قد أخطأت أيضا في الدعوة إلى ما سمّته “النفير العامّ” ضد الدروز؛ فهؤلاء مواطنون سوريون وعرب ويقولون إنهم مسلمون، ولا يُعقل أن يدعو أحدٌ إلى “النفير العامّ”، و”الجهاد” ضدّهم.. من يريد الجهاد فغزّة قريبة منه، وأهلها يتعرّضون لمذابح رهيبة وتجويع جهنّمي حتى الموت، وهم أولى بنصرة إخوانهم العرب والمسلمين. وقبل غزة، هناك أراض سورية محتلة؛ من قبل كانت مرتفعات الجولان، والآن توسّعت القوات الصهيونية في أراض أخرى، حتى وصلت إلى مشارف دمشق، وإذا كانت هناك دعواتٌ إلى النفير العامّ والجهاد، فلتكن ضدّ هذا العدوّ المتغطرس الذي يمعن في استباحة أراضي سوريا وأجوائها كل يوم، وليس الدروز أو العلويون؛ فهم أبناء الوطن الواحد الذين ينبغي البحث عن سبل التعايش معهم وتجاوز الخلافات والأحقاد والحساسيات التي تفرّق ولا تجمع.

اليوم، تحدق الأخطارُ بسوريا من كلّ جانب، خاصة من العدوّ الصهيوني الذي يريد تنفيذ “سايكس بيكو 2” وإعادة تقسيم المنطقة العربية عرقيًّا وطائفيًّا، انطلاقا منها، والمطلوب من النظام الجديد في سوريا، أن يكون في مستوى هذه التحديات الخطيرة، ويشرع في إرساء أسس دولة حديثة، يتعايش فيها السوريون جميعا بمختلف مكوّناتهم الطائفية والعرقية بسلام ووئام، وبناء جيش وطني يشمل جميع هذه المكوّنات، وتجريم خطاب الكراهية والتحريض الذي ينخر النسيج الاجتماعي السوري الموحّد، ومعاقبة جميع من ارتكب جرائم في حقّ الأقليات، وفي مقدّمتها الطائفية العلوية التي تعرّضت لمذابح وحشية في مارس الماضي، ذهب ضحيتها أزيد من 1700 علوي من دون أن يعاقَب مرتكبوها، حتى الذين صوّروا جرائمهم وتباهوا بها ببثّها في مواقع التواصل!

رسالة أخرى إلى الجولاني: كنتَ قد تماديت في “المحادثات الأمنية” مع الاحتلال، وبعد جولات عديدة تفتّحت “شهيّتُك” أكثر وذهبت إلى حدّ طرح “شراكة أمنية” معه ضدّ من سمّيتهم “الأعداء المشتركين”، أي إيران وحزب الله، ومهّدتَ بذلك للانضمام إلى “اتفاقات أبراهام” مستقبلا.. ما موقفُك الآن والاحتلالُ يقصف قوّاتك في السويداء ويُجبرك على الانسحاب منها، ويصرّ على تقسيم بلدك وفصل هذه المنطقة عنه؟ هل تستخلص الدَّرس مما حصل وتثوب إلى رشدك، وتعود إلى خندق مقاومة هذا الاحتلال النازي البغيض بدل مهادنة لا طائل منها؟ لننتظر ونرى.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!