هكذا ساهمت كرة القدم في نشر الوعي الثوري قبل اندلاع الثورة
تلعب الرياضة بشكل عام وكرة القدم على الخصوص دورا هاما في نشر الوعي الثوري في عز الاحتلال الفرنسي، وذلك خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، حيث شكّلت الجمعيات والفرق والنوادي الرياضية روافد جديدة للنضال والكفاح. وقد سخّرتها الحركة الوطنية في بداية الأمر كوسيلة لنشر الوعي الثوري وإقناع الشباب وتأطيرهم وتدريبهم بغية الحفاظ على الهوية الوطنية، ثم تحولت إلى وسيلة للتواصل مع الشباب والجماهير الشعبية في الملاعب والشوارع لتمرير رسائل ممهدة لتفجير الثورة التحريرية.
مباريات بطابع سياسي بين الفرق الجزائرية والفرنسية
يؤكد الأستاذ علي مروش أنه في بداية القرن العشرين ظهرت الفرق الفرنسية، وكانت المشاركة مقتصرة على أبناء المستعمرين، لكن بعد العمل الجبار الذي قام به بعض الوطنيين من أجل إيقاظ الضمائر الجزائرية النائمة بدأ الشعور بالشخصية الوطنية الجزائرية يبرز بشكل جلي، وهذا بظهور بعض النوادي والفرق التي أدمجت في تسميتها كلمة “مسلمة”، فما كان على الشعب الجزائري حسب الأستاذ علي مروش إلا أن يؤازرها ويقف إلى جانبها، فبدأ الصراع السياسي في الملاعب والمسابح والحلبات. فكانت حسب قوله المباريات أو المنافسات عبارة عن صراعات سياسية ولكل فوز على فريق أو لاعب فريق فرنسي إنما كان بمثابة إبراز الشخصية الجزائرية واكتساب نوعا من الكرامة والعزة، مضيفا أن لاعبي تلك الفترة (النصف الأول من القرن الماضي) عانوا من الفقر الذي استفحل وسط الشعب الجزائري، كما لا يتقاضون منحا مع فرقهم المسلمة بسبب انعدام الإمكانات، ما جعل بعض اللاعبين أمام حتمية الهجرة بحثا عن العمل أو الالتحاق بفريق فرنسي مقابل الحصول على منصب عمل، وهذه الأوضاع كانت جد شائعة في الجزائر برمتها، لكن رغم ذلك فقد صمد العديد من اللاعبين الجزائريين وآثروا الفرق المسلمة رغم الفقر والحرمان، وهذا الصمود حسب الأستاذ مروش كان وراءه العديد من الذين صنعوا مجد الثورة الجزائرية.
الأندية الجزائرية كونت رياضيين بارزين تحولوا إلى قياديين في الثورة
يشير بعض العارفين بتاريخ الحركة الرياضية بالجزائرية، بأن كرة القدم ساهمت بشكل أو بآخر في محاربة السياسة الاستعمارية الفرنسية المبنية على التسلط وتقزيم مكانة الشعب الجزائري والإساءة إلى سمعته وماضيه وهويته، فقد كان لتأسيس فرق ونوادي جزائرية ذات بعد وطني وإسلامي دور هام في بعث روح التفاؤل وتعزيز سبل النضال والتضحية بالغالي وبالنفيس بغية استرجاع السيادة الوطنية، فظهرت إلى الواجهة عدة فرق مسلمة تواجه الفرق الفرنسية بكثير من الندية، ورغم أن المباريات بينهما لها طابع رياضي إلا أن في ثناياها بعدا سياسيا عميقا، والكلام ينطبق على عدة أندية برزت في هذا الجانب على غرار مولودية الجزائر ومولودية وهران وشباب قسنطينة واتحاد سطيف وشباب باتنة واتحاد بسكرة والقائمة طويلة، حيث ساهمت هذه الأندية في تكوين شبان برزوا في مجال الرياضة وسرعان ما لعبوا دورا بارزا في التحضير لتفجير الثورة التحريرية، فتحولوا إلى قيادات هامة يضرب بها المثل في حسن التدبير والتضحية، بعضهم استشهد خلال الثورة، على غرار العربي بن مهيدي الذي تكوّن في فريق بسكرة لكرة القدم وعلي النمر الذي مرّ على شباب باتنة وديدوش مراد الذي برز في رياضة الجمباز وسويداني بوجمعة من ترجي قالمة، كما برز القيادي والرئيس الراحل أحمد بن بلة الذي كان بطلا في العاب القوى تخصص سباق 400 متر، مثلما تألق في كرة القدم مع فريق مغنية ونادي مرسيليا.