-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
زاوية نظر

هل تعود الطائفية اللغوية في الجزائر؟

هل تعود الطائفية اللغوية في الجزائر؟

من بين النتائج غير المتوقعة للتعديل الوزاري الذي أسفر عن التجديد، الذي كان من ناحيته أكثر من متوقع، للعهدة الرئاسية الرابعة للسيد بوتفليقة، ظهور مخاوف متصلة بعودة المشكلة اللغوية إلى السطح. لقد كان الأمر غير متوقع، لأن المعضلة اللغوية التي طالما عانت منها الجزائر، لاسيما على صعيد نخبها المتعلمة، وعلى صعيد انعكاساتها المتصلة بالهوية، قد خفت حدتها بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة. وعلى الأرجح أن هذا الهدوء الذي عم حلبة اللغة عندنا عائد إلى مجموعة من المعطيات، من ضمنها التواري التدريجي لظاهرة الأحادية اللغوية التي كانت تجعل من “المثقف” الجزائري إما معربا أو مفرنسا، ليحل محله جيل جديد يتميز بالازدواجية. يضاف إلى ذلك الإعتراف بالأمازيغية كلغة وطنية، وربما أيضا مفعول تجميد تطبيق مشروع تعميم استعمال اللغة العربية الذي كان قد أطلقه الرئيس السابق اليامين زروال؛ إضافة إلى تراجع اهتمام “الأفلان”، المدافع التقليدي عما يعرف ب”الثوابت الوطنية”، بهذه القضية، منذ أن راح الرئيس بوتفليقة، رئيسه الشرفي، يستعمل الفرنسية في جولاته إلى الخارج. كل هذه المعطيات، مع اعتبارات أخرى لا يسع المجال لذكرها، أسهمت في ضمان “التوزنات اللغوية” في الجزائر، مخلقة نوعا من حالة الاستقرار اللغوي، أو “الستاتي كو”، إن جاز القول.

 ما الذي يهدد اليوم حالة الاستقرار اللغوي هذه؟ الأمر مرتبط بمجيء وزيرة التربية الحالية التي تذكر الصحف أنها تجهل اللغة الوطنية والرسمية، لغة هذا القطاع السيادي الذي هي الآن المسؤولة الأولى عنه. لكن هناك شيء آخر أيضا، فالسيدة نورية بن غبريط رمعون، الوزيرة الحالية للتربية، كانت عضوا في لجنة ابن زاغو للإصلاحات التربوية، اللجنة التي عرفت، كما هو الشأن كلما تعلق الأمر بإصلاح المدرسة الجزائرية، صراعا لغويا حادا، كان أيضا تعبيرا عن رهانات غير معلنة، ذات طابع إيديولوجي وهوياتي وسياسي، أو يتعبير آخر عن صراع حول “مشروع مجتمع”. فكل إصلاح للمنظومة التربوية تقوم خلفيته على اعتبارات ذات صلة بالصراع اللغوي وملحقاته الايديولوجية والهوياتية يتجاوز في الحقيقة مجرد إصلاح المدرسة ليتحول إلى تفكير حول “مشروع مجتمع”. ذلك أن المدرسة تشكل أحد الأساسات الكبرى التي يتأسس عليها أي مجتمع بشري حديث. المهم أن المهتمين يذكرون بأن الوزيرة الحالية كانت متحيزة للغة الفرنسية في لجنة ابن زاغو للإصلاحات التربوية، بما يحمل كل ذلك، في الحالة الجزائرية، من مؤشرات تحيل إلى اعتبارت إيديولوجية ورهانات أخرى. فهل أن مجيء السيدة الوزيرة على رأس قطاع التربية يعني إذن إعادة النظر في لغة المدرسة الجزائرية؟ أي أننا أمام ” مصطفى لشرف” جديد، وزير التربية والتعليم في عهد بومدين، صاحب فكرة، أثارت نقاشا، قد يعود اليوم أيضا، أقل ما يقال عنه أنه كان حينها حادا بين المعربين والمفرنسين، مفادها، أي هذه الفكرة، اعتماد ازدواجية اللغة في إطار مرحلة انتقالية تدرس فيها العلوم باللغة الفرنسية وحدها، علما أن لشرف كان من ناحيته يتقن اللغتين؟ من السابق لأوانه بالتأكيد الاجابة عن السؤال، لأن الإجابة بنعم يعني أن الوزراء عندنا يعينون وفق المشاريع والأفكار التي يحملونها، وبأن الوزير يتمتع باستقلالية القرار، وبأن من يسند له منصب الوزارة يبقى وفيا للمبادئ التي كان يحملها قبل التعيين. ونحن نعرف جميعنا اليوم أن كل هذا مشكوك فيه.

لكن المؤكد هو أن المساس بلغة التدريس في المدرسة الجزائرية، في مختلف أطوارها، أو لنقل بالتوازنات اللغوية القائمة، إذا ما شئنا توظيف إحدى المفردات الدالة على كيفية اشتغال النظام الجزائري، من شأنه أن يبعث من جديد “حرب داحس والغبراء” اللغوية في بلادنا، محدثا انقساما مجتمعيا وثقافيا، نحن في غنى عنه بالتأكيد. فإذا كانت الجزائر لا تعاني من معضلة الطائفية الدينية التي نشاهد اليوم آثارها المدمرة في بلدان المشرق العربي، فقد عانت طويلا من “طائفية لغوية”، ليست ربما أقل ضررا، ولا كانت غائبة كلية، على الأقل على صعيد الجدل، عن العشرية الدموية التي عصفت بالبلاد. ألم يكن يقال بأن المدرسة الجزائرية أنتجت الإرهاب؟ المهم أنه إذا كانت الطائفية بالمعنى الديني تقسم الشعب، كما هو الحال في المشرق، فإن الطائفية اللغوية تقسم نخبه، ذلك أن الشعب من ناحيته يتكلم عندنا لغة أخرى: العامية، عربية كانت أم أمازيغية. وعلى أية حال، من الضروري في كل قراءة أو معالجة للمسألة اللغوية، وهي إشكالية ثقافية بامتياز، أن تأخذ بعين الاعتبار الدرس التاريخي الذي بدأ مع الغزو الأمريكي للعراق، ذلك الغزو الذي استثمر التناقضات الثقافية لهذا البلد، الدينية منها واللغوية. مثلما تم استثمارها أيضا من طرف أنظمة الاستبداد ومن طرف دعاة الارهاب. لهذا السبب يتعين أن تختفي من الخطاب الجزائري المفردتان التاليتان: “مفرنسون” و”معربون”. تماما مثلما ينبغي أن تزول كلمتا “شيعة” و “سنة” في بلدان الطوائف، إذا ما كانت هناك إرادة لتأسيس دولة حديثة حقا.

    والمقصود أيضا مما سبق، أن الجزائري يجب أن يمتلك، إلى جانب لغته الوطنية، لغة أخرى أو أكثر. ذلك أن الانسان لا يمتلك اللغة في الحقيقة، بل إن اللغة هي التي تمتلكه وتحدده، وذلك وجدانيا وإيديولجيا وهوياتيا. لا يمكن للمرء الخروج من سجن اللغة وجبروته، إلا إذا ملك أخرى معها. ربما لهذا كان يخلق بالسيدة وزيرة التربية أن تكون القدوة في هذا المضمار. للأسف لا يعمل بمعيار القدوة في تعيين المسؤولين عندنا.

   كل هذا يجب أن لا يفهم منه بأنه لا توجد مشاكل في المنظومة التربوية الجزائرية، وبأن المدرسة الجزائرية لا تعاني من ضعف، بما في ذلك اللغوي منه، وبأن المسألة في رمتها ذات خلفية إيديولوجية بمعناها الواسع والمتشعب. الواقع أن المشتغل في التعليم، الجامعي مثلا، ليلاحظ ضعفا لغويا كبيرا لدى الطلبة، الامر الذي يؤدي حتما إلى ضعف عام، لأن كل المعارف يتم نقلها والتعبير عنها باللغة. وبالرغم من أن الجزائر تصنف ثاني بلد فرنكفوني في العالم بعد فرنسا، فإن الملاحظة عن كثب تسمح لمن مارس التدريس في الاقسام التي يتواجد فيها طلبة جزائريون وأفارقة ملاحظة الفارق الكبير في المستوى لصالح الأفارقة نتيجة تحكمهم في اللغة. هناك إذن مشكلة. لكن حتى نجد لها حلا، ينبغي معالجتها بمعزل عن الاعتبارات الايديولوجية، ولكن أيضا دون نسيان أن وظيفة المدرسة لا تتوقف عند حدود تلقين المعارف والمهارات، بل أيضا تكوين مواطن الغد.    

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!