هل نبغي الإصلاح حقا؟
إذا أردنا بالفعل أن يعود الأمل إلى الناس بشأن الإصلاحات التي يتم اقتراحها بين الحين والآخر، ينبغي عدم فصلها عن نوعية القائمين عليها. ما الذي يُفيد أن نسعى إلى محاربة الفساد بأفراد كانوا من المتسببين في انتشاره بالبلاد؟ هل يمكن إصلاح الصحة أو التعليم أو البنوك أو المالية أو قطاع السكن أو أي قطاع آخر بنفس المسؤولين الذين حكموه طيلة عقود من الزمن وفشلوا في تسييره؟
لكي يستعيد الناس الثقة في المستقبل ويسود لديهم بعض التفاؤل ينبغي ربط الأفكار الجديدة التي تبغي الإصلاح بالإنسان الجديد الذي يُثبِت أن لا مسؤولية له فيما حدث في السابق وأن لديه الكفاءة والمصداقية اللازمتين للقيام بالإصلاح القادم.
أما أن نسعى إلى الإصلاح بمن تسبّبوا في الفشل فذاك العبث بعينه…
مهما كان مشروع هؤلاء الفاسدين أو الفاشلين سابقا الذين تابوا وتحوّلوا إلى الإصلاح ـ إذا تابواـ ومهما كانت الأفكار التي اقتنعوا بها أخيرا سديدة ـ إذا اقتنعواـ فإنها لن تلبث أن تتحول عن غايتها، وستتلوث أو تفشل بنفس الطريقة التي حدثت معها في السابق.
ولعل هذه مشكلتنا بالأساس منذ سنوات؛ إذ تزعم الحكومات المتعاقبة أنها ستقوم بالإصلاحات، ولكنها تحافظ على نفس الرجال والنساء الذين أفشلوا الإصلاحات السابقة. فقط هي المناصب والتسميات التي تتغير، أما القيادات فواحدة. مسؤولو قطاعات اقتصادية وإدارية ومالية حساسة، مديرون مركزيون في وزرات، كُتّاب أمناء عامّون، ولاة لم يتغيروا منذ 30 سنة، وآخرون أصبحوا يتداولون على المناصب من هذا القطاع إلى ذاك في ارتفاع تصاعدي لا ينزل أبدا، بل إن من بينهم من أصبح يعتقد أنه والقطاع الذي يقوده شيء واحد، من دونه سينهار…
وهكذا، في كل مرة، تبرز أفكارٌ جديدة من شأنها تطوير هذا القطاع أو ذاك، أفكارٌ صادرة عن الكفاءات التي تُمنَع عنها المسؤوليات، يتم قتلُ هذه الأفكار، أو تجميدها إلى حين تفقد كل فعالية في الميدان. كم من فكرة صحيحة تخص الإصلاح المالي أو الاقتصادي أو التربوي لم تر النور إلا بعد فوات الأوان؟ كم من نصيحةٍ قدمها خبراء في مختلف المجالات مُنعت من التداول حتى تجاوزها الزمن؟ كم من فُرصة إصلاح أضعناها نتيجة هذا الخلل في التعامل مع الإنسان والفكرة والوقت؟ لِمَ نُعطي الفكرة الجيدة للإنسان السّيئ وفي الوقت غير المناسب، في حين إنه كان بالإمكان تمكين الإنسان المناسب صاحب الفكرة المناسبة من المسؤولية في الوقت المناسب، وتحقيق الإصلاح؟!
فهل نبغي الإصلاح حقا؟