-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
حين تخرج السياحة من عباءة البحر

والشلالات إلى الغابات والسدود والآثار.. كنوز تيبازة تنتظر الاكتشاف

ب. بوجمعة
  • 125
  • 0
والشلالات إلى الغابات والسدود والآثار.. كنوز تيبازة تنتظر الاكتشاف
ح.م

طالما ارتبط اسم تيبازة بزرقة المتوسط وشواطئها التي تتحول كل صيف إلى قبلة لآلاف المصطافين من مختلف ولايات الوطن، غير أن هذه الولاية الساحلية تخفي خلف واجهتها البحرية المشهورة عالما آخر أكثر هدوءا وثراء، حيث تتنفس الطبيعة بعيدا عن صخب المدن، وتفتح الجبال والغابات والسدود والشلالات أبوابها أمام الباحثين عن تجارب مختلفة.
ففي تيبازة، لا تبدأ الحكاية من الشاطئ فقط، بل تمتد إلى أعالي جبل شنوة، وإلى المسالك الغابية التي يعبرها هواة المشي، وإلى الشلالات التي تصنع مشاهد طبيعية ساحرة، وصولا إلى السدود التي تحولت من منشآت مائية إلى فضاءات عائلية وسياحية، وإلى المواقع الأثرية التي تحفظ ذاكرة حضارات تعاقبت على المنطقة. إنها تيبازة أخرى تكتشف بخطوات هادئة، بعدسة مصور، أو على وقع أقدام رياضي اختار الطبيعة فضاء لتدريباته.

الشلالات… وجهة الباحثين عن الطبيعة البكر
وسط الصخور والأشجار، تواصل شلالات وادي جراح بسيدي سميان جذب الزوار من مختلف المناطق، بعدما تحولت إلى واحدة من الوجهات الطبيعية تداولا بين هواة الرحلات وصناع المحتوى، فخرير المياه، وبرودة المكان، والتشكيلات الصخرية المحيطة، تمنح الزائر إحساسا بالابتعاد عن ضجيج المدن. كما تواصل شلالات بيرار بعين تقورايت استقطاب العائلات والشباب، خاصة خلال أيام الصيف، حيث يجد الزوار فضاء يجمع بين الراحة والاستمتاع بجمال الطبيعة، في مشاهد أصبحت حاضرة بقوة على منصات التواصل الاجتماعي.

جبل شنوة… مسارات تعانق البحر
يبقى جبل شنوة أحد أبرز الرموز الطبيعية لولاية تيبازة، ليس فقط بسبب موقعه المطل على المتوسط، بل أيضا بفضل المسالك التي أصبحت تستقطب عشاق المشي الجبلي والتجوال والتصوير.
هنا، تتحول الغابة إلى فضاء مفتوح لمحبي الرياضة والمغامرة، ومن بين الذين وجدوا في هذه الطبيعة مكانا مثاليا للتدريب، العداء ورياضي الماراثون بشير حداج، الذي يفضل غابات جبل شنوة لإجراء تدريباته، لما توفره من تضاريس متنوعة وهواء نقي يساعد الرياضيين على التحضير في ظروف طبيعية مميزة.
ويؤكد حداج أن “التدرب وسط غابات جبل شنوة يمنح الرياضي طاقة خاصة، فالمكان يجمع بين الهدوء وصعوبة المسالك وارتفاعه عن سطح البحر، وهو ما يجعله فضاء مناسبا للتحضير البدني”.
ولا يقتصر سحر المنطقة على الرياضيين فقط، بل أصبحت وجهة لهواة التصوير والتجوال، على غرار محمد ميمون، المعروف محليا باسم “دانيال”، أحد عشاق الطبيعة والتقاط الصور، الذي جعل من مسالك تيبازة الطبيعية فضاء دائماً لاكتشاف الزوايا الخفية للولاية. ويقول “دانيال” إن “تيبازة ليست مجرد بحر وآثار، فهي تمتلك مناظر طبيعية متنوعة، وكل منطقة فيها تحمل قصة وصورة مختلفة تستحق أن تعرف للناس”.

السدود… مياه تصنع فضاءات جديدة للسياحة

بعيدا عن الساحل، تقدم سدود تيبازة مشهدا مختلفا، حيث أصبحت مواقع جذب للعائلات الباحثة عن الهدوء والطبيعة. ويأتي سد “بوكردان” في مقدمة هذه الوجهات، بفضل موقعه وسط فضاء طبيعي غني، والحديقة المهيأة على ضفافه التي أصبحت متنفسا حقيقيا للعائلات والزوار، فبين المساحات الخضراء، وممرات التنزه، وإطلالة المياه الهادئة، يجد الزائر مكانا مناسبا للراحة وقضاء أوقات بعيدة عن صخب المدن. وقد ساهم تهيئة هذا الفضاء في تغيير صورة السد لدى المواطنين، ليصبح أكثر من مجرد منشأة مائية، بل نقطة جذب للرحلات العائلية والتنزه والتصوير.

بوجبرون… ذاكرة مائية ورؤية استغلال جديدة
وفي منطقة بوجبرون ببلدية مراد، يحتفظ سد “مراد”، المعروف محليا بسد “بوجبرون”، بقيمة تاريخية كبيرة باعتباره من أقدم المنشآت المائية في المنطقة، حيث ارتبط لعقود بدعم النشاط الفلاحي وتوفير المياه لفائدة عدة مناطق. وكان والي ولاية تيبازة قد قام، في وقت سابق، بزيارة ميدانية إلى هذا الموقع، حيث استمع إلى شروحات تاريخية وتقنية حول أهمية السد، إلى جانب العرض الذي قدمته وكالة السدود والتحويلات حول مخطط استغلاله وإعادة تثمينه ضمن رؤية جديدة تجمع بين الحفاظ على دوره المائي وإمكانية إدماجه في مسار التنمية السياحية.
ويمنح الموقع، بفضل محيطه الغابي وطبيعته الهادئة، إمكانات واعدة لتحويله إلى فضاء سياحي بيئي، يراعي خصوصية المكان ويثمن مؤهلاته الطبيعية.

الآثار… حيث يتحدث الحجر عن القرون الغابرة
رغم هذا التنوع الطبيعي، تبقى المواقع الأثرية القلب النابض لهوية تيبازة، فالحديقة الأثرية الرومانية المطلة على البحر تظل واحدة من أبرز الوجهات التي تجمع بين التاريخ وجمال الطبيعة.
ولا يقتصر سحر الموقع على المعالم الرومانية فقط، بل يمتد إلى الشريط الساحلي الصخري المحاذي للحديقة، الذي أصبح فضاء مفضلا لهواة السباحة بين الصخور، الباحثين عن تجربة مختلفة تجمع بين البحر وروح المكان.
كما تضفي الزيارات السياحية المنظمة، سواء الرسمية أو التي تنظمها الجمعيات والهيئات الثقافية والسياحية، حركة خاصة على الموقع، حيث تمنح الزوار فرصة للتعرف على تاريخ المدينة وآثارها في أجواء تجمع بين المتعة والمعرفة.
وعلى ربوة عالية، يواصل الضريح الملكي الموريطاني استقبال زواره، مستفيدا من موقعه الفريد الذي يمنح إطلالة بانورامية على الجهات الأربع، تشمل ساحل متيجة، والشريط الساحلي، والمناطق المحيطة، كما يحتضن هذا المعلم نشاطات ثقافية وفنية تساهم في بعث الذاكرة التاريخية للمنطقة.

سياحة لا تنتهي بانتهاء الصيف
بين البحر والجبل، وبين الغابة والسد، وبين الشلال والأثر، تقدم تيبازة اليوم صورة جديدة لسياحة متعددة الأوجه، وجهة لا تكتفي باستقبال المصطافين في موسم الصيف، بل تفتح أبوابها طوال السنة أمام محبي الطبيعة والثقافة والمغامرة.
ويبقى التحدي الأكبر هو مواصلة تثمين هذه الثروة، عبر تطوير المرافق، وتنظيم المسارات السياحية، وتشجيع المبادرات التي تعرف بهذه الكنوز المخفية، حتى تصبح تيبازة واحدة من أبرز وجهات السياحة الداخلية في الجزائر.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!