وعادت أوروبا إلى عادتها القديمة
بَيَّن انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي حدود الديمقراطية، بل أبرز مرة أخرى أزمة العالم المعاصر الذي اعتبر أن الديمقراطية هي نهاية التاريخ. منذ القرن الماضي كتب ريني قينون Guénon هذا وانتقد الديمقراطية الغربية القائمة على سلطة العدد 1.9 بالمائة بإمكانها أن تُغيِّر مِن توجُّهات بلدٍ بكامله، عكس ما نعرفه عن الديمقراطية أنها تقوم على خضوع الأقلية للأغلبية. اليوم بات واضحا أن هذا المبدأ أصبح محل سؤال 28 بالمائة من البريطانيين لم ينتخبوا و48.1 بالمائة رفضوا، ومع ذلك فإن الفارق بين الرافضين والقابلين هو الذي فَصل في الأمر. هل هذا يعزِّز من قيمة الديمقراطية كنظام يريده الغرب أن يُصبح عالميا أم يجعلها محلّ سؤال ويُكذِّب أنها هي أفضل نظام عرفته البشرية عبر التاريخ؟
صحيح أن الديمقراطية حققت لفترةٍ معينة الغاية منها بالنسبة للعالم الغربي، وانبهرنا نحن بها وأصبح غير مقبول بالنسبة لنا التفكير في بديل ثالث قائم على تراثنا الحضاري، وكاد الحديث عن فكرة “الشورى” يوحي بالرجوع إلى قرون غابرة وإلى عدم مواكبة العصر وإلى تفكير مناهض للعصرنة والتقدم، وتعزَّز هذا الموقف ونحن نرى الأوروبيين يتّحدون ويصنعون التكتل الذي حلمنا به نحن المسلمين دون جدوى، وكِدنا ندفن كل أمل كان لدينا بأننا يمكن ذات يوم أن نَتّحد، وكِدنا لا نرى بديلا إلا في التجربة الغربية “الناجحة” و”المتطورة” والقادرة على أن تكون الأفضل..
وإذا بنا اليوم نراها خلاف ذلك، ها هم الأوربيون ينقسمون، وها هي آلية الديمقراطية ذاتها تؤدِّي إلى ذلك، وها هي روسيا التي تم تفكيكها بحجة أنها غير ديمقراطية تَفرح، والصين تنتشي، والداخل الأوروبي يَكفر بهذه النسب التي استطاع دافيد كاميرون الاستفادة منها ليمرِّر سياسته رغم رفض شرائح واسعة من المجتمع الانجليزي وخاصة الشباب.
لقد أجمع المراقبون على أنَّ ما حدث ببريطانيا لم يكن أبدا دليلا على انتصار الديمقراطية بقدر ما كان دليلا على انتهازية السياسات، وانتصار المصالح الحزبية على المصلحة العامة، وبداية فعلية لانهيار ما كاد العالم يعتقد أنه الأنموذج الذي ينبغي أن يُقتدى به.
غدا ستنفصل اليونان، وغدا ستعود القوميات الاوروبية مرة أخرى إلى الصعود، وكما تخلَّى كاميرون عن البقية، وكما تخلّى “هولاند” عن “ميركل” في قضية اللاجئين، ستتخلى ألمانيا عن الجميع باعتبارها الخاسر الأكبر.
وعندها سنعرف بأن أوروبا عادت إلى عادتها القديمة، وأن زَمن الانبهار بها قد ولَّى، وأنه ليس أمامنا من بديل سوى أن نُعوِّل على أنفسنا إذا أردنا ذات يوم أن نكون، كما نريد أن نكون، بعيدا عن الشرق وعن الغرب، وتلك مساحة الأمل.