ومع ذلك.. نحن نتقدم
برغم أن عبارات مثل “نحن نغوص في التخلف” أو “نعود إلى الوراء” تشدنا أكثر لِما نراه من سوء تقدير للمواقف وسوء تسيير للقدرات، إلا أن وضعَ بلادنا ضمن منطق تحوُّل السلطة والانتقال الحضاري من طور إلى آخر يمنعنا من ذلك. قراءة واقعنا ضمن هذا المنطق الذي حَكَم التاريخ منذ الأزل، تُعطينا إدراكا آخر لطبيعة المستقبل الذي ينتظرنا: إننا نتقدّم برغم إحساسنا بأننا نعود إلى الوراء.إننا بالفعل نعيش صعوبات جراء سوء تسيير أفراد أو مجموعات مولعة بالحكم والسيطرة، ونعرف أشكالا عدة من الظلم على أكثر من صعيد، ولكن هذا ينبغي ألا يُنسينا، أنَّ خطنا الحضاري اليوم هو باتجاه الصعود وإعادة بناء الحضارة. وما علينا سوى أن نعرف كيف نُتِم ذلك من غير أن نقع في دفع الثمن غاليا كما دفعه الأوروبيون طيلة قرون..
عندما رسم مالك بن نبي رحمه الله الخط الحضاري للأمة ووَضع بلادنا ضمن هذا الخط، حدَّد بالضبط تاريخ بداية دخولنا عصر الانحطاط بنهاية عصر الموحدين سنة 1269م، وسَمَّى الحقبة التي تَلَتْ هذا، بعصر ما بعد الموحدين، حيث انكمش العقل، ومُنع التفكير ولم تعد الأمة قادرة على أن تتمحور حول فكرة أو تُبدع في مسألة، وكان ذلك نتيجة حتمية لواقع قبلت به قبل 70 سنة من هذا التاريخ عندما احتفلت بحرق مؤلفات “ابن رشد” أحد أكبر علمائها سنة 1198م وسط تهليل وتكبير الدهماء من أبنائها وسعادة الجاهل من حكامها الخليفة “المنصور” الذي حفظه التاريخ بهذا السلوك المشين.
في هذه الفترة، شرعت أوروبا في تأسيس النواة الأولى لجامعاتها (حوالي 1250م) في نطاق الكنيسة التي كانت مهيمنة على كل الفضاء الروحي والسياسي والفردي، ولم يكن باستطاعة هذه الجامعات الاستغناء عن مؤلَّفات المسلمين في شتى العلوم والفنون وبخاصة مؤلفات “ابن رشد” التي ترجمها الفيلسوف اليهودي ابن ميمون إلى العبرية، كما لم يكن باستطاعتها الاستغناء عن ما جادت به المدن الناقلة للحضارة من الشرق إلى الغرب كقرطبة وصقلية وطُليطلة وغيرها.
وهكذا بدأ سقوط حضارة وصعود أخرى، إلى أن انتهى وجود المسلمين في الأندلس سنة 1492م وتم اكتشاف أمريكا في نفس السنة، واستفادت الكاثوليكية المسيحية في تلك الفترة من البدايات الأولى للاكتشافات العلمية وبخاصة المطبعة (1447م) فأحكمت سيطرتها على السلطة وعلى العقول رغم أنها كانت في طور الأفول.. ليبدأ انتصار العقل على الكاثوليكية تدريجيا، ويتحول العلم إلى “النور” الذي سيقضي على ظلام الكنيسة، وتدخل أوربا بفضل هذا العلم عصر الإبداع والابتكار في كافة المجالات والذي سيمهد لعصر الأنوار، حيث سيُعلن موت الدين ـ المسيحية ـ وانتصار العقل في القرن 18 لتبدأ موجة السيطرة على تلك الشعوب التي انهكها التخلف ومن بينها الشعوب الإسلامية في القرن الـ19 إلى أن تأتي بوادر نهضتنا الأولى مع صدمة الاستعمار وتتبلور مع بداية القرن العشرين.
هو ذا الخط الذي نكاد نرسمه مستقيما في خارطتنا الذهنية لتخلفنا وتقدّمهم، ولا نكاد نرى فيه خللا.. هي الحقيقة التي لا شك فيها بالنسبة لنا بدليل ما عرفنا كجزائريين من احتلال لقرن وثلث قرن. ولكننا كثيرا ما ننسى أن أوروبا خلال فترة الصعود التي عرفتها لم تكن أبدا تسير على خط مستقيم، ولا خلَتْ من انكسارات ما كانت لتبدو حينها، أنها انكسارات فرعية وليست هيكلية، ولا كان خطنا التاريخي أيضا يسير على خط مستقيم خال من انتصارات ما كُنَّا لنعرف أنها انتصارات فرعية غير قادرة على تقويض الخط الغربي المتصاعد باضطراد.. انتصاراتنا كجزائريين في البحر المتوسط وسيطرتنا عليه طيلة قرون، أو حصار العثمانيين لفيينا (1529 و1683) أو حتى بعض إسهاماتنا الفكرية قبل ذلك، ابن خلدون (1332ـ 1406) أو محاولات تصحيح عقيدتنا ابن تيمية (1263ـ 1328م) لم تكن لتُعيد الخط إلى مساره الصاعد الذي عرفته حقبة ما قبل الموحدين… لقد كانت محاولات بغير فعالية حضارية بالنسبة للتطور الحضاري ولا فعالية اجتماعية بالنسبة للتطور الفكري والاجتماعي.
وهذا يكفينا لندرك أنه لا يمكننا قراءة الانكسارات او الانتصارات إلا ضمن إدراك اتجاه الخط الحضاري الذي تَحْدُث ضمنه، ولا يمكننا فهم طبيعتها إلا بالنسبة للمنحنى الذي تأخذه الحضارة… وأن أيّ قراءة خارج هذه الحدود، إما تُعَدّ زرعا واهما للأمل أو تكريسا فاشلا لليأس. وعلينا أن نقرأ اليوم النقطة التي نحن فيها ضمن هذه الرؤية دون أن نَسمح للفرعي أن يُهيمن على الهيكلي في تفكيرنا، أو للمؤقت أن يبدِّل مسار التطوُّر الحضاري لشعبنا أو أمتنا… هل نحن نتقدَّم أم نتخلف؟
إننا بالفعل نعيش صعوبات جراء سوء تسيير أفراد أو مجموعات مولعة بالحكم والسيطرة، ونعرف أشكالا عدة من الظلم على أكثر من صعيد، ولكن هذا ينبغي ألا يُنسينا، أنَّ خطنا الحضاري اليوم هو باتجاه الصعود وإعادة بناء الحضارة. وما علينا سوى أن نعرف كيف نُتِم ذلك من غير أن نقع في دفع الثمن غاليا كما دفعه الأوروبيون طيلة قرون..
لقد بدأنا مرحلة نهضتنا ولا يمكن لهذه الخط أن يعود إلى الوراء، كما لا يمكن لسياسات مريضة أو لأزمات أو حروب محدودة أن تمنعه من الصعود، فما بالك بأشخاص سيَنساهم التاريخ بعد حين أو سيذكُرهم بمساوئهم كما ذكر الخليفة المنصور… وهو قانون حَكَم ومازال يحكم التطور الحضاري للأمم والشعوب منذ نشأتها الأولى.
لقد كانت أوروبا تُطوِّر في جامعات باريس وأوكسفورد، وتقتبس العلم من الحضارة الاسلامية في نفس الفترة التي كان فيها الطاعون الأسود يقتل ما بين 30 بالمائة و50 بالمائة من سكانها، (1385ـ 1347م)، وكانت الكنيسة تعرف نهايتها في الوقت الذي وصلت إلى حد بيع صكوك الغفران (1517م)، وكانت أكبر دولها تعرف أبرز العلماء في الوقت الذي كانت تُهيمن عليها الدكتاتوريات وأشد أنواع الحكم المطلق. ألم يكن القرن السابع عشر هو قرن علماء من أمثال فرانسيس بيكون، كبلر، ديكارت، قاليلي، باسكال، تورشلي، هارفي، نيوتن، وفي ذات الوقت قرن كرومويل الذي لم يعرف التاريخ الانجليزي أكثر تشددا منه؟ ألم يعتبر برلمان باريس أن مؤلفي العقد الاجتماعي والتربية لروسو فيهما إساءة للدولة وأصدر أمرا بالقبض عليه؟ ألم تنته حرب الثلاثين سنة بين البروتستانت والكاثوليك 1618ـ 1648م باتفاقية ويستفاليا التي أسست للدولة – الأمة التي كانت أساس أوروبا المعاصرة التي نراها اليوم؟
ومن غير أن نُذكِّر بمآسي القرن العشرين التي عرفتها أوروبا جراء حربين عالميتين ذهب ضحيتها عشرات الملايين من البشر وليس مئات الآلاف فحسب، فإننا سنعرف بأن التقدم الذي نراه اليوم ليس بالضرورة نهاية جميلة لمسار سعيد، بل هو مسار كان محفوفا بالمخاطر والصعوبات التي يريد منطق الهيمنة اليوم أن يلغيها ليبرز فقط مآسينا وما يعتبره صفحاتٍ سوداء من تاريخنا، رغم أنه لم يكن أبدا بالسواد الذي كان عليه ومازال التاريخ الأوروبي إلى اليوم، وهو يبدو اليوم أوضح خارج نطاق إقليمه الحضاري.
إننا بالفعل نعيش صعوبات جراء سوء تسيير أفراد أو مجموعات مولعة بالحكم والسيطرة، ونعرف أشكالا عدة من الظلم على أكثر من صعيد، ولكن هذا ينبغي ألا يُنسينا، أنَّ خطنا الحضاري اليوم هو باتجاه الصعود وإعادة بناء الحضارة. وما علينا سوى أن نعرف كيف نُتِم ذلك من غير أن نقع في دفع الثمن غاليا كما دفعه الأوروبيون طيلة قرون.. والأهم من ذلك أن نعمل على ألا ينتقل إلينا المرض الأوروبي القائم على تحطيم الآخر بعد أن يستنفد تحطيم الذات كشرط عرفه عبر تاريخه الطويل لكي يتوفق وينتصر.
تاريخنا لا يقوم على هذه الثنائية إلا استثناء، وينبغي أن نَمنع وقوعه فيها، إذا أردنا أن نُسرِّع من وتيرة تقدمنا إلى الأمام.
إن الغرب يعلم أننا نتقدم، رغم ما يسعى للقيام به تجاهنا… إنه قانون التدافع الحضاري، وحقيقة السُّنن الكونية التي لا يمكن لأي كان الوقوف تجاهها… “فهل ينظرون إلا سنةَ الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا” فاطر 43.