لا أتصور أحدا من الجزائريين لم يشاهد في حياته، ولو لمرة واحدة، فيلم "معركة الجزائر" الذي أخرجه المخرج الإيطالي جيلو بنتيكورفو Gillo Pontecorvo العام 1965، كانت الجزائر الكبيرة في قمة نشوة الانتصار وحلم بناء دولة تشبه قطعة من الجنة، ولا أحد منا لم يعجب بهذا الفيلم الذي صور أسطورة القصبة ومن خلفها أسطورة الشعب الجزائري ضد همجية مظليي العسكر الفرنسي الاستعماري، ولا أحد من الجزائريين لم يدهشه ذاك الممثل الذي جسد دور علي لابوانت. لكني أريد أن أسأل كل من شاهد هذا الفيلم الناجح الذي ظل ممنوعا عرضه في القاعات الفرنسية حتى سنة 2004 : هل خطر ببالكم يوما السؤال أو التساؤل عن هوية ومصير هذا الذي جسد بإبداعية خارقة دور علي لابوانت الأسطورة؟

اسمه الكامل: إبراهيم حجاج.

وإبراهيم حجاج جزائري أسمر، عصامي، مسكون بالفن والشمس المتوسطية، ممثل سينمائي بالسجية والحياة، أدهش الجميع مع أنه لم يتخرج لا من مدارس هوليود ولا من مثيلاتها في باريس أو روما، إنه خريج مدرسة حي القصبة بأزقته العجيبة ولغته الشعبية الدزيرية الشعرية. اختاره المخرج الإيطالي من بين الكثيرين، بعض مئات، ممن تقدموا إلى الكاستينغ، من المحترفين والهواة، لقد جاء إبراهيم حجاج السينما عن هواية وقناعة ذاتية وعشق جزائري لا يفسر.

لكن، بعد خمسين سنة، نصف قرن من الاستقلال، مثلكم أتساءل: أين اختفى إبراهيم حجاج؟ أين ضيعناه؟ لماذا هذا الصمت القاتل؟ لماذا نقتل منتجي الجمال والمفاجأة بمؤامرات لها أسماء مختلفة؟

هو الذي أدهش الجميع ورفع السينما الجزائرية تمثيلا عاليا، في "معركة الجزائر" كما في "وقائع سنين الجمر" أو في "الشيخ بوعمامة" ينتهي نهاية المشرد، الذليل، هو الذي مثل رمزية البطولة يموت كالجرذ مسحوقا أمام صمت مؤسسات لا ترحم ولا تنتبه لمن صنعوا ثقافة البلاد ورفعوها كبيرة في المحافل.

مثل بعضكم قرأت، في بعض الصحف التي ملأت بخبر موته بياض ورق، بأن هذا الذي دوخ أهل السينما في هوليود ومثل في فيلم "معركة الجزائر" الذي يقال إن رمسفيلد وزير الحربية الأمريكية كان قد قرر مشاهدة عرضه هو وجنوده قبل غزوهم العراق لمعرفة صمود الشعوب، مثل بعضكم، وكثير منكم لا يعلمون، بأن إبراهيم حجاج وبعد معاناة مع المرض والتهميش والفقر والذل والجري من باب إدارة إلى باب آخر رحل في اللامبالاة الكاملة العام 1996 بقرية الشراربة ضواحي العاصمة، رحل إبراهيم حجاج الذي خلد "علي لابوانت" ليترك خلفه زوجة وسربا من الأطفال يواصلون معركتهم مع الذل والإهانة ولامبالاة الإدارة.

من "معركة الجزائر"، فيلم البطولة بامتياز سنوات الثورة، إلى معركة "الذل" سنوات الاستقلال هكذا تبدو الصورة حين نسترجع شريط حياة الممثل القدير إبراهيم حجاج ونحن في خمسينية استقلال الجزائر.