..34 سنة كاملة، تمرّ في ضجيج وصمت، عن وفاة الراحل الرئيس "الموسطاش" هواري بومدين، أو محمد بوخروبة، الذي انتقل إلى جوار ربه ذات شتاء بارد إلى جوار ربه، وبالتحديد يوم 27 ديسمبر 1978، بعد صراع "قصير" مع المرض، تضاربت بعدها الروايات والشهادات، وهناك من ذهب إلى حدّ الحديث عن وفاة الرئيس مسموما تاركا الشعب مهموما!

34 سنة لم تكن بردا وسلاما على الجزائر، حيث انهار فجأة الاقتصاد وانفجرت قنابل الخلافات والنزاعات وبدأ الجزائريون يشعرون تدريجيا بالفرق بين جزائر بومدين وجزائر الشاذلي رحمه الله، إلى أن اندلعت أعمال عنف وإرهاب، فكانت عشرية حمراء ومأساة وطنية انتهت بآلاف الضحايا والأرامل واليتامى والمعطوبين والهاربين!

ولأن الجيل القديم "اقتنع" وآمن ببومدين وبمواقفه الخالدة ومبادئه الثابتة، فإنه حمل شهاداته إلى الجيل الجديد، الذي أصبح يؤمن بالهواري دون أن يعيش مرحلته ودون أن يعرفه، وهذه واحدة من ميزات الفرسان والأبطال الذين يخلـّدهم التاريخ!

من الطبيعي أن "لا يموت" بومدين، ويبقى حيّا وسط الجزائريين، فهو الرئيس الذي "قاطع" فرنسا إلى أن وافته المنية، وهو صاحب المقولة الشهيرة: مع فلسطين ظالمة أو مظلومة، وهو من طار إلى روسيا وأبرم صفقة سلاح لفائدة مصر مقابل شيك على بياض!

الهواري هو الذي خرج للشارع يخطب للجماهير بعد نكسة 1967، وعقب إعلان جمال عبد الناصر عن انسحابه من الحكم، فقال بكل زعامة: يا عرب إنـّنا لم ننهزم، لأننا لم نستخدم كل قواتنا.. لقد خسرنا معركة ولم نخسر الحرب!

عندما اتهم البعض بومدين بأنه "شيوعي"، قال بأعصاب باردة وجامدة: إذا كان من يبني ألف قرية فلاحية، وبكل قرية مسجد، شيوعيا، فأنا شيوعي إذن.. والهواري هو من ارتبطت به أوصاف عديدة ومتعددة أهمها: أبو الفقراء وعرّاب الاشتراكية وصديق "الزوالية"!

.."عاش ما كسب، مات ما خلـّى"، هي يافطة أخرى مازالت مرافقة لإنجازات ومكاسب بوخروبة، الذي فتح مقصلة الخرّوبة لقطع دابر الفساد وإعدام المفسدين وتقليم أظافر "الباندية"!

الرئيس كان صديقا حميما للفلاحين والعمال البسطاء، ويُروى والعهدة على الرواي، أن دوريات أمنية كانت تقتحم في عهده المقاهي والشوارع، فتلقي القبض على "البطالين"، ليس للزجّ بهم في السجون، وإنـّما لتوظيفهم وإجبارهم على العمل وكسب رزقهم بعرق جبينهم!

بومدين هو الرئيس العربي الذي وقف له زعماء العالم، في اجتماع تاريخي لهيئة الأمم المتحدة، فألقى أمامهم خطابا مطوّلا باللغة العربية الفصحى، خطابا كان للكرامة والكبرياء والشرف وسيادة الدول المستقلة، وللتوزيع العادل للثروات بين الدول المتقدمة والمتأخرة أنذاك!

الهواري هو الذي رعى الصلح بين العراق وإيران، بعد حرب طويلة بين الأشقاء الفرقاء، وبومدين هو الذي قال ذات يوم لمعمر القذافي حسب ما تناقلته شهادات، عندما هدّد هذا الأخير باجتياح جزء من التراب التونسي، في عهد الحبيب بورقيبة: إذا فعلتها فستجدني أنا بتونس لأحاربك وليس بورقيبة يا معمّر!

..هذا قليل القليل، من مواقف بومدين، فهل عرفتم لماذا تعلق به الجزائريون، ومازال حيّا رغم تشييع جنازته قبل 34 سنة؟