الأحد 28 فيفري 2021 م, الموافق لـ 16 رجب 1442 هـ
الشروق العامة الشروق نيوز
إذاعة الشروق

مربط الشرعيّة في قوانين الانتخابات

عبد الحميد عثماني نائب رئيس تحرير بجريدة الشروق
أرشيف
  • ---
  • 3

تُعدّ الانتخابات الشفافة، ضمن مقاييس وتجليّات أخرى، أهم أداة إجرائية في الممارسة الديمقراطية المعبرة عن سيادة الشعب في اختيار ممثليه المنتخَبين، باعتباره مصدر السلطة، وبذلك فهي مربط الفرس في إضفاء الشرعية على المؤسسات المنتخبة.

في بلادنا، ومنذ إقرار التعددية منذ قرابة ثُلث قرن، ظلت السلطة تسيّر العملية الانتخابيّة بمكر وإرادة مبيّتة في تجاوز الإرادة الشعبية، عبر التزوير المسبق والذكيّ وحتى الإجهاز على نتائج الصندوق بالقوة مثلما اقتضى الحال في برلمانيات 26 ديسمبر 1991، فجاءت الاستحقاقات مشوبة معطوبة.

وعبر مختلف التعديلات التشريعية على المنظومة القانونية للانتخابات، كان تخطيط السلطة متوجّها على الدوام نحو تعزيز حضور أحزابها الوظيفية والتضييق على المعارضة بكل الطرق، مع الحفاظ على الجانب الصوري في الاستحقاق التنافسي.

أمّا قانون 2012، مع أنه جاء في سياق إصلاحات وقائية من رياح الربيع العربي، فقد كرّس نمطا اقصائيا واضحا ومتعمّدا للهيمنة على المجالس التمثيلية، باستغلال تشتت المعارضة، مما أفرز “غرفة سفلى” صارت تُنعت بـ”برلمان الحفّافات”، كناية على وصول من هبّ ودبّ إلى قبة زيغود يوسف، بعد ما تمكنت قوائم حزبية من حصد كافة المقاعد النيابية في بعض الولايات، والحقيقة أن الانحطاط لم يقتصر على حصة النساء، بل على تشكيلة الهيئة كاملة، كنتيجة طبيعية لمسار هذه المهزلة.

ولم يختلف برلمان 2017 عن سابقه، إذ سيحمل، وإلى إشعار آخر، أسوأ صورة في ذاكرة الجزائريين عن مجالس صورية احترفت التمثيل بمفهومه المسرحي، جاعلة منه غرفة تسجيل وتنفيذ عمليات قذرة لصالح قوى غير دستورية ضمن حكم العصابة البائدة، بل شوّهت سمعة البلد أمام العالم بسلوكات صعلوكيّة، وتلك هي أشواك الحصاد المرّ لغياب الشرعية الانتخابية.

اليوم يتجدّد النقاش حول قانون الانتخابات، على أمل أن يكون فاتحة نحو إصلاح فعلي، مثلما شدّد رئيسُ الجمهورية عبد المجيد تبون في أكثر من مناسبة، وهو نفسه الذي طعن في شرعية المجالس القائمة واستعجل التخلُّص منها لولا جائحة كورنا التي أطالت في عمرها.

لكن ما نخشاه، وفق أصداء التسريبات الأوليّة، هو أن يتمّ صرف الأنظار، سهوا أو قصدا، عن جوهر العملية الانتخابية، وهي ضمانات النزاهة وتجسيد الإرادة الشعبية، كما طمح إليها الرئيس تبون في برنامجه الانتخابي ثم خطته الإصلاحيّة.

لقد بدأ السجال السياسي والإعلامي مبكّرا حول مسائل شكليّة في القانون الانتخابي، من قبيل اشتراط الشهادات الجامعية للترشُّح، ونمط القائمة المفتوح أو المغلَق، وتطبيق غلق العهدات البرلمانية بأثر رجعي من عدمه، وكلها بتقديرنا قضايا يمكن أن تصبح عمليّا هامشيّة، بضمان شفافية الانتخابات، حيث الشعب وحده هو صاحب القرار، يرفع من يشاء ويضع من يشاء، ولا وصيّ على خياره.

سيكون من الخطأ الاستغراق في الجوانب الشكليّة على حساب شروط سلامة العملية الانتخابية، والتي تبدأ من تحقيق الرضا السياسي العامّ عن “السلطة المستقلة” نفسها، قانونًا وسلطات وتشكيلة، فلا أحد ينكر أن ميلادها جاء في سياق من العجلة والاحتقان والإنفراد لاعتبارات كثيرة.

من الصعب اليوم إقناع المواطن بالتوجُّه إلى صناديق الاقتراع للاختيار بين المترشحين، بينما يستمر المؤطرون المتهمون بالتزوير منذ عقود في الإشراف بأنفسهم على انتخابات الجزائر الجديدة.

كما أنه من العسير على الأحزاب والمناضلين والمستقلين الطامحين سياسيّا التحمّس لانتخابات لا يلمسون مؤشرات نزاهتها في ظلّ طغيان الحضور الإداري.

لا شكّ أنّ إرادة الرئيس تبون جادّة في تنفيذ وعوده الإصلاحية، وعلى رأسها ما تعلّق ببناء السلطة التمثيلية الشرعيّة في كافة المستويات، غير أنّ الأطراف الإيديولوجية والحزبيّة لن تتخلّى عن عادتها في إفساد كل مبادرة نحو الإصلاح لحساباتها الضيقة، وستبذل وُسعها لتلغيم القانون الجديد خدمة لأجندتها الخاصّة.

لا يمكن الحكم مسبقًا على مسودّة القانون قبل ظهوره العلني، لكن المطلوب لتفادي الوقوع في فخّ القوانين العرجاء، هو إشراك القوى الفاعلة في المشهد السياسي، لإبداء رأيها حول المشروع والاستماع لمقترحات جميع الأطراف.

إنّ التحديات الوطنية والخارجية التي تواجه بلادنا لم تعد محلّ خلاف بين الجزائريين، كما أنّ الطريق الوحيد الممكن في مواجهتها يكمن في تجنيد كافة القوى الداخلية بتعبئة الجبهة الشعبية، ما يجعل الفرصة مواتية بالذهاب نحو انتخابات شفَّافة بمشاركة قياسيّة تعيد الشرعية للمجالس المنتخَبة وتمنحها الفعالية الرقابية، مثلما تكسبها التفويض الكامل في تدشين الإصلاحات الضرورية.

الافتتاحية

مقالات ذات صلة

  • إذا عادت.. عُدنا

    دخول الجزائر ضمن قرابة تسعين بلدا طالته السلالة البريطانية من فيروس كورونا المتحوّر، هو مؤشرٌ صحّي لم نكن نتمنّاه، بعد عملية الفتح الشامل لمختلف النشاطات…

    • 3282
    • 1
  • حروب طروادة جديدة

    لم يكن إطلاق اسم "Trojan" على واحد من أولى فيروسات الاختراق الالكتروني للتجسس والتخريب في مجال القرصنة واللصوصية والحرب الاقتصادية والنفسية والدعائية، مجرد نعت حديث…

    • 590
    • 1
600

3 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • نمام

    مهما يقال عن الديمقرطية واعتبار الحرية السياسية ذات اهمية بالغة الا ان امتدادها في اوساط المجتمع دون تحقيق اندماج اجتماعي وعدالة و توزيع الثروة بغض النظر على الانتماءات وعدم شعور بالاقصاء الاقتصادي و الثقافي وربما هذا ما تحمله الشعبوية مستغلة هذا التناقض وحضنت كل الاطياف من يمين و يسار وعلماني و وو ما يربك حسابا ت المؤسسات السياسية التقليدية والجدية في الانظم لتصلح بالديمقرطية الديمقرطية في ظل تصاعد الكراهية و التعصب من اليمين وما رايناه في غزو الكونغرس دليلا جليا ورغم المساوئ في الديمقرطية الا انها الانسب هل نتمكن من تحرير انفسنا وشعبنا ام دون ذلك خرط القتاد المعارضة تكلست والسلطة شاخت

  • دوادي

    بارك الله فيك هذا هو المنطق و التفكير السليم

  • ابن الجبل

    مقال قيم وواضح ، وقد وضعت الأصبع على الجرح . بارك الله فيك .

close
close