رحلة الليْدِي إفلين كوبولد في الأُلْفة والألاّف
تستحضر زيارةُ البابا لِيُون الرَّابِع عشَر حقائقَ تاريخية وشخصياتٍ مهمةً ارتبطت بأرض الجزائر، لا سيما إبّان الحقبة الفرنسية؛ إذ تأثّرت تلك الشخصيات بالثقافة المحلية، ومن أبرزها اللَيْدِي إفلين كوبولد، التي التقت بالبابا لِيُون الثالثَ عَشَر قبل اعتناقها الإسلامَ بأكثر من قرن، والجدير بالذكر أن البابا الحالي لِيُون الرَّابِعَ عشَر، الأمريكي ذو الأصول الإيطالية من الجيل الأول، هو أول بابا في التاريخ ينتمي إلى رهبنة السانت أوغسطين، وقد اختار اسمه البابوي تيمُّنًا بسلفه ليون الثالث عشر، الذي يُنظر إليه مجدِّدًا للكاثوليكية ومنقذَها عشية القرن الماضي.
بينما تستعدّ الجزائر لاستقبال البابا الجديد وسط تباين في الآراء بين متفائل ومتشائم، تبقى هذه الزيارة فرصةً سانحةً لاستحضار تاريخ الجزائر بجوانبه المتعددة، فقد كانت منطقة شمال إفريقيا في عهد السانت أوغسطين منقسمةً بين الدوناتية والأريوسية، وهما مذهبان مسيحيان عارضا الكاثوليكية، ويُنظر إليهما على أنهما بقايا للمسيحية الأولى قبل هيمنة الكاثوليكية، التي اعتنقها أوغسطين بعد تحوّله عن المانوية، ويرى كثيرٌ من الباحثين أن خلفيتَه المانوية تركت أثرًا عميقًا في الكنيسة الكاثوليكية، يُشبه أثر أفلاطون في الفلسفة الإغريقية، مما أسهم لاحقًا في تبنّي الكنيسة لمفاهيم كالمدينة الفاضلة التي رسمت ملامح العصور الوسطى وما تلاها، غير أن الكاثوليكية تمثل اليوم نحو نصف مسيحيي العالم، تليها البروتستانتية التي تنحدر منها شخصيةُ هذا المقال.
عندما وطأت اللَيْدِي إفلين كوبولد تربةَ الجزائر طفلةً صغيرة، ما كان أحدٌ ليتصوّر أن هذه الفتاة ستجوب يوماً ما القارّات الثلاث من القصبة إلى الفاتيكان ومكة وصولًا إلى سهول السافانا ليكون مسارُ حياتها واحدًا من أَشْرَق قصص التآلف الثقافي في العصر الحديث وأكثرها تأثيرًا، فلم تكن لالّة زينب البريطانية مجرد عابرة سبيل، بل كانت طينة من الأرض التي حضنتها لسنوات، وهي التي اتخذت من الجزائر مدرسةً تنطلق منها إلى الفاتيكان والحجاز وربوع إفريقيا، لتصبح من أشهر من حجوا ودوّنوا رحلاتهم إلى بيت الله الحرام.
وفي الوقت الذي ملأت فيه أخبارُ الرحالة «إيزابيل إيبرهارت» الآفاق، واستوطنت مغامراتُها وجدان التاريخ كأيقونةٍ للبحث عن معالم الذات في مجاهل الصحراء، كانت هناك امرأةٌ أخرى تنسج خيوط حياتها في مرافئ الصمت، بعيدا عن صخب التصورات؛ وفي حين جاءت إيزابيل إلى الجزائر لتغدو «لالّة» بنمط السي محمود، جاءت إفلين لتتحلل من قيود «اللَيْدِي» لتذوبَ في كنفِ المجتمع الجزائري، وقبل أن تعتليَ الملكةُ إليزابيث العرش على كوخٍ فوق شجرة بكينيا، كانت تلك السيدة البريطانية قد سبقتها إلى إفريقيا الشرقية، بُعيدَ انتهائها من أداء فريضة الحج إلى مكة المكرمة.
ومن هنا، لا يمكن فهم أهمية مسيرة كوبولد، بمعزلٍ عن العصر الفيكتوري والإدواردي، إذ كانت حياة المرأة الأرستقراطية لا تتعدى غرف الشاي ورحلات الصيد ولم يكن يحق للمرأة الأوروبية عموما الملكية والإرث وإكمال الدراسات العليا، ناهيك عن المشاركة في الفضاء العامّ، لذلك فإن مسيرتها تنبِّهنا إلى أن التآلف والمثاقفة ليسا ظاهرتين وليدتَي عصرنا، بل سُنّةٌ عريقة طواها النسيان وغشيَها الغبار، فضلا عن ذلك، لم ترَ اللَيْدِي إفلين إسلامها تحولًا مفاجئًا، بل عودة إلى الأصل، مؤكدةً أنها كانت مسلمةً منذ فجر طفولتها،مستعيدةً ذكرياتها الأولى في الجزائر: «قضيتُ فصول الشتاء وأنا طفلة في فِلّة مورسكية على تلال الجزائر العاصمة، حيث كان والداي يلجآن إلى دفء شمسها، هناك تعلّمتُ العربية، وكان أشدّ ما يُبهجني أن أفرّ من مربيّتي لزيارة المساجد مع صديقاتي الجزائريات، فكنتُ في قرارة نفسي مسلمةً بالفطرة من دون أن أشعر، ولمّا غادرنا الجزائر إلى غير رجعة، تملّكني حزنٌ شديد، فقد أنساني الزمن رفيقاتي وصلاتي معهن في المسجد، بل واللغة العربية ذاتها؛ يسألني الكثير من الناس لماذا ومتى أسلمت؟ ولا أجد جوابًا، إذ لا أعرف اللحظةَ بالضبط التي أشرق فيها نور الإسلام في قلبي، يبدو لي أنني كنتُ مسلمةً دائمًا وليس في ذلك غرابة إذا تذكّرنا أن الإسلام هو دين الفطرة الذي سيهتدي إليه أي طفل لو تُرك وشأنه، وقد وصفه أحد المفكرين الغربيين بأنه دين العقل السليم، ولا أَصْدَقَ من هذا الوصف.» (الحج إلى مكة).
لحظة التجلي في روما
وُلدت كوبولد في كنف الأرستقراطية البريطانية لأسرة نبيلة، ابنة للورد تشارلز موراي، الإيرل السابع لدنمور، وقد قضت شتاءات طفولتها في شمال إفريقيا بين عامي 1870 و1880، وسط خادمات مسلمات في دارة والدها ذات الطراز الأندلسي المطلّة على عَلياء البهجةالمحروسة، وكانت كثيرًا ما تتسلل إلى القصبة كمتجوّلةٍ هائمة لا يقيّدها رسنٌ، تُضيّع نفسها بين بساتينها وعَبَق أفنيتها لتلعب مع أطفال أزقتها الضيّقة المتعرّجة.
لكن بذور هذا الشغف لم تؤتِ ثمارها إلا حين داهمتها لحظة التجلي في روما مطلع القرن العشرين، فخلال زيارة للفاتيكان رفقة بعض صديقاتها، قُدِّمت للبابا لِيُون الثالثَ عَشَر،فباغتها بسؤاله عن دينها في لحظة هدوء، أجابت بتلقائية ومن دون سابق تدبير بأنها مسلمة، وكانت تلك اللحظة فاصلة الخطاب التي أنارت دربها للاستعداد لرحلة الحج إلى مكة واستكشاف ما دأبت على تسميته «دين العقل والفطرة»، وتصف السَّيِّدَة إفلين إعادةَ اكتشافها للإسلام فتقول: «مضت أعوامٌ عدة، وصادف أن كنتُ في روما ضيفةً على بعض الصديقات، حين سألتني مضيفتي إن كنتُ أرغب في لقاء البابا فغمرني الحماس بطبيعة الحال، فارتديتُ السواد من رأسي إلى قدميّ، ولمّا أُذن لي بالدخول إلى حضرته برفقة مضيفتي وأخيها، باغتني بسؤاله: هل أنتِ كاثوليكية؟ أخذتني الدهشة، ولم أستطع التظاهر، فأجبته: أنا مسلمة؛ ولا أدّعي أنني كنتُ أدرك ما قلتُه في تلك اللحظة، إذ لم أكن قد فكّرتُ في الإسلام منذ سنواتٍ طويلة: كانت تلك اللحظة التي أشعلت شرارةً في روحي، ومن ساعتها عزمتُ على القراءة والتعمُّق في دراسة هذا الدين، وكلما ازددتُ بحثًا ازددتُ يقينًا بأن الإسلام هو الدين الأكثر وجدانيةً وواقعية، والأقدر على معالجة مشكلات العالم المعقّدة بمنهجٍ حكيم ومحكم، وعلى إرشاد البشرية إلى السلام والهناء.» (الحج إلى مكة)
وكانت اللَيْدِي إفلين موراي- كوبولد (1867–1963) قد تزوجت من جون دوبوي كوبولد (1861–1929) في كنيسة بالقاهرة عام 1891، ورزقا بابنتين وابنٍ خلال فترة زواجهما، وجالا في أرجاء مصر وليبيا طولا وعرضا، وهي التجربة التي ألهمتها كتابها الأول «عابرو سبيل في الصحراء الليبية»عام 1912 إلا أن اهتماماتها الروحية الآخذة في الاتساع وضعت رابطة الزوجية تحت اختبار قناعاتها الجديدة، فتفرّق شملُهما عام 1922 حتى قضى زوجها نحبه عام 1929.
ثم في عام 1934، خلّدت اللَيْدِي كوبولد اسمها في سجلات التاريخ وأهدت الإنسانية كتابًا قيمًا بعنوان «الحج إلى مكة»، وهو أول رحلة حجّ تدونها امرأة بريطانية، وقيل إنه أول حج يشهد تدشين السيارات بين منى وعرفات 1933، وتميزت رحلتها بوصفها للكعبة حين أبصرتها للمرة الأولى، وتصويرها للطواف حولها بأنه استسلام من المحب للمحبوب، كما اشتهرت بجرأتها في خوض غمار النقاش حول تشييد الأضرحة وتقديس الأموات، إذ أيدت النهج الإصلاحي في مكافحة الخزعبلات والأساطير، وعلى صعيد آخر، قدمت سيرتها زاوية غير مسبوقة ألا وهي رؤية للإسلام والعالم الإسلامي من الداخل عبر منظار امرأة غربية أرستقراطية وفي الوقت ذاته مسلمة بالقلب والروح.
وعقب أدائها فريضة الحج عام 1933، حوّلت كوبولد أنظارها جنوباً، فزارت كينيا عام 1934 مصطحِبةً حفيدها توبي سلادن، وأصدرت في السابعة والستين من عمرها كتاباً مهماً بعنوان «كينيا: أرض الخيال» عام 1935 والذي يمكن أيضًا ترجمته إلى «أرض الأحلام» ويحمل هذا العمل شهادة رحالة مخضرمة أدركت، أكثر من سواها، أن الفضول وشهوة السفر لا تعرفان حدّاً للعمر ولا سقفاً للسنين وقد التقطت أوصاف كينيا الحيّة النابضة في لحظةٍ فارقة قبل تحوّل البلاد من وجهةٍ «مستكشَفة للتو» إلى مستعمرة أرستقراطية، وفعلت ذلك بصفاء بصيرة قبل أن تكتظّ البلاد بالوافدين.
في مطلع القرن العشرين، كانت إفريقيا الشرقية تستقطب النخب الغربية بشكل لا يقاوم، حيث زارها الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت، والمؤلفان جورج برنارد شو وإرنست همنغواي، وصقلت تلك التجربة أعمالًا عالمية مثل «الخروج من إفريقيا» و«تلال إفريقيا الخضراء»، ثم جاءت الأميرة الشابة، التي أصبحت لاحقًا ملكة، حيث كانت عام 1952 في كوخٍ على شجرة بالمنتزه الوطني أبردار في كينيا حين طرق مسمعَيها نبأ وفاة والدها الملك جورج السادس. ثم نقلت الصحافة المقولة الشهيرة: «صعدت فتاةٌ شجرة أميرةً ونزلت منها ملكة»، لكن قبل زيارة الملكة اليزابيث لكينيا بعقدين، سبقتها هناك اللَيْدِي إفلين كوبولد تتأمّل وتفكر وتكتب.
بين إيزابيل وإفلين
إذا كانت إفريقيا الشرقية وجهة للأرستقراطية العالمية، فإن الجزائر كانت مأوًى للروح وقدّمت نوعًا مختلفًا من الملاذ للأوروبيين فَقلَّ من غادرها كما حلَّ فيها، من رجاء الجارودي إلى مراد هوفمان، إذ اعترف كلاهما بأن الجزائر كانت محطّة مفصليةً في مسيرتهما، أما إتيان دينيه، الذي كان يُعدُّ رائد الرسم الاستشراقي، فقد أفنى حياته في رحاب الجزائر، وغاصت إيزابيل إيبرهارت في صحاريها، وفي فصل لاحق من التاريخ، جال مالكولم إكس أو الحاج مالك الشباز في أروقة القصبة، وقد قيل إن ماركس كاد أن يؤمن آخر حياته بعد رحلته الاستشفائية إلى الجزائر التي دامت نيفًا وسبعين يومًا، والتي كانت أول وآخر سفرة له خارج أوروبا.
في هذا السياق، تستدعي اللَيْدِي إفلين المقارنة بإيزابيل إيبرهارت، تلك الشخصية الأقل حظا من الشهرة في الفضاء الأنغلوفوني، في حين توظّفها بعض الأوساط الفرنكوفونية أداة في الحروب النسوية ضد ما يسمونه “الجوانب الأبوية في الثقافة الإسلامية” رغم اعتناقها للدين الإسلامي، ولا يعود هذا التباين لكونها شخصية جدلية استعصت على قوالب الفكر اليميني واليساري فحسب، بل لأن اللَيْدِي إفلين كوبولد كانت «ياسمينة القصبة»، وإيزابيل إيبرهارت «وردة الصحراء».
رحلت إيبرهارت عام 1904 وهي في السابعة والعشرين، ولم يتّسع لها العمر لتكتب رحلتها الشخصية إلى مكة المكرمة؛ أما اللَيْدِي إفلين، سواء أعلمت بها أم لا، فإنها تمثل امتدادا لشيء كانت إيبرهارت قد بدأته: شهادة اعتراف من نساء غربيات على الكرامة والمساواة التي وجدنها في كنف الإسلام، وهو الإرث الذي يجب أن يُستحضر لا بوصفه فضولًا من حقبة الإمبريالية، بل كصوت يتردد عبر الأجيال التي لا تزال تبحث عن إجابات.
وخاتمة القول إن يُعادَ للالّة زينب الاعتبارُ اللائق من قِبل السلطات والباحثين، عبر تتبع أثر الدار التي آوتها وإحياءِ إرثها المجيد، ليكون مَعلَمًا أو متحفا يجسد عمق الأواصر الجزائرية- البريطانية، وجزءا لا يتجزأ من التراث الجزائري المعاصر، فإن بعث قصة «لالّة زينب» كفيلٌ لوحده بنسف أسطورة «الرسالة الحضارية» للاستعمار وترسيخ الهوية العالمية للجزائر وانفتاحها التاريخي الأصيل.
كانت حياة المرأة الأرستقراطية لا تتعدى غرف الشاي ورحلات الصيد ولم يكن يحق للمرأة الأوروبية عموما الملكية والإرث وإكمال الدراسات العليا، ناهيك عن المشاركة في الفضاء العامّ، لذلك فإن مسيرتها تنبِّهنا إلى أن التآلف والمثاقفة ليسا ظاهرتين وليدتَي عصرنا، بل سُنّةٌ عريقة طواها النسيان وغشيَها الغبار، فضلا عن ذلك، لم ترَ اللَيْدِي إفلين إسلامها تحولًا مفاجئًا، بل عودة إلى الأصل، مؤكدةً أنها كانت مسلمةً منذ فجر طفولتها،مستعيدةً ذكرياتها الأولى في الجزائر.
لمّا غادرنا الجزائر إلى غير رجعة، تملّكني حزنٌ شديد، فقد أنساني الزمن رفيقاتي وصلاتي معهن في المسجد، بل واللغة العربية ذاتها؛ يسألني الكثير من الناس لماذا ومتى أسلمت؟ ولا أجد جوابًا، إذ لا أعرف اللحظةَ بالضبط التي أشرق فيها نور الإسلام في قلبي، يبدو لي أنني كنتُ مسلمةً دائمًا وليس في ذلك غرابة إذا تذكّرنا أن الإسلام هو دين الفطرة الذي سيهتدي إليه أي طفل لو تُرك وشأنه، وقد وصفه أحد المفكرين الغربيين بأنه دين العقل السليم، ولا أَصْدَقَ من هذا الوصف.
بذور هذا الشغف لم تؤتِ ثمارها إلا حين داهمتها لحظة التجلي في روما مطلع القرن العشرين، فخلال زيارة للفاتيكان رفقة بعض صديقاتها، قُدِّمت للبابا لِيُون الثالثَ عَشَر،فباغتها بسؤاله عن دينها في لحظة هدوء، أجابت بتلقائية ومن دون سابق تدبير بأنها مسلمة، وكانت تلك اللحظة فاصلة الخطاب التي أنارت دربها للاستعداد لرحلة الحج إلى مكة واستكشاف ما دأبت على تسميته «دين العقل والفطرة».
… لم أكن قد فكّرتُ في الإسلام منذ سنواتٍ طويلة: كانت تلك اللحظة التي أشعلت شرارةً في روحي، ومن ساعتها عزمتُ على القراءة والتعمُّق في دراسة هذا الدين، وكلما ازددتُ بحثًا ازددتُ يقينًا بأن الإسلام هو الدين الأكثر وجدانيةً وواقعية، والأقدر على معالجة مشكلات العالم المعقّدة بمنهجٍ حكيم ومحكم، وعلى إرشاد البشرية إلى السلام والهناء.
تميزت رحلتها بوصفها للكعبة حين أبصرتها للمرة الأولى، وتصويرها للطواف حولها بأنه استسلام من المحب للمحبوب، كما اشتهرت بجرأتها في خوض غمار النقاش حول تشييد الأضرحة وتقديس الأموات، إذ أيدت النهج الإصلاحي في مكافحة الخزعبلات والأساطير، وعلى صعيد آخر، قدمت سيرتها زاوية غير مسبوقة ألا وهي رؤية للإسلام والعالم الإسلامي من الداخل عبر منظار امرأة غربية أرستقراطية وفي الوقت ذاته مسلمة بالقلب والروح.