“جمهورية” الحميز.. تايوان الجزائر
.. تحاصرك رائحة الغبار من كل جهة، تخنقك حركة المرور وتزعجك منبهات السيارات، وتحاصرك أكوام بقايا علب الكارتون الضخمة، أطفال يلهثون هنا وهناك لجمع أكبر قدر ممكن من الخردة والنفايات، تجار يُقلبون ملايين الأجهزة الكهرومنزلية ..هي إذن جمهورية “الحميز” قطب تجاري نائم على فوضى جزائرية.. ”الشروق” توغلت فكان هذا الربورتاج.
-
واحدة من أكبر المناطق التجارية في الوطن، مفرغة لكل المنتجات الكهرومنزلية والإلكترونية، قبل 15 عاما، لم تكن سوى قطع أرضية ترعى فيها الأغنام، تحوّلت إلى قطب تجاري قائم على طرقات مهترئة، ليلها كما نهارها، في النهار تختنق بحالة مرور مكتظة من قبل الزبائن وسياراتهم، وفي الليل تغزوها حاويات نقل البضائع للمكان، يقطنها أزيد من 35 ألف نسمة، وهي بذلك أكبر مناطق الجزائر الشرقية، عدد الزبائن بشكل يومي يفوق ضعف قاطنيها، وهو ما يجعلها أكبر سوق تجارية لكل ما له علاقة بالأجهزة الكهرومنزلية.
-
-
الكراء بـ 15 مليون شهريا ومحلات بلا عقود ملكية
-
تقدمنا نحو صاحب أحد المحلات التجارية، سألناه عن ثمن كراء المحلات التجارية وقدمنا أنفسنا على أننا تجار يريدون محلات للكراء، فرد علينا صاحب المحل قائلا: “المحل الكبير لن يقل عن 11 مليونا للشهر على الطريق الرئيسي، غير أنه عبر الطرق الرئيسية لن تجد محلا للكراء، لأنه تم تأجيرها بالكامل، وهو ما يجعل أصحاب المحلات يرفعون ثمن الكراء مع انقضاء كل سنة، حتى وصل ثمن الكراء إلى 15 مليون للشهر الواحد”.
-
فيما يقدر ثمن كراء المحلات بالطرق الفرعية للحي بـ 9 مليون سنتيم للشهر الواحد، وارتفع ثمن حتى المحلات الخاصة بالمطاعم فأدناها يقدر بـ 5 ملايين للشهر، وتصل إلى 15 مليونا للمحلات الخاصة بالمطاعم الكبرى خصوصا على الطريق الرئيسي.
-
أغلب أصحاب المحلات المالكون لديهم قرارات بالاستفادة من القطع الأرضية فقط، القلة القليلة لديها عقود ملكية على القطعة الأرضية والبنايات، ويقول مالك محلات قرب الملحقة الإدارية للحميز بأنه لم يبحث يوما عن عقد الملكية قائلا: “أنا أمارس نشاطي وأقوم بكراء محلات وليس لي وقت للبحث عن الأوراق من أجل الوثائق الإدارية، كل ما يهمني أن أمسك مستحقات تسديد الإيجار”.
-
ولكم أن تتصوروا مجموع ما يجنيه أصحاب المحلات من كراء محل بـ 15 مليونا في ظرف سنة .. أكيد المبلغ يفوق 180 مليون.
-
هذه الوضعية التي جعلت أغلب الأراضي التي بنى عليها أصحابها محلات وفيلات بلا وثائق يرد عليها ممثل منتخب عن بلدية الدار البيضاء في تصريح للشروق قائلا: “أغلب الأراضي التي كانت عبارة عن أراض فلاحية تم بموجبها منحهم رخص إدارية للبناء سنة 1989 تاريخ نشأة الحي، غير أنه منذ ذلك الوقت لم تسوّ السلطات المحلية وضعية هؤلاء السكان، بل إن الكثير منهم لم يعد يبالي بتسوية الوضعية في ظل وجود نصوص قانونية تسمح لهم بالحصول على وثائق تأجير عقاراتهم بموجب رخص البناء”.
-
-
بورصة المضاربة تدخل”البرّاد” البيوت القصديرية
-
احتلت المكيفات الهوائية الصدارة في مجموع مبيعات الأجهزة الكهرومنزلية خلال هذه السنة، حيث أن غالبية التجار لم يتوقعوا بأن تعرف مثل هذا الإقبال، وذلك بعد أن ارتفع عدد زبائنهم بأضعاف مضاعفة، مما اضطر الكثير منهم إلى الإسراع في زيادة عدد الطلبات على أنواع هذه الأجهزة بعد أن كانوا في السابق بأعداد قليلة.
-
تتراوح أسعار المكيفات الهوائية ما بين 23 ألف دينار و44 ألفا و500 وتختلف أسعارها حسب طاقتها ونوع الماركة والبلد المصدر، حيث يقدر سعر مكيف هوائي قدرته 7000 بـ 23 ألف دينار من ماركة “ميديا” وهو أكثر الأنواع إقبالا في السوق الجزائرية، فيما يقدر سعر المكيف الهوائي قدرته 9000 بـ 24 ألف دينار، ويقدر أغلى جهاز من هذا النوع من الماركة بقدرة 18000 بـ 44500 دينار، وفي كل هذا تبرز الماركات الصينية والتايوانية بكثرة، فكل شيئ في سوق الحميز “صنع في الصين”.
-
تجد كل ما تبحث عنه وبالسعر الذي تراه مناسبا لك، فقد تجد حتى خلاط كهربائي للمواد الغذائية بعسر لا يفوق 500 دينار، ناهيك عن الماركات القديمة فلن يفوق مثلا سعر “ثلاجة من الحجم الصغير” 12000 دينار.
-
من جهة أخرى، تفطن أصحاب المحلات التجارية إلى خلق فضاءات جديدة تتمثل في تقديم خدمات البيع بالتقسيط وبدون دفع مسبق ويتراوح مبلغ التقسيط مابين 1800 و2400 دينار شهريا لمدة سنتين حسب نوعية المكيف وطاقته، وحسب رغبة الزبون، وحفزت هذه الصيغة الكثير من العائلات على اقتناء المكيفات، كما استقطبت أيضا خدمات ما بعد البيع، حيث يوفر الباعة عمالا متخصصين في تركيب الجهاز مع مبلغ رمزي.
-
-
لا مركز بريد لا إنارة عمومية وطرق مهترئة
-
غير أن واقع الحي التجاري له أيضا آثار سلبية على قاطنيه، حيث عبّر سكان أحياء منطقة الحميز التابعة إقليميا لبلدية الدار البيضاء بالعاصمة، عن تذمرهم وسخطهم من غياب التهيئة عن هذه الأخيرة، حيث بلغت طرقاتها درجة جد متقدمة من الإهتراء زادت من معاناتهم في ظل تهميش وإقصاء السلطات المحلية لحيّهم من أشغال التهيئة، ويزداد الأمر سوءا كلما اقترب فصل الشتاء.
-
وتضم منطقة الحميز نحو 20 حيا، حسب ما صرح به مكلف الشؤون الإجتماعية ببلدية الدار البيضاء ويتجاوز تعدادهم الـ 35 ألف، كل هذه النسمة ولا تستغربوا إن قلنا لكم، أن المنطقة لا تحتوي على مركز بريد، بالرغم من الملايير المتداولة بين تجار الأحياء.
-
كما يشتكي سكان أحياء الحميز من نقص كبير في التغطية بالإنارة العمومية، يقول أحد المواطنين إن غياب الإنارة وباعتبار المنطقة تجارية بامتياز جعلها عرضة للاعتداءات والسرقات التي تكثر بالمنطقة والتي حرّمت عليهم الخروج.
-
إلى جانب هذا، فهم يشكون من غياب تام للهياكل الثقافية والترفيهية التي من شأنها الترويح عن شباب الحي وإبعاده عن الانحراف الذي أخذت دائرته في الاتساع أكثر وأكثر في أوساط هذه الفئة، غير أن كل هذه المشاكل تذوب أمام مشكل اختناق حركة المرور، فسكان الحميز إذا ما أرادوا الوصول إلى عملهم عليهم أن يخرجوا قبل ظهور الشمس تفاديا لاختناق المرور يقول أحد المواطنين: “إن مظاهر طوابير المركبات والفوضى العارمة التي تشهدها المنطقة بات أمرا مألوفا لدى العام والخاص.. فإذا خرجنا من بيوتنا فلا نعود إلا بعد آذان المغرب”.