-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

أرى‭ ‬تحت‭ ‬الرَّماد‭ ‬وميض‭ ‬نــار‭ !!‬

علي بن محمد
  • 4793
  • 0
أرى‭ ‬تحت‭ ‬الرَّماد‭ ‬وميض‭ ‬نــار‭ !!‬

في أدبيات اللغات كلِها حيّـزٌ واسع من المقولات، والأمثال، والحِكم التي تصف بعضًا من الفضائل التي ينبغي، وُجوبا، أن يتـَّصف بها الحُكام المتميزون.. منها، على وجه الخصوص، أن تكون للواحد منهم قدرة ظاهرة على رُؤية ما لم يقع، كأنه واقع حيّ تـُحسه البصائر، وتشاهده‭ ‬الأبصار‭. ‬ومِـن‭ ‬ذلك،‭ ‬الوصفُ‭ ‬الذي‭ ‬يُطـلق‭ ‬على‭ ‬بعضهم،‭ ‬حين‭ ‬يُمدح‭ ‬‮(‬صدقا‭ ‬أو‭ ‬كـذبا‮)‬،‭ ‬بأنه‭ ‬القائدُ‮ “‬المُلـْهَـمُ‭ ‬‮”‬‭. ‬فذلك‭ ‬أحدُ‭ ‬معاني‭ ‬الإلهام‭ ‬المقصود‭…‬

  • بل إن بعض المحفوظات، من رصيد تلك الأدبيات، تذهب إلى أن أحد الفروق الحاسمة بين كبار القـادة الذين تولـَّوْا تصريف مصائر الأمم، في أشد الأوقات حرجا من تاريخها، وبين غيرهم، إنما تكمُن في هذه الفِطرة التي أنشأهمُ الله عليها، والتي تجعلهم يتمتعـون بقدرة متميزة على‭ ‬استشعار‭ ‬الحوادث‭ ‬قبل‭ ‬وقوعها،‭ ‬وقراءة‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬تـَؤُول‭ ‬إليه‭ ‬تطورات‭ ‬الأوضاع‭ ‬قبل‭ ‬حدوثها‭. ‬ولذلك‭ ‬يقول‭ ‬الفرنسيون‭ ‬في‭ ‬مأثوراتهم،‭ ‬‮”‬gouverner‭ ‬c‭’‬est‭ ‬prévoir‮”‬‭ ‬‮(‬الحُكم‮ ‬يعني‭ ‬التـوَقــُّـع‭ ‬‮)‬‭.‬
    ‮      ‬
        وعند العرب، من هذه المأثورات، زاد وفير يكـفيـنا منه التذكير ببيت معروف لأبي الطيب المتنبي، يمدح فيه سيفَ الدولة الحمداني، (أشهر أمراء دولة بني حمدان في حلب، وقد حكمها من 945 إلى 967 م). وهو الذي يصفه فيه بأنه “ذكـِـيّ”. وكان من علامات ذكـائه أنه يستطيع أن يرى بقلبه، في يومه، وبكل وضوح، أمورَ الحكم التي لا تراها عينـُه إلا في يوم الغد!. بهذه المقدرة استطاع أن يصارع الدولة البيزنطية مدة اثنتين وعشرين سنة، وأن يمنعَها من تحقيق أيٍّ من أطماعها في تلك الإمارة الحمدانية الصغيرة، الواقعة على حدودها… وقد عـبّر أبو‭ ‬الطيب‭ ‬عـن‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬بقـوله،
     
    ‮”‬‭ ‬ذكِــيٌّ؛‮ ‬تـَـظـَـنـِِّيهِ‭ ‬طلـيعة‭ ‬ُ‭ ‬عَيْـنِه،
    يَـرى‭ ‬قلبُه‭ ‬في‭ ‬يَوْمِه‭ ‬ما‭ ‬تـَرَى‭ ‬غـَـدَا‭ ‬‮”‬‭..!‬
     
                عندما‭ ‬تعزل‭ ‬بطانة‭ ‬السوء‭ ‬الحاكم‭..‬
        إذا كان في حُكام القرون الغابرة من يجتهد لاستقراء المستقبل، واستجلاء مكنوناته لتجنبها، أو الاستفادة منها، أو الاستعداد لها بما يستطيع، مع قلة ما يستندون إليه يومئذ من قدرات العلم التطبـيـقية، والوسائل الآلـية التي هي في متناول حكام اليوم، والتي لا تكاد تخلو منها أيّة دولة عصرية، كيفما كان حجمها وإمكاناتها؛ فإنه لا حُجّة لمن يُـفاجأ بحوادث ووقائع متسلسلة لا تخـفى دلالاتها إلا على من يُدير لها ظهرَه، ويتعلق بأوهام تـَحُــوكها له، وتشجعه على التمسك بها، عصابة من المُطـفِـفـيـن الـذيـن لا يكتـفـون بإقامة سـدّ منيع حـوْل الحاكم، يحرمونه به مـن أن يُـطِـلَّ بنـفسه عـلى أحـوال شعبه وبلاده، بل يتمادَوْن في الكـذب عليه، بتغـيير صور الواقع، وتزييف ملامحها، لكي تبدوَ له كما يريدها هو أن تكون؛ أو كما صَوّرَتها له جماعة أخرى من تلك الفئات التي تعيش بما تـُريقـُه من ماء الوجه، لو كانت لها وُجوهٌ بَـقِـيَ فيها للحياء ماءٌ، أو شبهُ ماء..! وبما تصطنعه من أساليب المكر، والتحايل، لتـفوز برضا الحاكم، وتنعم بسخائه المتدفق، فـتـبني على دعائم ذلك الرِّضَى المغتصب الصُّـرُوحَ العالية لإمبراطوريات الفساد، والنهب، والاغتصاب، والمتاجرة‭ ‬بوظائف‭ ‬الداخل‭ ‬والخارج،‭ ‬والعبثِ‭ ‬الإجرامي‭ ‬بمُقـدَّرات‭ ‬البلاد‭. ‬وكل‭ ‬ذلك‭ ‬بلا‭ ‬أدنى‭ ‬خشية‭ ‬من‭ ‬رقيب‭ ‬أو‭ ‬حسيب‭!..‬‮ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬الواقع‭ ‬التعيس‭ ‬لكثير‭ ‬من‭ ‬شعـوب‭ ‬العالم‭ ‬المتخلف،‭ ‬فما‭ ‬صورة‭ ‬الواقع‭ ‬في‭ ‬الجزائر؟
     
                بعض‭ ‬ملامح‭ ‬واقــعــنا‭ ‬الـوطــنـي‭.‬
        لو‭ ‬أنّ‭ ‬ملاحظا‭ ‬مُنصفا‭ ‬حاول‭ ‬أن‭ ‬يلتقط‭ ‬اليومَ‭ ‬صورة‭ ‬أمينة‭ ‬للمجتمع‭ ‬الجزائري،‮ ‬تكون‭ ‬أقربَ‭ ‬شيء‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬واقع‭ ‬الوطن‭ ‬ومن‭ ‬فيه،‭ ‬لجاءت‭ ‬صورته‭ ‬ناطقة‭ ‬بما‭ ‬يلي،
     
         1ـ في الـمشهد الخـَلـْـفي، تـَبرز ملامحُ واقع اقتصادي ـ ماليّ يوحي ببُحبوحة نقدية، لم تشهدْها البلاد من قبل. ومع أنها مردودٌ لوضعية رَيْعِـيّة بحْـتة، لم يُسهم الفعل الجزائري المبدع، أو الجهد الوطني الخلاق، في أيّ من أسبابها؛ لأنها نعمة إلهية خالصة، ساقتها ظروف عالمية ليس للجزائريين، ولا لحُكامهم، أدنى فضل فيها… فإنّ أعوان النظام، (مع ذلك)، لا يتركون فرصة تفوتهم دون الافتخار بها، واحتسابها من ضِمْن “منجزات الحكم الرشيد”!. وإذا لم يكن في وُسْع أحد أن ينكر أن جزءا من تلك الأموال يُستخدم حقا في تزويد البلاد ببعض المرافق الهامة، والتجهيزات الجماعية الضرورية لتنمية البلاد، فإن ما شانَ تلك الأشغال من آفات كثيرة، أخطرُها ما امتدت إليه يَـدُ الفساد والمفسدين من عبثٍ بالأرصدة المخصصة لها، والذي أدى إلى رفع تكلفتها إلى نحو الضعف مما كان مقدرا لها.. قد جعلها ثمرة مريرة‭ ‬المَذاق‭ ‬في‭ ‬الحلق‭ ‬واللسان‭ ‬لتكلفتها‭ ‬الباهظة‭. ‬ومع‭ ‬أن‭ ‬أصداء‭ ‬بعض‭ ‬المحاكمات‭ ‬تصل‭ ‬إلي‭ ‬أسماعنا‭ ‬خافتة‭ ‬ضئيلة،‭ ‬فإننا‭ ‬لم‭ ‬نـَرَ‭ ‬بعـدُ‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬رادعة‭ ‬للمجرمين‭…‬
     
         2ـ في الواقع الاجتماعي، تـَذمـُّرٌ لا ينقطع. كثيرا ما يصل إلى حـدّ الغضب الذي تعبّر عنه طوائفُ لا تحصى ولا تعد من الناس بالإضرابات، والتظاهرات، وقطع الطرق، وحتى بإشعال النار في أجسادهم، (نعم، ولكن الجزائر ليست تونس! كما يقولون)..  وقد نشرت مصالح الأمن، مؤخرا، تقارير أوصلت تظاهرات الغضب هذه إلى الآلاف.. ولو أن حكامنا وظفوا تلك الأموال المودعة في الخارج، أو جُزْءًا هاما منها، في إعادة الروح للقطاعات الإنتاجية المشلولة، لكان ذلك كفيلا بإحداث ما يكفي من مناصب الشغل لاستيعاب كفاءات الشباب، ولكان فيه للأمّة ربحٌ عميمٌ، على جميع الأصعدة.. ولكن ذلك لم يتم. الأمم المنتجة تقترض لتبني وتـُطور اقتصادياتها، ونحن نـُودِع أموالنا في المصارف العالمية ليستثمرها الآخرون، لِـقاءَ فـُتات من الفوائد، بينما تظل تنمية وطننا المتوقفة في أشدّ الحاجة إليها.. وفي أثناء ذلك، باتت الآفاق مسدودة، أو شبه مسدودة، في وجوه شبان عاطلين عن العمل، يُعَـدُّون بالمئات الكثيرة من الآلاف.. أكثريتهم متعلمون، مؤهلون من مـعاهد التكوين والتمهين، وقسمٌ هام منهم جامعيون تخرجوا في مختلف التخصصات، حـتى لـقد ذكر كـثيرون منهم أنهم نـسوا ما تعـلموه، لطول انـتـظارهم فرصة تـفـتح لهم باب الشغـل في تخصصهم، أو في غيره. وهم في حال من البؤس والضياع لا يوصفان؛ بين قلق البطالة، والتـَّشـوُّف إلى زوارق الموت، وهي تترنـَّح على قمم الموج الهائج في أعالي البحار.. وابتزاز عصابات المخدرات، و”معالـيـم” أسواق التهريب، وقـَسَماتِ مستقبل بائس، تـَذبـُل فيه زهرتـُه أمام عيونهم، وتمضي أفضلُ ما في العمر من سنواته في الحلم بانفراج، مِفتاحه في يد الغيب، ولكنّ مشاعـر اليأس من مُلاقـاته تزداد رُسوخا في النفوس، فيَـشـتـَدُّ افتراسُـه لها يوما بعد يوم.. وهم في تعاستهم لا يُحِسّون بأي اهتمام جاد بحالهم، ولا بمبادرات جديـة لاسْـتِـنـقاذهم منها، باستـثـناء أغنية بالية، مَمْلولة، مَـكـْرُورة، عـن “ضرورة العناية بالشباب “، و”اعتبارهم أولوية الأولويات..” تـَلوكـها بلا قناعة تنظيماتٌ لا يعنيها منها إلا مَـردودُها السياسي عندما تحين مواسم الانتخابات‭!..‬
     
       3ـ في حـقـيـقة التنظيمات الحزبية، والتشكيلات الجمعوية تفترق الآراء، وتختلف الأحكام عند تقييم الفائدة من وجودها أصلا في بلدان العالم التي يحكمها من لا يؤمنون بالتعددية السياسية إلا بقـدر ما تـوفره لهم من واجهة ديمقراطية افتراضية، يتوهمون أنها كافية لإقناع الناس في الداخل، ولا سيما في الخارج، دُوَلا، ومنظماتٍ دولية، وصحافة عالمية… بأن البلد ينعم بديمقراطية حقيقية. ومن هنا كانت نقمة قسم من المواطنين على الأحزاب، إذ يعتبرون قادتها “مُحَـلـِّـلين شرعـيَـين” لتمكـين الحكام من الاستمرار في زواج محرَّم شرعا، لـوقوع‭ ‬طلاق‭ ‬البينونة‭ ‬الكبرى‭ ‬عليه‭! ‬
      والأحزاب، في واقعنا الجزائري، حالـُها كحال الضمائر في النحو العربي، إذ هي مثلها على ثلاثة أقسام: ظـاهـرٌ، ومُسـتـتِـرٌ، ومُـقـَـدَّر. فأما الظاهر منها فهي التي شاء لها مصيرها أن تنعـم بدِفْءِ القرب من السلطة، ولكنها زادت عن حد الاقتراب المقبول، الآمِـن منها، فالتصقت بها حتى احترقت بنارها.. وهي اليوم ما بين ممسوخ فـقـدَ كل ملامح هويته التاريخية التي ظلت، رغم صروف الزمن وتقلباته تميزه… ومَـنـسوخ، لا هو أصل لشيء ما، ولا هو فرع له؛ فهو نـُطفة هجينة مستولدة في أنبوب، فلوْنـُها مُتـقـلِب بحسب اللْون الذي يشكله‭ ‬طـَيْـف‭ ‬الأضواء‭ ‬التي‭ ‬يتعرض‭ ‬لها‭ ‬ذلك‭ ‬الأنبوب،‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬الليل‭ ‬والنهار‭… ‬
         وأما المُسْتـتِــرُ من تلك الأحزاب، فهي التي اعتبرتها السلطة الحاكمة كمية محتقرة. فهي عندها ضئيلة الوزن، ومن هنا هي في نظرها قليلة التأثير، فمعارضتها حينئذ وموالاتها سيان. ولكنها مع ذلك منعتها من كل المنابر الثقيلة التي يُعتـَدُّ بها في الدعاية والترويج. فهي لذلك تتآكل في الظلام، وتـَجتـَرُّ حَـنـَقـَها على النظام. ولكنها من الناحية العملية عاجزة عن فعل أي شيء. ووحدتها، وهي الشيء الوحيد القادر على إزالة محنتها، أو التخفيف منها، تمنعها أنانياتها، وتطرُّفها الإيديولوجي من التقارب فيما بينها. وفي هذا سعادة كاملة للنظام الـذي يزعـم كل واحد من تلك الأحزاب أنه يحاربه!.. فإذا بدا من أي حزب شعورٌ بمقدرةٍ ما على تحدّي طـَوْق الظلام المفروض عليه، ولو بصفة رمزية، أسرعتْ إلى صفوفه الانشقاقات، وتشكلت له “تقويميات” عـتـيدة، تتحرك بكل حرية في جميع الفضاءات الإعلامية المُحرّمَة‭ ‬حتى‭ ‬على‭ ‬الأحزاب‭ ‬المعتمدة‭ ‬بصفة‭ ‬قانونية‭ ‬ورسمية‭…‬
        وأما الأحزاب المقدّرة، فهي التي جَـمّدت السلطة ملفات اعـتمادها، المودعة لديها، طبقا للقانون الصادر بحـقها، بقرار شـفـوي، “سيـادي” مـضمونـه، “لا حــزب بعـد الآن “، و” في ما عندنا من الأحزاب ألف بركة “. وهكذا بقيت في وَضْع المعلقة، لا هي ذات زوج، ولا هي مطلقة! والنظام الذي “نـظـّـم” كل شيء في البـلد، يريدها أن تبقى مفرداتٍ خارجَ الجملة التامة، والكلام الصحيح.. فهي لذلك لا تستطيع أن تكون لا فعلا، ولا فاعلا، لأنها ليست واقعة فـي سياق الإعراب.. ولكن لا بأس في أن تـُسْـتبقى “مفعولا” إلى أن تـُطلِقَ سراحَها، أو تـُفـعِّلها‭ ‬بعضُ‭ ‬الاعتبارات‭ ‬الظرفية‭.‬
        فإذا أضفنا إلى هذه المشاهد السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، الموحشة.. كل ما يُـرى في القطاعات الأخرى من مهازل، ومآسي، اكتمل المشهد. فهذه وسائط الإعلام الثقيلة قد عقدَتْ ملايين المواطنين ببرامجها التي تـُزري بالعقل والمنطق وبكل ما في الإنسان السّوِيّ من رُشد وصواب! فلا هو واجـدُ فيها أخبارا عن الوطن ذات صدقية، ولا هو عاثر فيها على ما يثـقـفه أو يُسليه. وقد ضاقت الناس بيتيمتهم الملتفة دوما في أسـمـال حِدادِها، في الوقت الذي امتلأت فيه شاشات الجزائريين بعشرات القنوات الفضائية التي ترشهم من سمـاء تونس، وليبيا،‭ ‬والمغرب،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬القنوات‭ ‬المصرية‭ ‬والخليجية‭ ‬التي‭ ‬تعد‭ ‬بالمئات‭.. ‬أليس‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬مسؤول‭ ‬يخجل‭ ‬أو‭ ‬يستحي؟؟‭.‬
         وهذه البيروقراطية الإدارية الضارية، وما ترتكبه من الآثـام بانتهاش لحم المواطنين، والـتـلذذ، صَبَاحَ مَـسَـاءَ، بمعاناتهم عند كل معاملة تضطرهم إلى الوقوف لدى بعض مصالحها العنيدة، فلا يكاد يجد المواطن المحقور مسؤولا فيها يشكو له، أو يتظلم لديه. لأنه لم تعد فيها للرؤساء على مرؤوسيهم لا هيبة ولا سلطة ولا احترام!.. وشبيه بهذا الوضع ما يكابده المواطن من ألوان المشاق في كثير من المستشفيات المكتظة بالناس، وفي طلب الأدوية التي لا أثر لها في كل الصيدليات. ومثل ذلك أيضا يقال في معظم القطاعات الأخرى، في النقل العام والخاص، في الازدحام الذي صار مشكلة في شوارع مدننا الكبيرة والصغيرة، معظمَ ساعات النهار، وطوالَ أيام العام. وفي المدارس معاناة دائمة يحياها المعلمون، والتلاميذ وأولياؤهم..والمعاناة هي قدَرُ الجزائريّين حـيثما كانوا، في الجامعات، في مراكز البريد لسحب النقود عند‭ ‬نقص‮ ‬السيولة،‭ ‬في‭ ‬الغلاء‭ ‬المتصاعـد‭ ‬لكـل‭ ‬المواد‭ ‬الضرورية‭ ‬للحياة،‭ ‬في‭ ‬التآكل‭ ‬المستمر‭ ‬لـقيمة
    الدينار‭ ‬مما‭ ‬يبطل‮ ‬سريعا‭ ‬مفعول‭ ‬الزيادات‭ ‬المسجلة‭ ‬في‭ ‬الأجـور‭ ‬إلخ،‭ ‬إلخ‭… ‬
        هذه المخانق في حياة الجزائريين. هذه المضائق في طريقهم عندما يخطون كل خطوة في دروب تحصيل ضروريات معيشتهم.. هذه الأزمات التي لا تنتهي في ظروف عملهم، وتـنـقــُّـلهم، ودراستهم، واستشفائهم، وشتى معاملاتهم… ما من عاقل يطالب بإزالتها قبل أن يرتـَدّ طـَرْْفـُه إليه، ولكن المشكلة تأتي من ناحيتين، إحداهما أن الطرائق التي تمت بها المعالجات إلى حد الآن لم تثبت على الإطلاق فعاليتها، ولم تغير أيـّا من مشاهد الأزمة في واقع المواطن.. والثانية أن الجو المعنوي، في كل المجالات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية والثقافية والتجارية والإعلامية.. لا يبعث على الاطمئنان، والسكينة، بل كل ما فيه ينذر بأيام قادمة بالغة الصعوبة. وإنه لمن الخطإ الفادح الاعتقادُ بأن الاستعداد لها يكون بتجنيد مزيد من أفراد الأمن، وتكديس مزيد من آليات القمع، واللجوء إلى نفس أساليب الردع بالـشدة والـعنف.‭.. ‬
        كل الجبهات الاجتماعية مشتعلة. ومحاولة إخمادها بالتوزيع الفوضوي للدنانير لم يزدها إلا احتداما حين فتح باب المزايدات والتنافس على مصراعيه. وحُمّى الغضب في تصاعد مُطـَّرد.. وما على من يـُماري في ذلك إلا الوقوف في طوابير الإدارة، أو إرخاء أذنه لأحاديث الشباب في أماكن تجمعهم، وبصفة خاصة مطالعة تعاليقهم، وحواراتهم، ومداخلاتهم، على شبكة الفايس بوك، و سائر شبكات التواصل الاجتماعي الأخرى، وحتى في التعليق على الأخبار، وعلى ما ينشر من مقالات الرأي في الجرائد الإلكترونية… فـسـيصاب بالذهول لما تنطوي عليه من المرارة، والـثورة،‭ ‬والاحتقان،‭ ‬وعنف‭ ‬العبارات‭ ‬المتوعدة،‭ ‬وقساوة‭ ‬لهجة‭ ‬التهديد‭ ‬والوعيد‭… ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬بصراحة‭ ‬تامة‭ ‬ليس‭ ‬فيها‭ ‬أدنى‭ ‬أثر‭ ‬للخوف‭ ‬أو‭ ‬التحفظ‭ ‬أو‭ ‬المواربة‭. ‬
        وهذا كـلـه في بلد يعيش فراغا سياسيا بالمعنى التام للكلمة. فلا الرئيس صار قادرا على شغل الساحة بعد أن تقلصت للغاية مناسبات حضوره، وقلت مداخلاته، وبلغت في الإيجاز نهايتها؛ ولا في سدة الحكم رجال ذوو صلاحيات واضحة تمكنهم من القيام بالدور المنتظر ممن هم في موقعهم لـمَلْءِ الفراغ؛ ولا في الميدان أحزاب متينة، ذات صدقية، وقدرة على المبادرات المقنعة؛ ولا في البلاد مؤسسات مؤهلة لتنشيط الحياة السياسية بعد أن استهلكت هيبتها في الخضوع المهين لإرادة السلطة، والاستجابة لإملاءات الإدارة.. ولا نقابات، ولا جمعيات تستطيع التعبئة لمنع الانفلات.. ولا خطة من الحكم لفتح المجال السياسي والإعلامي لتنفيس القدر المكتومة، بإتاحة فرص التعبير والتحاور في الـشأن العام.. لاشيء من هذا على الإطلاق!! ولكن الكلام المخيف هو الموجود، في كل مكان، وفي الفايس بوك وإخوته كلام لا ينتهي.. وضمائر المعنيين‭ ‬في‭ ‬عطلة‭! ‬والبلد‭ ‬مفتوح‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬الاحتمالات‭.. ‬والقول‭ ‬عندنا‭ ‬هو‭:‬
     
    ‮”‬‭ ‬أرى‭ ‬خـَلـَلَ‭ ‬الرَّمادِ‭ ‬وَمِيضَ‭ ‬ناٍر‭ ‬‮      ‬ويُوشِكُ‭ ‬أن‭ ‬يَكونَ‭ ‬لهُا‭ ‬ضِـرَامُ‭ ‬
    فـإنّ‭ ‬الــنارَ‭ ‬بالعُـودَيْـن‭ ‬تــذكـَـى‮      ‬‭ ‬وإنّ‭ ‬الـحـرْبَ‭ ‬أوَّلـُـها‭ ‬كـَـلامُ‭ ‬‮
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!