-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

أصدق نظرية

أصدق نظرية

في منتصف السبعينيات من القرن الماضي أصدر المفكر الفرنسي روجي قارودي (وكان لما يُسلم بعد)، كتابا عنوانه: “في سبيل حوار الحضارات”، أنحى فيه باللوائم الشديدة على “الغرب”، لما يزعمه من احتكار العلم والحضارة، ولما ارتكبه من أبشع الجرائم في حق حضارات شعوب آسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية وثقافاتها التي تتسم بالجمال والحكمة والنبل الإنساني..

كما دعا في هذا الكتاب إلى انفتاح الغرب على التراث الإنساني الذي أبدعته هذه الشعوب.. وفي ذلك ما فيه من اعتراف بالآخر، وإثراء للحضارة الإنسانية المشتركة.. وربما جالت هذه الفكرة في خلد جارودي بعد احتكاكه بالإسلام، وتعمّقه فيه، وهو ما انتهى به إلى إعلان إسلامه.. وما أثاره ذلك من ضجة إعلامية، لأن جارودي كان من كبار مفكري الشيوعية.. وبعدما كان “نجما” بالنسبة إليهم، صار بعد إعلانه الإسلام إنسانا “عاديا” وليس مفكرا.. وغير بعيد أن روجي قارودي كان متأثرا في دعوته بمبدإ من مبادئ الإسلام القائل بأن الناس جميعا من آدم، وأنه لا فضل لأحد على أحد إلا بالعمل، وأن الله – خالقهم – جعلهم شعوبا وقبائل ليتعارفوا، ويستفيدوا من بعضهم بعضا..

وجاء منتصف التسعينيات من القرن نفسه ليخرج علينا مفكرٌ أمريكي بنظرية سماها “صدام الحضارات”، وهذا المفكر هو صموئيل هنتنجتون.. وتلقفَ الفكرةَ من تخصصوا في التقاط كل شاردة وواردة، وراحوا – خاصة في عالمنا العربي– يعقدون الملتقيات الدولية، ويدعون الأساتذة من جميع الأعراق والألوان والأديان ليكذِّبوا ما ذهب إليه هنتنجتون..

ما أرى الرجل إلا “صادقا” في كلامه من أن العلائق بين البشر هي علائق صدامات، ولا يمكن أن تزول هذه الحقيقة، “فالحق والباطل في صراع منذ ركّب الله الطباع”. (آثار الإبراهيمي ج4. ص 201). ولا يهم إن كان هذا الصراع على مستوى الأفراد، أو على مستوى الدول جميعا أو أشتاتا..

والقرآن نفسه يؤكد هذه النظرية، ويسمِّيها “التدافع”، الذي هو “سُنّة” من سنن الله في الاجتماع البشري، ولا مبدل لسنة الله.. فالدنيا كلها تدافعٌ بين الخير والشر، وبين الحق والباطل.. ولولا التدافع لفسدت الأرض كما أكد القرآن.. ولقد زُيّن للناس حبُّ الشهوات وامتلاك الثروات، ولكن الناس – أفرادا أو دولا– لا يسلكون دائما أنبل الطرق، ولا يستعملون دائما أشرف الوسائل لإشباع هذه الشهوات وامتلاك هذه الثروات..

من أجل ذلك أمر الله –عز وجل– بعدم الاعتداء وعدم أخذ المسلم ما ليس له فيه حق، ولكنه في الوقت نفسه أمره أن يستعدّ ويعد لرد كل اعتداء على نفسه، أو عرضه، أو دينه.. بشرط أن يكون ذلك الرد مساويا للاعتداء.. “من اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم”.

ومن أجل ذلك أيضا أمر الله –عز وجل– المسلمين أن يعدّوا كل نوع من أنواع القوى حتى لا يطمع فيهم طامع، ولا يستبيح أرضهم ظالم، وأوجب عليهم الجهاد دفاعا عن الأرض والعرض.. وها هو الغرب الأناني يعمل آناء الليل وأطراف النهار حتى لا يمتلك المسلمون أي نوع من القوى.. ولن تنفعهم –المسلمين– لا الاتفاقيات ولا المعاهدات.. لأنها سيُضرَب بها عرض الحائط إذا وسوس شيطان الأطماع في صدر هذا الإنسان أو هذه الدولة.. وانظروا إلى حال الفلسطينيين الذين اتحد عليهم الدينان “الصالب والمصلوب” رغم مئات الاتفاقيات والمعاهدات “الضامنة” لحقوق الإنسان…

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
12
  • الطاهر

    يقول عز و جل دفع الناس بعضهم لبعض و ليس دفع بعض المسلمين لبعض الكفار يعني الحق يدافع عن نفسه من الباطل ايما كانت ديانة الحق او الباطل.....تحيات

  • sadek

    و بالتالي إسقاط مصطلح الفالشية لفظا و معنا على الإسلام لا علاقة له بالحقائق التاريخية الخاصة بالحضارة الإسلامية فهو خطأ وصفي لا يخدم الحقيقة بصدق وموضوعية.
    أما عن ذكاء الغرب كما يحلو و يعجبك وصفه فهو في الحقيقة مكر و خبث الغرب أنتج حضارة قامت و مازالت تقوم على نهب خيرات الشعوب.
    إذا فخلاصة القول أن التعبير عن الأفكار بمصطلحات مستعارة لا يعدو مجرد سفسطة تضل إلا ضعاف العقول.
    صح رمضانك يالسي المدعو سمير و أرجو أن تتقبل النقد بصدر رحب فنحن في شهر الرحمة و الغفران

  • sadek

    يالسي المدعو سمير تعليقك لا يخلو من مغالطات و هي كالتالي
    فانتصار الإسلام على المسيحية الشرقية غايته لم تكن عسكرية مادية وهيمنة ثقافية و إنما كانت جلاء نور الحق و عدله على ظلام الباطل وظلمه الذي كرسته الكنيسة وليس نبي الله و رسوله عيسى عليه الصلاة و السلام و على النبي و الرسول الكريم محمد و جميع أنبياء و رسل الله.
    الفاشية التي ألصقتها بالإسلام هي عبارة عن مصطلح مستعار و ليس أصيل مصدره البيئة الثقافية الغربية الأوروبية و الايطالية على الخصوص.يتبع...

  • أحمد/الجزائر

    الإسلام بريء من التصرفات المعوجة لبعض من ينتسبون للإسلام
    و يسمون أنفسهم مجاهدين و دعاة .
    الوهابية سياسة آل سعود لبسط نفوذهم و ليست دينا ... و الإخوان منهج و سياسة و ليس دينا .
    كما ارجو أن تنتبه إلى خطأيك الجسيمين في قولك "الفاشية الإسلامية" و" فرضت قيمها
    ومفاهيمها المتخلفة عليها"
    هذا الكلام المعوج يعادل تماما ما تقوله الوهابية و الإخوانية.
    الفاشية مظهر بشري قد يعود مثله في أي مكان في العالم .
    و المفاهيم المتخلفة هي العصبية و القبلية و التطرف و هذه "المفاهيم"يرفضها الإسلام .

  • حمورابي بوسعادة

    إن الله عز وجل قوي يحب الأقوياء ...والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين .

  • عبدالحميد السلفي

    تابع *وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجرِ قلب واحد منكم ما نقص من ملكي شيئا ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني ، فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر ، يا عِبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها ، فمن وجد خيرا فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ) رواه مسلم .

  • عبدالحميدالسلفي

    عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربِه عز وجل أنه قال : ( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي ، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته ، فاستهدوني أهدكم ، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته ، فاستطعموني أُطعمكم ، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته ، فاستكسوني أكسكم ، يا عبادي إنكم تخطئون بالليلِ والنهار ، وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم ، يا عبادي إِنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني ، يا عبادي لو أن أولكم >>>

  • الطيب

    و لماذا يحتفظ المسيحيون في فلسطين بالوصية العمرية و يقبلونها إلى يومنا هذا !!؟ أليس الإسلام هو الذي صنع عمر الفاروق الذي أوصى بالمسحيين و بكنائسهم خيرًا !؟ كم هو سهل عندكم التجني على الإسلام و على التاريخ !

  • جهيد

    ما رأيك يا شيخ في السيناريو المستقبلي المحتمل لما يعرف بـ"صدام الحضارات" والذي أشار إليه الكثير من المفكرين، وقد طرح هذا الرأي عقب أحداث 11 سبتمبر بأن هذه هي الجولة الأخيرة بين الإسلام السياسي والغرب وأنها ستؤدي إلى "نهاية ما يسمي بالعالم الإسلامي" ، أي القضاء على الإسلام السياسي نهائيا خلال عدة عقود، لان الإرهاب قاد هذه الجولة والعالم الاسلامى في اضعف حالاته ، وربما هذا ما جعل البعض يقول أنها أخطر محنة يتعرض لها العالم الإسلامي .

  • طارق

    رؤية صائبة دكنورنا الكريم ، لكن شتان بين الدعوة " دعوة غارودي " الى عدم نبذ الآخر و قبول من هم يختلفون عنا في الثقافة و الفكر فهي دعوة الى الأنسة بلغة محمد اركون
    اما المفكر الأمريكي هانغتون ربما نظريته في صميمها ايديولوجية تكرس الوضع الراهن وتبرر العنف و نبذ الآخر و دعم لفكر انا او لا احد ، اي وجهة نظر متطرفة انانية تختزل الاخر ......... واما روجي غارودي شانه شأن صديقه مالك بن نبي الذي هو الآخر كان يدعو الى سلام عالمي ، و نظرية دفع لله الناس بعضهم ببعض ، ربما يقابلها ، قُلْ يَا أَهْلَ -64 ال

  • سمير

    من السهولة جدا أن نلوم الغرب على حروبهم لتغيير العالم ،ورغم أن صراع الحضارات هو مصطلح حديث إلا أن هذا الصراع قد بدأته الفاشية الإسلامية منذ وقت مبكر ضد المسيحية المشرقية وفرضت قيمها ومفاهيمها المتخلفة عليها ،لازالت المنطقة تعاني منها وستظل تعاني منها إلى يوم القيامة، ظهور نماذج كالفكر الوهابي وإخوان المسلمين ووو.. بالتأكيد يسعد الغرب ويغذيها من اجل تنفيذ أجندتهم، فعلينا لوم إفرازات مجتمعاتنا قبل أن نلوم ذكاء الغرب.

  • merghenis

    المفكر الفرنسي روجي قارودي - توفي في 13/06/2012 و اليوم 13/06/2016 ... صدفة ؟