-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

“أظهر الحق يتبعك أهله”

“أظهر الحق يتبعك أهله”

عندما يقرأ الإنسان سير بعض علمائنا ينبهر أشد الانبهار، ويعجب كبير الإعجاب بهم، لما تميزوا وامتازوا به من قوة الشخصية، ورجاحة العقل، وكِبر النفس.. فيزداد إعجابا بهم، وإكبارا لهم.. ويتساءل في حسرة: لماذا لا تُدرّس سِير هؤلاء العلماء إلى تلاميذنا وطلابنا، فيتأثرون بهم، ويتخذونهم قدوة، بدلا من الحُثالات التي يفرضونها على تلاميذنا وطلابنا…

من هؤلاء العلماء عالم تُستصغر في حقه كلمة “عالم”، لأنها تجمعه مع أُناس يبدون أمامه أقزاما.. وقبّح الله “الاشتراك اللفظي” كما قال الإمام الإبراهيمي… هذا العالم هو عمرو بن عُبيد. استدعاه يوما الملك – ولا أقول الخليفة – أبو جعفر المنصور، فأسمع هذا العالم ذلك الحاكم ما يجب أن يقوله عالم عامل حر، يعرف الله – عز وجل – ويخشاه، ويعلم أن الله سائله عما عمل فيما عَلم. ومما قاله هذا العالم لذلك السلطان: “إن الله أعطاك الدنيا بأسرها، فاشتر نفسك منه ببعضها، واعلم أن هذا الأمر الذي صار إليك إنما كان في يد من كان قبلك، ثم أفضى إليك، وكذلك يَخرج منك إلى من هو بعدك، وإني لأُحذرك ليلة تتمخّض صبيحتها عن يوم القيامة..”

كان من الحاضرين في ذلك اللقاء متزلّف، متملّق، يُسمى سليمان بن مجالد، فحاول أن يُوقف ذلك العالم قائلا: “رفقا بأمير المؤمنين”. فسأله عمرو بن عبيد في سخرية: “من أنت؟”.

فخاطب السلطان ذلك العالم قائلا: “أولا تعرفه؟”.

فأجاب: “وما أبالي ألاّ أعرفه”. فقال السلطان: “إنه أخوك سليمان بن مُجالد”..

فقال عمرو بن عبيد: “هذا أخو الشيطان”، ثم التفت إلى سليمان، ووجّه إليه كلام الناصح الأمين: “خزنت نصيحتك عن أمير المؤمين، ثم أردت أن تحول بينه وبين من أراد نصيحته”. ثم أقبل على السلطان يعظه، ويوقظه من غفلته، ويحذره من بطانة السوء، التي تزيّن له أعماله، وقال له: “يا أمير المؤمنين، إن هؤلاء اتخذوك سلّما لشهواتهم، فأنت كالآخذ بالقرنين وغيرك يحلب، فاتق الله، فإنك ميت وحدك، ومحاسب وحدك، ومبعوث وحدك، ولن يُغني عنك هؤلاء من ربك شيئا”. فقال المنصور لعمرو بن عُبيد “أعني بأصحابك فأستعين بهم دون هؤلاء”.. فسكت عمرو لحظات ثم قال له: “أظهر الحق يتبعك أهله..”.

قال السلطان لعمرو بن عبيد: “هل من حاجة فأقضيها لك؟ فقال عمرو بن عبيد: نعم… فاستعجله السلطان: “وما هي حاجتك”.. وظن السلطان أنه سيسأله حاجة من حوائج الدنيا.. ولكن عمر بن عبيد كان أكبر مما ظن السلطان، وقال له: “حاجتي ألاّ تبعث إليّ حتى آتيك”.. وافترق العالم والحاكم .. وخيّم صمت على المجلس أشبه بصمت القبور، الذي هو عند  الحكماء أبلغ من كل كلام وما أحوج أمتنا إلى علماء مثل عمرو بن عبيد لا يشترون التين بالدين، ولا يعينون الشيطان على السلطان.. 

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
2
  • عليوات

    هده الواقعة يجب ان ترفع في وجه الزبائن بائعي الدمم وراغبي السلطة الراكبين لكل موج والدين يدمجدون الرئيس والوزير ويدافعون عن بقائه باي ثمن ويمنعون النقد والتقويم لاغراض ونزوات شيطانية وما اكثرهم اليوم

  • merghenis

    عمرو بن عُبيد... شخصية مثيرة للجدل ـــ حسب ما هو موجود على الشبكة.