ألـّي ما شاورك هنـّاك!
بعيدا عن مضمون مسودة تعديل الدستور، قد يتوقف البعض عند طبيعة الأحزاب والشخصيات والتنظيمات وأطياف المجتمع المدني، الذين تلقوا أو سيتلقون لاحقا، الدعوة أم “الاستدعاء”، للمشاركة في المشاورات في فصلها الجديد، بعد تلك التي توّجت بالمسودة الموزعة عليهم لمطالعتها ومناقشتها وإثرائها لمن استطاع إليه سبيلا.
ما الذي يُمكن انتظاره من أحزاب مجهرية فشلت على مدار العديد من المواعيد الانتخابية، في الظفر بحفنة مقاعد تمثيلية، سواء في البرلمان أو المجالس المخلية؟ وما الذي بإمكان هذه “الحزيبات” أن تقترحه وهي التي يتجاوز عدد قيادييها عدد مناضليها والمناصرين لها ومن يسمع بها!
هل من الموضوعي أن نعود إلى تجربة استشارة جمعيات من عيار جمعية تربية النحل وجمعية اصطياد حوت القرش وجمعية مطاردة القطط الضالة؟ وهل من العقل أن تطالب منظمات بإشراكها في صياغة دستور الجزائريين، خاصة إذا كانت من شاكلة منظمة الاحتفال بعيد الفراولة ومنظمة إحياء عيد الحبّ ومنظمة تصدير اللفت!
وهل من الحكمة إحضار واستحضار “منسيين” ومستقلين ومنشغلين بحوائجهم الشخصية والعائلية، للإدلاء برأيهم في “الدستور التوافقي”، وهم من يلتزمون صمت القبور منذ سنوات طويلة، ليس من باب أن الصمت حكمة، أو لأنهم “عڤاڤنة”، ولكن لأنهم “ما عندهم ما يقولوا”؟
هذا ليس تحريض على لإقصاء والتهميش والاستصغار والاحتقار، لكن من الضروري الابتعاد عن التعويم والتمييع، وعلى بعض الأطراف أن تعمل بالمثل القائل: “عاش من عرف قدره”، فلا يتدخل الميكانيكي مثلا في وظيفة الطبيب الجرّاح، ولا يتدخل السياسي في عمل المعلم والإمام والفلاح والخبير، ويدّعي زورا وبهتانا أنه مفتاح لكل شيء!
صدق من قال قديما: “ألـّي ما شاورك هنـّاك”، لكن لا يجب أبدا أن يتنصل هؤلاء وأولئك من: “وأمرهم شورى بينهم”، وأيضا من: “ما خاب من استشار وما ندم من استخار”، وقد يكون ذلك سبيلا للخروج بأفكار متفق عليها، بوسعها تحقيق الوفاق بالاتفاق لتبديد النفاق والشقاق!
نعم، “يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر”، لكن هذا لا يعني “أطلق ما في يديك وشدّ ما في الغار”، فالمشاورات المنتظرة بين المدعوين إلى “عرس” تعديل الدستور، عليها أن لا تكون مأدبة يتسلـّل إليها “أشعب” دون “عرضة”، مثلما لا يجب أن تكون “مندبة كبيرة والميّت فار”!
هو اختبار حقيقي وفاصل للطبقة السياسية، حيث ستثبت كفاءتها في قوّة المبادرة وجدوى الاقتراح، والقدرة على الاستماع والإقناع، وهي أيضا فرصة لاكتشاف “المواهب” والإبداع لدى من لم تسعفهم الانتخابات والانتشار الشعبي على الظهور وإثبات حسن السيرة والسلوك!