أمريكا اللاتينية “العربية”.. وعرب “أمريكا” !!
أصبحت غزة مصوغا جديدا فاعلا للقضية الفلسطينية بل ومولد المقاومة وفعلها المقتدر.. واستطاعت بفعل صمود الشعب الفلسطيني قادرة على إعادة ترتيب الأولويات في الاقليم كما أعادت من جديد لكثير من الدول في العالم دورها الدولي وهكذا تصبح غزة لاعبا رئيسيا ليس فقط على المستوى الإقليمي والمحلي بل والدولي.
لا يتردد أي عربي ومسلم في رفع يده محييا شعوب وحكومات أمريكا اللاتينية التي أصرت أن يكون موقفها تجاه جرائم الحرب الاسرائيلية في حق أهل غزة وفلسطين عموما موقفا واضحا متميزا، فمن الأرغواي وتشيلي والبرازيل وفنزويلا وسواها من الدول التي تبدي اهتماما بالغا بالقضايا العربية..فلقد جاء الموقف الأمريكي اللاتيني بطرد سفراء الكيان الصهيوني وقناصلته تعبيرا أصيلا عن مواقفها من القضية الفلسطينية وإسنادا حقيقيا لاستعادة الشعب الفلسطيني حقوقه الوطنية.
ولا يتردد عربي ومسلم في استهجان ما أبدته الحكومات العربية من تقصير تجاه العرب المسلمين في فلسطين.. ولعل التقصير لم يقف عند حدود معظم الحكومات العربية والإسلامية بل امتد إلى كثير من الأحزاب الاسلامية والقومية والوطنية واليسارية بل يكون الأمر وصل إلى قطاعات شعبية في بعض البلدان حيث تم جذب الناس إلى قضايا مفتعلة هنا أو هناك.
وغني عن القول ما أبدته نخب أوروبية وأمريكية سياسية وثقافية من مواقف حازمة ضد جرائم الحرب الاسرائيلية بل وما أبدته قطاعات واسعة من شعوب الولايات المتحدة الامريكية والدول الاوربية..الى الدرجة التي طالبت المسيرات في لندن وبعض الدول الأوروبية بطرد السفير الاسرائيلي وفرض عقوبات على الكيان الصهيوني..كما صرح كثيرون من أعضاء البرلمان البريطاني وشخصيات فرنسية بمواقف مدوية سيكون لها دور رئيس في تصحيح الرأي العام الأوروبي في المرحلة القادمة.
نعود الى الحديث عن دول أمريكا اللاتينية وموقفها الذي دفع بعضنا الى القول كأننا نكتشف أن هناك عربا أكثر عروبة من أصحاب السياسة في بلداننا فرغم أن تلك الدول على حدود الولايات المتحدة الامريكية حيث النظام الاستعماري الاكثر عنفا وإرهابا في العالم.. وحيث الخطر الاستعماري قائم ولا قبل لتلك الدول في مواجهة الجيوش الامريكية التي طالما استباحت تلك الدول وسجنت حكامها واستعبدت شعوبها وتحكمت في ثرواتها ومواقعها الحيوية.. فماذا يعني أن تخرج هذه الدول بشعوبها وأحزابها لتقف في خندق واحد مع العرب والفلسطينيين في قضاياهم.
يبدو أن الامر يحتاج الى غوص في شخصية شعوب أمريكا اللاتينية ومواجهتهم النضالية ضد أشكال الاستعمار الاوروبي وقد يحتاج الأمر الى قراءات ثقافية في الشخصية اللاتينية حتى نستطيع التوصل لمنابع المواقف النبيلة والشريفة التي تجسدها أمريكا اللاتينية.. ولكننا هنا نجد أنفسنا مضطرين للاكتفاء بالإشارة ولعلها تغني عن طول العبارة.
المهم هنا أن نؤكد أن العالم لم يعد بقبضة الامريكان ولعله لم يكن يوما بقبضتهم لكن هكذا أفهمتنا الدعايات المغرضة والسياسات التابعة الخائبة لنستسلم لقراراتها ومشاريعها في منطقتنا..وأن نؤكد أن العالم في معظمه كاره للصهيونية ومندد بجرائمها وهو يصطف مع دفاعنا عن حقوقنا وهو يعرف أن مثل هذه المواقف قد تجلب عليه عواقب وخيمة..ومن المهم أن نؤكد أن العالم يتململ لتفسيخ الهيمنة الاستعمارية وأن قوة الهيمنة وسطوتها تراجعت مسافات طويلة..ولقد تم تحقيق ذلك بتراكم النضال الذي قامت به قوى التحرر في العالم العربي والإسلامي وفي أكثر من مكان في العالم لاسيما في أمريكا اللاتينية..ورغم هذا كله فلا بد من تسجيل أن التردد الرسمي العربي وانكماش النخبة لا يمكن فهمه إلا على اعتبار أنه طلب ود وإبداء حسن نية تجاه الحركة الصهيونية لنيل رضاها في محافل دولية ولدى صانع القرار الغربي والأمريكي منه بشكل خاص ..
لقد كشفت حرب غزة الأخيرة إلى أي مدى أصبح النظام العربي مستلبا ومهانا ومستسلما للأجانب مسجلا غيابا مخلا لدور البلد وانتمائه ولولا ضغط الشارع العربي الذي يميز غضبا وألما لما صدر عن أي منه تصريح ولو مجرد تصريح..والغريب أن الولايات المتحدة السيد المهاب والمحسوب بدقة مشاعره تتكلم بشكل شبه يومي من خلال رئيسها ووزير خارجيته والناطقين الرسميين تدعو لوقف العنف وتتكلم في تفاصيل المسألة الأمنية السياسية بل إنها تبدي مرونة لم تتوفر لبعض النظام العربي الذي تمترس وراء موقف لا يفهم منه الا تبرئة اسرائيل من جرائمها.. ولعل أدوار قطر وتركيا وتونس وسواها تفيد بأن الامريكان لم يمانعوا ان يتعاطى النظام العربي مع الشأن الفلسطيني ولكن يبدو أن الإصرار من قبل النظام العربي بعدم التورط في أي موقف قد يزعج الاسرائيليين هو الذي انتهى بالدول العربية إلى ما نعيشه اليوم من حالات احتقان شعبي قد تنفجر مكملة لقوس الفتنة والعنف.
إن أدق تسمية لكثير من المستغلين مواقعهم في قيادة الامة أنهم عرب أمريكا وليس المقصود بالتسمية العرب الامريكان الذين يعيشون في أمريكا فهؤلاء متقدمون في مواقفهم وعطاءاتهم لقضايا أمتهم وهم يواجهون بجرأة مشاريع الولايات في العالم الثالث ..ففي أمريكا برز قادة فكريون ومثقفون كبار كان لهم دور بارز في التعريف بقضايا أمتهم..أما هؤلاء الذين استسلموا لمنطق الوصاية الامريكية والأبوية الامريكية فهم من شوه صورة العرب وأهانهم ومرر عليهم ما ينبغي أن لا يمر من قرارات ومشاريع.
رغم كل شيء فإن المقاومة الباسلة ضربت موعدا للمقاتل العربي أن يحقق توازن رعب ملتقطا من نار المواجهات والمعركة العنيفة شرط التوازن الذي حاولت إسرائيل بكل ما لديها من قوة عسكرية وأجهزة دعاية وحركة سياسية أن تحرم المقاوم الفلسطيني هذه المزية..لقد كانت حربا قاسية على الفلسطينيين ولكنها أيضا وجهت رسائل للتجمعات الصهيونية بأن المسألة لم تبرح نقطة البداية.. تولانا الله برحمته.