الأحكام في قضية الوزير براقي وتبديد 600 مليار يوم 10 نوفمبر
طوّت محكمة القطب الجزائي الاقتصادي والمالي، في ساعة متأخرة من يوم الثلاثاء، محاكمة الوزير السابق للموارد المائية أرزقي براقي ومن معه، المتابعين في ملف سد “مجاز البقر” بقالمة، بمنح المتهمين الكلمة الأخيرة، أين طالبوا جميعهم بالإنصاف، وصرحوا بأنهم أبرياء، قبل أن تعلن القاضية عن رفع الجلسة وإحالة القضية للمداولة للنطق بالأحكام بتاريخ 10 نوفمبر الداخل.

وأجمعت هيئة الدفاع عن المتهمين، خلال مرافعتها، على أن مشروع سد “مجاز البقرة” حقق الأهداف الاقتصادية المرجوة، حسب ما أثبته تقرير المفتشية العامة للمالية، وشددت على أن “عجلة الاستثمار في الجزائر يجب أن تواصل السير إلى الأمام”، على أن يتم إخلاء سبيل هؤلاء الإطارات الذين مارسوا مهامهم في إطار قوانين الجمهورية والمراسيم التنفيذية والمبادئ الأساسية لقانون الصفقات العمومية وهي السياسة الرشيدة التي انتهجها الرئيس تبون خلال عهدتيه السابقة والحالية.
براقي كان في السجن… فلا ناقة ولا جمل له في الملف
وفي هذا السياق، دعّم وليد رحموني، محامي الدفاع عن براقي، مرافعته المطوّلة بتقديم كل الوثائق والمستندات والأدلة التي من شأنها إسقاط التهم عن موكله قائلا: “إنه بالرغم من تواجده في السجن، إلا أنه وجهت له تهم الإمضاء والتأشير على ملاحق لإنجاز السدود والتمست النيابة في حقه 10 سنوات؟”
وتطرق رحموني بالتفصيل إلى ظروف وحيثيات انطلاق الملف، كما أثار جملة من التحفظات بشأن إجراءات التحقيق قائلا: “موكلي تم سماعه على واقعتين ترتكزان على أنه لم يحترم مبدأ الشفافية ودفتر الشروط، بالله عليكم، سيدتي الرئيسة، لما تم إبرام الملحق الأول براقي كان قد غادر الوكالة لمدة تزيد عن 8 أشهر وتولى خلالها منصب وزير، أما بخصوص الملحق الثاني والثالث، فقد كان في السجن، وعليه، فإن الملاحق أبرمت بعد مغادرته… فكيف تفسرون ذلك إذن؟”
وعرج الدفاع على تقرير الخبرة المنجزة من طرف المفتشية العامة للمالية، وهنا قال: “موكلي تمت متابعته بـ4 تهم مثله مثل الجميع، فقد تم توزيعها على نفس المنوال… لا، سيدتي الرئيسة، أتأسف على ذلك، فموكلي مدير عام للوكالة وهي مؤسسة صناعية ذات صبغة تجارية، إذن المادة 48 ليس لها محل من الإعراب …”
كما أثار المحامي مسألة اللجوء إلى خبراء غير مسجلين في الجدول، مشيرا إلى المادة 240/3 من قانون الإجراءات الجزائية، ومؤكدا ضرورة وجود قرار مسبب في مثل هذه الحالات، وتساءل الدفاع عن مدى احترام الإجراءات المتعلقة بأداء الخبراء اليمين وتحرير المحاضر، وفق المادة 241/5، كما أثار مسألة إشعار الأطراف بمباشرة أعمال الخبرة وتوقيع التقرير.
وقال: “بخصوص التحقيق النهائي الذي وقفتم فيه على كل صغيرة وكبيرة، أريد أن أنبه إلى نقطة جد مهمة وهي تعيين خبير من دون علمنا، كما أن خبراء المفتشية العامة للمالية لم يحترموا عدة إجراءات، وطبقا للقاعدة العامة، فإن القضاء يعين الخبراء المعتمدين الذين هم في القائمة، وهذا ما تفتقده هذه الخبرة… فأين هو محضر أداء اليمين؟ أين هو التعهد ؟… غير موجود. إذن الخبرة هذه من الناحية الشكلية والموضوعية يجب أن تمنح لأهل الاختصاص.
وثار رحموني مخاطبا هيئة المحكمة: “ماذا يفهم هؤلاء في الري والسدود وهم مختصون في المحاسبة والمالية؟… كيف تستند جهات التحقيق على هذه الخبرة؟ وعلى هذا الأساس، نطلب باستبعاد هذه الخبرة”.
وخلال تفصيله للمراحل الإدارية لإعداد دفتر الشروط، أوضح الدفاع أن العملية مرت بعدة مراحل إدارية وتقنية، مؤكدا أن موكله لم يكن الجهة التي أعدّت دفتر الشروط بصفة منفردة، مشيرا إلى أنه يعد من قبل مديرية الدراسات، بمساهمة مديرية الصيانة والمراقبة ومديرية الإنجاز، ثم يعرض على لجنة الصفقات العمومية للوكالة، وبعدها يحال على اللجنة القطاعية للصفقات للدراسة والمصادقة.
وأوضح رحموني أن دفتر الشروط الخاص بصفقة سد “مجاز البقر” تمت المصادقة عليه من طرف لجنة الصفقات، وتم التأشير عليه من قبل اللجنة القطاعية، من دون تسجيل أي اعتراض من مركز اتخاذ القرار، مشيرا إلى أنه تم استعمال نفس النموذج في عمليات أخرى مماثلة، مؤكدا أن الاتفاقية المبرمة مع مكتب الدراسات ISL لإعداد الدراسة، تم توقيعها من طرف المدير العام السابق، وليس من طرف موكله، مؤكدا أن موكله لم يوقّع أي اتفاقية مع مكتب الدراسات المذكور.
كما تطرق رحموني إلى مسألة تسجيل العملية، موضحا أن عملية تسجيل المشروع تخضع لإجراءات إدارية ومالية خاصة، تتعلق بقانون المالية وتقديرات وزارة المالية، وأن موكله لم يكن هو من قام بتسجيل العملية بصفة انفرادية.
وأمام ما تم تداوله من مرافعات في حق الوزير براقي، اعتبر الدفاع أن الملف خلا من أي دليل مادي يثبت تورط موكله، في منح امتيازات غير مبررة أو تبديد أموال عمومية أو سوء استغلال الوظيفة، ملتمسا من هيئة المحكمة إعلان براءة موكله من التهم المنسوبة إليه، للأسباب التي تم ذكرها أثناء مرافعته، واحتياطيا تطبيق أقصى ظروف التخفيف.
دفاع المتهم “ر.س”: موكلنا هو الحلقة الأضعف في الملف
وفي مرافعة قوية لهيئة دفاع المتهم “ر.س” موظف ومسؤول تسيير أشغال مشروع سد “مجاز البقر” بشركة “رزازقي حسين”، اعتبرت فيها أن موكلها الذي صدر في حقه أمر بأن لا وجه للمتابعة جزئيا، فلا جمل ولا ناقة له في ملف الحال، وأنه مجرد موظف لا يحوز على أي صلاحيات ومهمته الوحيدة هي تنفيذ أشغال المشروع في الميدان.
وتمسك المحاميان مريم كبير وكمال علاق ببراءة موكلهما، مستندين بذلك إلى تقرير خبرة المفتشية العامة للمالية وبطاقات تقنية رسمية لعدة سدود، وشددا على أن تكلفة إنجاز سد “مجاز البقر” أقل آجالا ليدحضا تهمة التبديد العمدي للمال العام.
وفي هذا السياق، أثار علاق، خلال مرافعته، تساؤلات بشأن استمرار متابعة موكله “ر.س” بتهمة المشاركة في تبديد أموال عمومية، بعدما صدر أمر بأن لا وجه للمتابعة جزئيا بشأن التهم الأخرى، وقال إنه كان ينتظر أن ينتهي التحقيق إلى انتفاء المتابعة في حق موكله، مستندا إلى طبيعة مهامه التقنية وما تضمنه الملف من وثائق وخبرة مالية.
وأوضح علاق أن “خبرة المفتشية العامة للمالية التي شملت منح الصفقة وتنفيذها وملاحقها وتحديد المسؤوليات والأضرار المحتملة، أكدت في حصيلتها الختامية أن الأهداف الاقتصادية من هذا المشروع تحققت من خلال زيادة سعة السد وتوسيع مساحة الأراضي الزراعية المسقية، مشيرا إلى أن الأشغال نفذت وفق أوامر الخدمة الصادرة عن الوكالة الوطنية للسدود والتحويلات، وبعد مراقبة الدراسات التنفيذية من مصالحها المختصة، مع مراعاة التوصيات التقنية ومتابعة الهيئة الوطنية للرقابة التقنية للري.
وشاطرته الرأي زميلته المحامية مريم كبير، والتي رافعت من أجل براءة موكلها باستعمال جميع الأدلة والقرائن التي من شأنها أن تسقط التهم الموجهة إليه، حيث استندت بدورها على مذكرة صادرة عن الصندوق الوطني للتجهيز من أجل التنمية الخاضع لوصاية وزارة المالية، والتي أبرزت تنفيذ أشغال تعلية السد وأشغال التعزيز بالتزامن ما يتيح تفادي تعديلات لاحقة على المنشآت وما قد ينجم عنها من تكاليف إضافية…
واعتبرت المحامية أن تأكيد هذه الهيئة جدوى تزامن الأشغال لتجنب تكاليف إضافية يمنح حجته سندا فنيا واقتصاديا من جهة مختصة، وليس من المؤسسة المنفذة، من دون أن يعني ذلك أن المذكرة تشكّل موافقة قانونية على جميع الملاحق أو حكما بشأن المسؤولية الجزائية.
وشددت كبير على أن أهمية هذه النتائج تكمن في صدورها عن جهة رقابية مالية مختصة، وفي اتصالها المباشر بالأشغال، أُنجزت فعليا وبالأهداف الاقتصادية التي حققها المشروع، بحسب الخبرة، موضحة ما نسبته إلى محامي الوكالة الوطنية للسدود والتحويلات، بصفتها صاحبة المشروع، من تأكيد عدم تعرض الوكالة لخسائر نتيجة إنجاز السد، واعتباره إنجازا وإضافة لها، وأن الأشغال أُنجزت بأسعار تنافسية.
وتساءل الدفاع: كيف يمكن الحديث عن تبديد للأموال العمومية في مشروع تؤكد الخبرة القضائية تحقيقه لأهدافه الاقتصادية، بينما تعتبره صاحبة المشروع مكسبا لها؟ وتؤكد، وفق ما نقل عن محاميها، عدم تسجيل خسائر، مستندا بذلك على بطاقات تقنية تخص عدة سدود، قدّمتها الوكالة استجابة لطلب قاضي التحقيق، ومن بين السدود الواردة في هذه البطاقات سد “تاغريست” بولاية خنشلة، والذي اعتبره الدفاع الأقرب من الناحية التقنية إلى سد “مجاز البقر” من حيث السعة والخصائص، واعتماده أساسا للمقارنة التقنية والمالية.
وخاضا المحاميان كبير وعلاق، خلال مرافعتهما بالتفصيل، في ظروف إنجاز السد، الذي يرتبط تاريخ استلامه بسنة 2023، بتكلفة أقل وفي مدة أقصر من سد “تاغريست”، وأوضحا أن المشروع الأحدث كان الأقل تكلفة والأقصر مدة رغم فارق سبع سنوات، من دون احتساب تطور الأسعار خلال هذه الفترة، مؤكدان أن موكلهما “ر.س” كان يشغل منصب قائم على الأشغال داخل المؤسسة المتعاقدة، وأن مهامه اقتصرت على متابعة الورشة من الناحيتين التقنية والميدانية، ومعاينة تقدم الأشغال من حيث الكميات والنوعية، في إطار التعليمات وأوامر الخدمة الصادرة عن صاحب المشروع.
وتمسك الدفاع بأن مجرد حضور مناقشات تقنية أو إبداء رأي بشأن الأشغال لا يثبت المشاركة في تبديد أموال عمومية، ما لم تقم أدلة محددة على فعل شخصي تتوافر فيه الأركان القانونية للتهمة، وفق توضيح قانوني صادر عن المديرية العامة للميزانية بوزارة المالية، بتاريخ 21 ماي 2026، تحت رقم 3116، بشأن تحديد المسؤولية عن الأشغال التكميلية المدرجة ضمن ملاحق الصفقات العمومية.
واعتبر الدفاع أن هذا التوضيح القانوني يكتسي أهمية في مناقشة ظروف تنفيذ الأشغال وتحديد الجهة المسؤولة عن القرارات المتعلقة بها، إلى جانب ما أوردته خبرة المفتشية العامة للمالية بشأن تنفيذ المشروع وفق أوامر الخدمة وتحت المتابعة التقنية.
وفي هذا السياق، عبّر علاق عن استغرابه من الإبقاء على تهمة المشاركة في تبديد أموال عمومية في حق موكله “ر.س”، بعد صدور أمر بأن لا وجه للمتابعة جزئيا بشأن التهم الأخرى، مشيرا إلى أنه كان ينتظر أن ينتهي التحقيق إلى انتفاء المتابعة في حق موكله، بالنظر إلى طبيعة مهامه والوثائق التي استند إليها الدفاع.
كما أبدى استغرابه من استمرار متابعة المؤسسة المتعاقدة، معتبرا أن الملف، بحسب ما تمسك به في مرافعته، لا يتضمن أدلة تثبت ارتكابها الأفعال المنسوبة إليها، وشدد على ضرورة إثبات أفعال محددة بدل الاكتفاء بمجرد الارتباط المهني للمتهم أو الارتباط التعاقدي للشركة بالمشروع.
وفي ختام المرافعة، التمس الدفاع التصريح ببراءة “ر.س”، ورفع الحجوزات والمنع من السفر المفروض عليه، وإرجاع جواز سفره. ويبقى الفصل في الوقائع والأدلة من اختصاص المحكمة وفق القانون وقرينة البراءة.
هيئة دفاع المدير العام السابق “م. مسعود”: موكلنا احترم بنود الصفقات العمومية
وبالمقابل، ركّزت هيئة الدفاع عن المدير العام السابق للوكالة “م.مسعود”، في مرافعتها، على احترام موكلها لبنود قانون الصفقات العمومية، حيث استهل المحامي محمد لمين مرافعته بالقول: “الأعباء التي وقعت على موكلي هو إمضاؤه على الملاحق الثلاثة، بالرغم من أن الإمضاء كان قانونيا ووفقا لمضامين قانون الصفقات العمومية، وهذا من باب حسن التسيير، وعدم عرقلة الأمور، وموكلي معروف بالانضباط والتدقيق في عمله ومهامه”.
وعاد لمين إلى قضية الملاحق وفصّل في الأسباب التي دفعت بموكله إلى الإمضاء: “الملف هذا ظهر لأول مرة بناء على محضرين الأول في 15 مارس 2020 والثاني في 16 أفريل 2020، يتضمنان تغيير الصفقة، والمبلغ الإجمالي الجديد والإجراءات التي جاءت بعدها هي مجرد تحصيل حاصل… سيدتي الرئيسية، موكلي ليس له علاقة أبدا بهذين المحضرين الذي تم فيهما إعداد ملاحق وأرسلا إلى لجنة الصفقات للموافقة والإمضاء عليهما قبل أن يتولى موكلي منصبه”.
وبخصوص ملاحق صفقة سد “مجاز البقر”، أوضح الدفاع أن موكله لم يكن طرفا في الملحق الأول خلال فترة عمله السابقة، بل وجده في مرحلة التنفيذ، وكان مؤشرا عليه من طرف لجنة الصفقات القطاعية بتاريخ 24 جوان 2020، وكذا المراقب المالي، ولم يكن يعرف تفاصيل الصفقة، أما الأسعار، فقد تم التفاوض بشأنها تحت إشراف مديرية الإنجازات ناحية الشرق.
في حين يؤكد محمد لمين أن موكله بصفته مديرا عاما للوكالة، قام بالموافقة والإمضاء على الملحقين الثاني والثالث لإعادة تعزيز مشروع سد “مجاز البقر” بقالمة، بعد تمرير إعادة تقييم العملية الأولى وفق الدراسة الجديدة، مشددا على أن ما قام به يدخل في إطار التنظيم والقانون المعمول به، وعلى هذا الأساس، التمس البراءة لموكله.
وبالمقابل، استغرب دفاع المدير العام السابق للوكالة “شريف.و” جرّ موكله إلى المتابعة الجزائية، بالرغم من أن هذا الأخير لم يوقّع على الملاحق الثلاثة، باعتبار أنه خلال الملحق الأول، كان متواجدا في مناسك العمرة، أما عن الملحقين الثاني والثالث، فقد كان بالمؤسسة العقابية، وتساءلت: “ما محله من الإعراب في قضية الحال…؟”
وقبل أن يرافع الدفاع، قدّم ملف الموضوع لهيئة المحكمة مخاطبا إياها: “هذا الملف يضم جميع الأدلة والوثائق التي تثبت براءة موكلنا إحقاقا للحق، فموكلي لم يضع دفتر الشروط ولا علاقة له بظروف وملاحق الصفقة، كان فعلا يترأس لجنة فتح الأظرفة وتقييم العروض، لكن كان حاضرا فقط في لجنة فتح الأظرفة، أما خلال اجتماع تقييم العروض، فكان غائبا ومتواجدا في مكة المكرمة لأداء مناسك العمرة، بعد أن استفاد من العطلة، أما الملحق الثاني والثالث، فقد كان متواجدا في السجن وهناك شهادة الوجود كدليل قطعي عن إسقاط التهم الموجهة لموكلي، فكيف له أن يمضي على ملاحق وهو في السجن؟ هذا ضرب من الخيال”.
وفي الختام، التمس الدفاع من هيئة المحكمة تبرئة ساحة موكلها والسماح له بالعودة إلى أحضان عائلته، خاصة أنه مرهق نفسيا وجسديا بعد أزيد من 24 شهرا وهو يعاني الويلات بعيدا عن أولاده وذويه، حسب أقوال الدفاع.