“الإمام” الأكبر
يبدو أن لبعض السياسيين العرب ولعا بالألقاب الكبيرة، وربما هذا الولع تعويض عما يشعرون به من صغر طموحاتهم، وعجزهم عن تجسيد أصغر مخططاتهم، وإنجاز أقل آمال شعوبهم..
إن أظهر ما يظهر هذا الولع هو في “الرئيس” التونسي الأسبق، الحبيب بورقيبة، الذي أطلق على نفسه لقبا أكبر منه بكثير، وهو “المجاهد الأكبر”، الذي لم يتجرأ على إطلاقه على أنفسهم كبار المجاهدين الحقيقيون، كالأمير عبد القادر، وعمر المختار، ومحمد بن عبد الكريم الخطابي..
إن بورقيبة لم يخجل أن يطلق على نفسه لقب أو صفة “المجاهد الأكبر” وهو الذي لا يؤمن أصلا بالجهاد، وقد انزعج من جهاد الإخوة التونسيين الحقيقي في بداية الخمسينيات من القرن الماضي، فسارع إلى القبول بما عرضته عليه فرنسا من “استقلال شكلي”، ليتولى هو إيقاف جهاد المجاهدين التونسيين، الذي كان يهدف بالتنسيق مع جهاد الإخوة في المغرب الأقصى، واندلاع الجهاد الجزائري، كان يهدف إلى تحطيم الإمبراطورية الفرنسية، وإنهاء وجودها في المغرب العربي… يبدو أن لجارنا الباجي قائد السبسي توقا وتطلعا إلى المناصب الكبيرة، ولو جاءها من غير سبيلها، فقد تطلع إلى السياسة، فنال منها مع “المجاهد الأكبر” نصيبا موفورا، حيث قلد عدة وزارات، جرع فيها الشعب التونسي ما هو مدون في تاريخ تونس المعاصر، وتطلع إلى المناصب الدبلوماسية، فعهد إليه “المجاهد الأكبر” بتمثيل تونس في عدة عواصم عالمية، وتملق، حتى تسلق منصب الوزير الأول، ثم نال “رئاسة” تونس، وأبى إلا أن “يتزعم” حزبا جديدا، وصل من خلاله إلى رئاسة الجمهورية، ولكن طموحه لم يتوقف، وتطلع إلى ما يمكن تسميته منصب “الإمام الأكبر” وهو منصب لا يتولاه أي “برّاح”، بل هو من اختصاص “الجراح” في هذا الميدان.
ألقى سي السبسي النظر على ما حوله ومن حوله فوجد أنه سبق إلى كثير من هذه الألقاب التي أفرغت من مدلولاتها، لأنها ألبست على غير أهلها، وقديما قال ابن رشيق المسيلي: “كالهرّ يحكي انتفاخا صولة الأسد”
أوحى من يرانا ولا نراه إلى السبسي بأن يتطلع إلى لقب لم يتلقب به أي “رئيس” عربي، ولكن هذا اللقب يشترط في صاحبه أن تكون بضاعته غير مزجاة، وأن يأتي في مجاله بما يسمح له بالتلقب به..
افترص السبسي فرصة لقائه مع مجموعة من النسوة وأشباههن، وأطلق “اجتهاده” الذي لا أجر فيه، لأنه اجتهاد مع وجود النص، ولأن النص هنا لا يحتمل تعدد الرأي والاجتهاد.. فهو قطعي الثبوت، قطعي الدلالة، وليس من المظنون فيه، لا ثبوتا ولا دلالة.
لقد دلّى الشيطان السبسي بغرور، وأطمعه بتصويت النسوة لحزبه في المقبل من الانتخابات التونسية، التي هي على علاتها خير من انتخاباتنا..
ووسوس الشيطان في صدر السبسي بأن يعلن في ذلك التجمع النسوي المساواة بين الجنسين في الميراث، وإباحة زواج “المسلمة” من غير المسلم.
لا أناقش السبسي والمؤمنين بدعواه فيما أوحى به إليه الشيطان – جنيا كان أو إنسيا – لأنه ليس محل مناقشة وإقناع، وإنما هو أولا وأخيرا قضية إيمان، “وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم”. ولأنه: “إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم، أن يقولوا سمعنا وأطعنا”.
لا ريب في أن السبسي ومن زيّن له ما ذهب إليه من المشمولين بقوله عز وجل: “ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك، وما أنزل من قبلك، يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به..”
يا أيها السبسي، أذكرك بما كان يقوله لنا الشيخ أحمد توفيق المدني، رحمه الله، “لقد ابتعدت من مهدي واقتربت من لحدي”، فلا تدخل هذا اللحد وأنت مجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، ولا تلق ربك وأنت مشاقق ومحادد له، فسيأتي يوم تعض على يديك وتقول: يا ليتني أطعت الله وأطعت الرسول، ولم أتخذ فلانا خليلا المفروض أنك يا سي السبسي تعلم حكم من أنكر معلوما من الدين بالضرورة، فإن لم تعلم فلا تستنكف أن تسأل أهل الذكر عن ذلك، فإن أنت أصررت على الحنث العظيم فما أنت بمعجز الله – عز وجل – وقد ذهب الله بمن قبلك من الطواغيث من فرعون إلى بورقيبة إلى القذافي.. والقائمة مفتوحة.
في بعض مناطق الجزائر يقولون: “اللي لعب مع والديه بكى”، لأن صبر الوالدين سينتهي إلى صفع هذا “الصبي”، وسيبكيه ، فما بالك بـ “المغرور” الذي يكون ملعبة للشيطان، ويتجاوز “حدود الله”، فليضحك قليلا، وليبك كثيرا بما قدمت يداه.