-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الاستقلال، شخصيات ورموز

عابد شارف
  • 4121
  • 1
الاستقلال، شخصيات ورموز

لما اندلعت المظاهرات في مصر بداية السنة الجارية، قال أحدهم للسيد عبد الحميد مهري إن غليان الشارع في مصر وتونس جاء نتيجة لتعنت جيل لا يريد مغادرة السلطة. وقد كان زين العابدين بن علي قد تجاوز السبعين بينما تجاوز حسني مبارك الثمانين، في حين يوشك أصغرهم وهو معمر القذافي أن يبلغ السبعين.

  • ورد عبد الحميد مهري بطريقته الخاصة قائلا: إن مصر ستحل مشاكلها بطريقة سهلة إذا كان الأمر يتعلق بسن رئيسها، ويكفي أن يحل جمال مبارك محل أبيه لتعود المياه إلى مجاريها. ويمكن أن نذكر في نفس الإطار أنه من الممكن أن يأخذ سيف الإسلام منصب‭ ‬القائد‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تعيين‭ ‬أحمد‭ ‬مكان‭ ‬أبيه‭ ‬علي‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬صالح‭ ‬في‭ ‬اليمن‭ ‬كما‭ ‬نقترح‭ ‬تعيين‭ ‬السعيد‭ ‬مكان‭ ‬عبد‭ ‬العزيز‭ ‬بوتفليقة‭ ‬للقضاء‭ ‬على‭ ‬الأزمة‭ ‬في‭ ‬الجزائر‭…‬
    ويشير تعليق السيد عبد الحميد مهري إلى أن المشكل ليس متعلقا بسن قادة البلدان العربية، إنما بطريقة الوصول إلى السلطة وكيفية ممارسة السلطة. أما السن في حد ذاتها، فهي لا تشكل لا عائقا ولا سلاحا. وقد استولى معمر القذافي على السلطة وهو لم يبلغ سن الثلاثين، ونحن نرى ما فعل بها. وقد وصل كل من محمد السادس والأردني عبد الله الثاني وبشار الأسد إلى السلطة وهم شباب، لكنهم لم يختلفوا في ممارستهم السلطة عن آبائهم وأجدادهم رغم أنهم تابعوا دراسات عليا في أكبر الجامعات الغربية…
    عكس ذلك، يمكن أن نذكر الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان الذي وصل إلى السلطة وقد تجاوز السبعين من عمره، وغادر السلطة وهو يقارب الثمانين، واستطاع رغم فقر فكره السياسي أن يعيد لأمريكا مجدها وأن يحررها من عقدة حرب فيتنام. وكان السيناتور الأمريكي جون ماك كاين‭ ‬مرشحا‭ ‬للجمهوريين‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬الثانية‭ ‬والسبعين‭ ‬سنة‭ ‬2008‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يخجل‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬الشعب‭ ‬الأمريكي‭.‬
    أما في الجزائر، فقد أصبح الكلام عن سن قادة البلاد والطبقة السياسية بصفة عامة، أصبح كلام العام والخاص، وأصبح الكل ينادي برحيل هذا الجيل الذي يحكم البلاد منذ الاستقلال. وأصبح أي معلق يطالب برحيل الديناصورات ويطالب برئيس شاب، مثقف، خريج جامعة كبرى، وهي الصفات‭ ‬التي‭ ‬تجتمع‭ ‬في‭ ‬سيف‭ ‬الإسلام‭ ‬القذافي،‭ ‬الذي‭ ‬حصل‭ ‬على‭ ‬دكتوراه‭ ‬في‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية‭ ‬من‭ ‬جامعة‭ ‬بريطانية‭ ‬بعد‭ ‬تقديم‭ ‬بحث‭ ‬حول‭ ‬دور‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬التغيير‭…‬
    والواضح أن كل هذا الكلام حول سن الحكام يطرح قضية لا فائدة منها، بل إنه يطرح مشكلا مزيفا حتى لا نتكلم عن المشكل الحقيقي. وأصبح الجيل الذي شارك في حرب التحرير يظهر وكأنه المسؤول الأساسي عن أزمة البلاد. وتحول المجاهدون وما يسمى بالأسرة الثورية، تحولوا إلى رموز يسمح كل شخص لنفسه أن يطعن فيهم. وبسبب الغموض السائد في البلاد، أصبح المشكل لا يتمثل في غياب الديمقراطية، ولا في وجود نظام متسلط، ولا في سوء التسيير والتبذير، إنما المشكل هو الجيل الذي جاء بالاستقلال. ووراء هذه الاتهامات، تأتي التجاوزات التي تطعن في الرموز‭ ‬وفي‭ ‬الأشخاص،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تطعن‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الجيل‭ ‬بصفة‭ ‬شاملة،‭ ‬رغم‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬الأكثر‭ ‬تأثيرا‭ ‬على‭ ‬تاريخ‭ ‬الجزائر‭ ‬منذ‭ ‬مائتي‭ ‬سنة‭.‬
    وفي الأشهر الماضية، صدرت تصريحات تطعن في أبرز تلك الشخصيات، مثل أحمد بن بلة وحسين آيت أحمد. وصدر من قوم لا ذكر لهم، صدر منهم كلام لا يمكن قبوله أبدا حول هذه الرموز الأساسية. واستغرب الأخضر بورقعة كيف يمكن أن ينسى أي جزائري أن ابن بلة وآيت أحمد كانا في القيادة التاريخية للحركة السرية OS، وأنهما كانا في عملية السطو على بريد وهران قبل 61 سنة من أجل تمويل العمل السياسي للحركة الوطنية، وأنهما كانا بطبيعة الحال عضوين أساسيين في اندلاع الثورة التحريرية سنة 1954. فكيف يمكن الطعن في شخصيات من هذا الحجم، مع العلم أنه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬اتهامهما‭ ‬بأية‭ ‬مسؤولية‭ ‬في‭ ‬الوضع‭ ‬الحالي‭ ‬للبلاد‭ ‬لما‭ ‬نعرف‭ ‬أن‭ ‬آيت‭ ‬أحمد‭ ‬لم‭ ‬يمارس‭ ‬السلطة‭ ‬وأن‭ ‬ابن‭ ‬بلة‭ ‬أزيح‭ ‬من‭ ‬الحكم‭ ‬قبل‭ ‬46‭ ‬سنة؟
    ونذكر أن هذا الجيل حدد ثلاثة أهداف للثورة الجزائرية مثلما جاء في بيان أول نوفمبر: إعادة الدولة الجزائرية، وبناء نظام ديمقراطي، وبناء المغرب العربي. وقد تم تحقيق الخطوة الأولى بفضل جيل الاستقلال. ولن يكون من حق أي جيل أن ينتقد جيل الثورة إلا إذا حقق الخطوات‭ ‬الأخرى‭ ‬من‭ ‬برنامج‭ ‬أول‭ ‬نوفمبر،‭ ‬فلا‭ ‬يطعن‭ ‬فيهم‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬فعل‭ ‬مثلهم‭ ‬أو‭ ‬أحسن‭ ‬منهم‭.‬
     
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • moulay

    على جيل الاستقلال ان يضحي من اجل الديمقراطية الحقيقية المتمثلة اساسا في دولة الحق و القانون كما استطاع و بامتاز جيل الثورة من تحقيق هدفه الرئيسي المتمثل اساسا في استرجاع الحرية.
    و للاطلاع على جانب من تضحيات رجال الثورة زوروا هذا الموقع و ادلوا بارائكم

    www.moulay-brahim.fr.gd