الثلج هنا والقمح من هناك
يُنكّت الجزائريون بالقول إنه لا يهمّ أن يتهاطل الغيث هنا، ما دام القمح مهما بلغ مستوى تساقط الأمطار قادما من هناك، بل إن القنوط بلغ بالبعض درجة اقتراح أن تقام صلاة الاستسقاء في شمال القارة الأمريكية، وفي البلدان الأوروبية التي نستورد منها غذاءنا الأساسي وهو القمح، وغالبا ما يعصر الجزائري نِكاتها من مرارة وضعه، والتلفزيون الجزائري الذي قدّم طوال أيام العاصفة الثلجية الطويلة والعنيفة يوميا صور الجزائريين وهم يلهون بكريات الثلج، إنما اختصر عن غير قصد “فائدة”، هذا الغيث الذي منّ به الله على الجزائر فأتخم أرضها وأفاض سدودها، ونسف كل المبررات التي تحاول دائما أن تبرئ الإنسان الجزائري من تهمة التخلف، وتبحث عن متهم غيبي، فالوزير الأول قال مرة إن الجزائر ليست بلدا بتروليا، وهو يعلم أنها تأكل وتداوي وتترفّه وتبذر وتصرف على المسؤولين وأبنائهم وحتى على وزارته الأولى من أموال النفط فقط، ووزير فلاحة قال مرة إن الجزائر بلد بمناخ صحراوي، واقترح ألا يزرع بها القمح نهائيا، وهو يعلم أن كمية التساقط في معظم منطقة الشمال الجزائري يفوق كمية التهاطل في أثينا وروما، وكان من المفروض أن نحمد الله على ثروة من النادر أن تتوفر في بلد واحد، وهي النفط والغيث، وبحجم من الجحود ـ إن لم نقل من الكفر ـ عدم الاعتراف به.
الجزائريون بمسؤوليهم وبمواطنيهم، مازالوا يتعاملون مع أعيادهم الدينية وخيرات السماء بقليل من الشكر وكثير من الجشع، فبمجرد أن يهلّ رمضان أو تتهاطل الثلوج، حتى يجلد المواطنون بعضهم بعضا كالبنيان غير المرصوص، الذي لا يشد بعضه بعضا، في غياب كامل للدولة التي تتابع ارتفاع أسعار الغذاء والغاز وانقطاعات الماء والكهرباء، وكأنها غير معنية سوى بالتقليل من أهمية الثروة الباطنية، التي بها كانت وبها تستمر والثروة السطحية التي بها قد تضيع وتغرق.
فمنذ أسبوعين أقيمت صلاة الاستسقاء بعد تنسيق بين وزارتي الفلاحة والأوقاف، رغم علمهما بأن المشكلة ليست في الماء، وتعجز الآن الجماعات المحلية والسلطات الولاية والمركزية في تحويل نعمة الثلج والماء إلى برد وسلام على مواطنينها وعلى أراضيها، وكما ارتفع سعر النفط إلى ما فوق المئة دولار، دون أن تتحرك دواليب النمو الساكنة، وكان المسؤول الأول في الحكومة قد قال أمام كاميرا التلفزيون في زمن انهيار أسعار النفط، إن الجزائر ستقضي على كل مشاكلها إن بلغ سعر البترول خمسين دولارا!! وكذلك ارتفع مستوى تهاطل الغيث ومنسوب السدود، ولا أحد يأمل في أن تضاف حبة قمح واحدة إلى المحصول الضئيل الذي جعل الجزائر السبب الأول في ارتفاع أسعار القمح في الأسواق العالمية، بعد أن ارتقت بالطلب إلى أعلى مستوياته.
مشكلتنا مع الثلج الذي تبتلعه الأرض دون أن يتحول إلى حقول قمح أو عنب ورمان، هي مشكلتنا مع أسماك تعوم العمر كلّه في شاطئ يمتد على أكثر من ألف ومئتي كيلومتر، فتموت بالشيخوخة، ونستورد سمكنا من بلدان لا بحر فيها، وهي مشكلتنا مع أرض هي العاشرة كبرا في العالم، ولكنها تبور وتتحول إلى كومة إسمنت، وهي مشكلتنا مع تاريخ وجغرافيا وثروات طبيعية وبشرية، لا عين رأت مثل جمالها، ولا أذن سمعت بمثل سنفونياتها، ولا خطر على قلب أحد في العالم، مشكلتنا بالمختصر غير المفيد هي نحن!!