الحبيب اللمسي في ذمة الله
في يوم الأربعاء 17 ماي الماضي، وفي ساعة مبكرة نسبيا هاتفني الأخ محمد مولودي، وقبل أن أسأله عن أحواله سألته عن الحاج الحبيب اللمسي، الذي كان طريح الفراش، ولم يكن يرد على اتصالاتي الهاتفية.. فقال لي بصوت أقرب إلى الهمس، وتكاد تخنقه العبرات: الحاج اللمسي، رحمه الله..
حوقلت، واسترجعت، واسترحمت له من وسعت رحمته كل شيء، وكتبها –فضلا منه ولطفا- على نفسه..
منذ ذلك اليوم وأنا أحاول أن أكتب كلمة وفاء عن هذا الرجل، فلم يطاوعني القلم، وجمح وما سمح، وما تلك له بعادة..
كان الحاج اللمسي يحب الجزائر، وما حبّبه فيها قبل أن يزورها إلا ما عرفه في رجالها الذين عرفهم، وما عرفه عن رجالها الذين لم يعرفهم.. فوجدهم تجسيدا للقيم الإسلامية والوطنية من مروءة كاملة، وهمة عالية، وذمة طاهرة.. ومنهم الإمام محمد البشير الإبراهيمي، والداعية الفضيل الورتلاني، والأستاذ الصديق سعدي..
عرفت الحاج اللمسي في ملتقى الفكر الإسلامي الذي عقد في 1981، ثم راحت علاقتنا تترسخ مع الأيام.. وعندما انتدبت إلى مسجد باريس كان الحاج اللمسي يعرج على المسجد كلما زار باريس، للسلام على الشيخ العباس، وكثيرا ما كنت أحضر لقاءاتهما التي يستذكران فيها ذكرياتهما في المشرق العربي في خميسنيات القرن الماضي.. وكانا كثيري الحديث عن الزعيم عبد العزيز الثعالبي، والإمام الإبراهيمي، والزعيمين محي الدين القليبي والفضيل الورتلاني، والأستاذ صديق سعدي، الذي عين أول رئيس للمجلس الإسلامي الأعلى، بعد عودته من مصر. وكانت أمنية الحاج اللمسي أن تجمع مقالات الأستاذ سعدي، وأن يتولى هو نشرها في “دار الغرب الإسلامي” لما بينهما من مودة.. ولئن مدّ الله في عمري فسأتولى ذلك، وفاء للحاج اللمسي وتقديرا للأستاذ سعدي.
لقد ترجم الحاج اللمسي حبه للجزائر وتقديره لرجالها في العناية بتراثها وخدمته.. وإخراجه إلى العالم، وأهم هذا التراث هو تراث جمعية العلماء المسلمين الجزائرين ممثلا في آثار رئيسيها الإمامين عبد الحميد ابن باديس ومحمد البشير الإبراهيمي، وفي نشر مجلة الشهاب (16 مجلدا)، وجريدة البصائر (12 مجلدا)، وجرائد السّنة والشريعة والصراط، والشاب المسلم (بالفرنسية).
وأفتح قوسا هنا لأشير إلى ما اتهمنا به (الحبيب اللمسي وأنا) من أستحي من إجراء اسمه على لساني أو قلمي من أننا تاجرنا في هذه العملية وهو كذب وافتراء.. وقد اقترح عليّ أحد الإخوة المحامين أن أرفع دعوى، فقلت له: أريد أن أقبض الثمن في الآخرة، حيث سيبوء ببعض إثمي وإثم الحاج اللمسي.. وكل إناء بالذي فيه ينضح.
لقد خدم الحاج اللمسي الجزائر خدمة جليلة لم تقم بها مؤسسات جزائرية تحت يدها أموال طائلة، وموظفون كثر.. وما ذلك إلا لعدم تقدير تلك المؤسسات لذلك التراث.. واهتمامها بـ “الراي” وأصحابه الذين لا رأي لهم..
كما نشر الحاج اللمسي الفكر الجزائري المعاصر ممثلا في إنتاج الأساتذة سعد الله، ومحمد ناصر، وأحمد طالب، وصالح خرفي، وسعيدوني، وبوحوش، ومناصرية، ومعريش، وبابا عمي، وطالبي، وبوعزيز، والسلمانيان.. وأوصل هذا الفكر إلى المعارض الدولية والمكتبات في مختلف الأصقاع.
خدمة أخرى قدمها الحاج اللمسي للتراث الفقهي للمذهب المالكي في الغرب الإسلامي، فسدّ بذلك نقصا كبيرا عجزت عن سدّه أو رفضت مؤسسات رسمية في هذه المنطقة ماعدا المغرب الاقصى، وإن بقي محصورا فيه.. فإذا كان المصريون –كما قال أحد الإخوة- قد خدموا المذهب الشافعي تحقيقا ونشرا، وإذا كان السعوديون قد خدموا المذهب الحنبلي، تحقيقا ونشرا، وإذا كان العراقيون والشوام قد خدموا المذهب الحنفي.. فإن المذهب المالكي بقي “يتيما” حتى يتبناه الحاج اللمسي، فنشر مخطوطاته نشرا علميا اعترف به العلماء والناشرون.. ففرض احترامه على الجميع، وأوصله إلى كبريات المكتبات الجامعية في العالم.
شعار الحاج اللمسي هو نشر ما ينفع لا ما يمتع، ونشر ما لم ينشر من قبل، أو إضافة إلى ما قد سبق نشره. وكان كثيرا ما يعلق على كثير من الكتب بقوله “كتب نشر الأمية”، أو كتب نشر الفواحش عن طريق “اللاأدب”.
أكره ما يكره السياسيين الطغاة، والمتملقين لهم من “العلماء” و”الأدباء”، وكان يسمى هؤلاء الطغاة “الاستعمار الوطني”.. وكان يعتبر الركون إليهم من الإثم، وإسقاطا للمروءة والكرامة.. وكم حدثني عن بعض “العلماء” الذين أهانوا العلم، واستخدمهم “رؤساء” و”ملوك” لا يعرفون قراءة أبسط ما يكتب لهم.
وأعلم أن الحاج اللمسي قدم مساعدات مادية للطلبة الجزائريين في لبنان وسوريا، وقد اعترف بعضهم بذلك.
وإذا كان أكثر الجزائريين يبخلون عن “جمعية العلماء”، فإنني أشهد أن الحاج اللمسي كان يشترك كل سنة في جريدة البصائر، ويصرّ على إرسالها له إلى بيروت.
كان كلما زار الجزائر يحرص على زيارة أربعة من رجالاتها من ذوي المقامات المعنوية، وهم الشيخان أحمد سحنون وشيبان، والدكتوران أحمد طالب وسعد الله.. وكان يزودهم ببعض منشوراته أو بما يطلبون من منشورات غيره. ومما قاله فيه الشيخ أحمد سحنون:
يا “حبيبا” لكل نفس ويا “لمسي” ** لمست المنى بنشر الكتاب
واصطفيتم لـ “مالك” مذهبا ** كان جديرا بالحب والإعجاب
فأنلتم “عبد الحميد” يدا جلت ** وأكرمته بطبع “الشهاب”
أنت نعم الحبيب والناشر للدّ ** ين بدنيا العلوم والآداب
رحم الله – البر الرحيم – عبده الصالح الحاج اللمسي، وجزاه الجزاء الاوفى وأكرمه في مقعد الصدق وإننا لفراقك لمحزونون يا حبيب.